"ده ظلم"
استقبلتني نظرات الحب من كل ممن رأيته: من حارس العمارة، وصاحب السنترال بالدور الأرضي، وأمين الشرطة بقسم سيدي جابر، حتى المخبرين الذين كانوا معي في سيارة الشرطة حيث استقرَّ بنا المقام في قسم الترحيلات كالعادة، وأخذت أوزع السلامات على الضباط والصف والجنود، فقد حفظوني وحفظتهم، وعلمتُ قبل دخولي الزنزانة بأنَّ لي إخوانًا كثيرين سبقوني إلى الترحيلات، وما إن دخلت حتى علا صوت رقيق كأنه لم ينفعل من قبل قط، ويقول بوجه مبتسم وبشاشة تملأ أساريره: ده ظلم، وتوجَّه قلبي لمصدر الصوت وأنا متأكد أنه حبيب قلبي: أكرم، فانطلق لساني: المهندس أكرم!!!، وامتلكني العجب وأخذتُ أضحك، ولم أجد مكانًا فوقفتُ أوزع النظرات على الإخوان وقد صاحبها إرسال النكات وتبادلنا الضحكات، فكان منهم مَن يتجاوب معي مثل المهندس أكرم، ومنهم مَن كان مستغرقًا في نومٍ عميق، ومنهم مَن كان غير عابئ بما نتبادله من نكاتٍ أنا والمهندس أكرم!!.
![]() |
|
جمال ماضي |
بين الحين والحين ينطلق الصوت الرفيع الرقيق فتمتزج الضحكات بالبسمات والسخريات والنكات قائلاً: ده ظلم.
حتى أصبحت شعارًا الكل أخذ يردده، كلما أردنا أن نضحك!! وينطلق صوت أكرم لأتفه الأسباب: ده ظلم، فين الشبشب؟ ده ظلم، الحنفية مكسورة، ده ظلم، مفيش إفطار، ده ظلم، سوستة الشنطة انكسرت، ده ظلم، وبذلك وبفضل من الله ثم المهندس أكرم تحوَّلت اللحظات الأولى إلى تبادل البسمات والقفشات والضحكات، وبالطبع ده ظلم.
"ده الموضوع كبير"
ووصلنا إلى نيابة أمن الدولة بالقاهرة، وكان عددنا حتى اللحظة يزيد على الخمسين من محافظاتٍ مختلفة، فلم يستطيعوا إنهاء التحقيقات في نفس اليوم، أما الآخرون فعليهم الانتظار إلى الغد، وكنا مجموعة الإسكندرية ممن تأجَّل التحقيق معهم، وأخذونا إلى قسم شرطة مدينة نصر، وهو 5 نجوم فالذي يستقبلك ضباط، وهو مكان ظريف فيه دورة مياه، ولكنه كان ضيقًا على هذا العدد، ولكنها ليلة، ولم يتحرك أحدنا من وضعه حتى يتسع المكان لنا جميعًا، ولم أنم قليلاً وكانت فرصة للدردشة الهامسة مع أكرم؛ حيث كان بجواري، ويقول: ده الموضوع كبير، وأخذنا نرددها مدة، وكانت بالفعل هناك مستجدات لأول مرة لم أرها منذ 95، تشميع 20 شركة منهم شركة المهندس أكرم، ومصادرة ما يصل إلى 3 ملايين جنيه، و21 كمبيوتر من إحدى الشركات عدا الكمبيوترات الشخصية، ومن 6 محافظات، والقذافي، وهو إمام مسجد لا ينتمي إلى الإخوان قالوا إنه المسئول عن تسفير الناس إلى فلسطين والعراق للتدريب ثم الرجوع لإحداث عملية قلب نظام الحكم، وكان أكرم يهمس في آذاننا، فقد كانت النكتة حاضرة قائلاً: عملية قلب عن طريق الأسطرة!!.
وتفرقنا في عنبر 2
كان أول افتتاح لعنبر 2، من نصيبنا، خاصةً بعد ترميمه وتجميله، وتذكرت أول سجنٍ لي 95 كان في عنبر 2، ولكن بصورته القديمة التي أقل ما كانت تُوصف بحظيرة حيوانات، وكان أكبر عدد من الإسكندرية فتم تقسيمه على زنزانتين بطريقةٍ عشوائية، فأصبح أكرم في زنزانة وأنا في أخرى، وتفرقنا في عنبر 2، ولما كان فتح باب الزنزانة ممنوع منعًا باتًا، حرمونا من رؤية بعضنا لبعض، فأصبحنا لا شمس، ولا هواء، ولا ماء، ولا طعام، ولا أهالي، ولا دواء، وكانت قلوبنا غير عابئة إلا بالمهندس أكرم المريض بالسكر، وكان خوفنا من مضاعفات قد تحدث له نتيجة هذا العسف والظلم، فالدواء الذي جاء مع المحامين ردوه، وزيارة الأهالي منعوها، وبدأت الظنون السوداء تستبد بنا بأن اتجاهًا أمنيًّا إلى سير القضية نحو التعذيب، الذي بدأ بالفعل بإخوة القاهرة، ثم الغربية، ثم الإسكندرية، وقد طلبني ضابط أمن الدولة بالسجن مهددًا بعد خطف المهندس مدحت والأستاذ زويل وقائلاً لي: الدور عليك يا جيمي، والتأديب الآن غير الماضي!!.
في هذا الجو ما ذنب هذا الجسد الذي أكله مرض السكر؟ في هذا الجو الذي يُمنع فيه الدواء ماذا يريدون بنا؟ وتساءلنا هل هو الموت البطيء المتعمد؟.
موعد مع الشهادة
كنا نُعرض على النيابة مجموعات، وكنتُ أُعرض مع مجموعة المهندس أكرم، وأول عرضٍ لنا جلس المهندس أكرم بجوار رئيس النيابة قائلاً: أنا مريض بالسكر منذ عشرين عامًا، ولي امتحان ماجستير في كلية الهندسة، فكان ردَّ رئيس النيابة: أما بالنسبة للمستشفى فسأكتبُ لك أمرًا بالخروج إلى المستشفى، ومتى تحب أن تذهب إليها قبل الامتحان أم بعد الامتحان؟!!، هكذا كانت العروض التي لا حيلةَ للنيابة بتنفيذها، فهي وعود في الهواء يفضون بها المجالس حتى ولو كانت على حساب صحة الإنسان!!.
ومضت الأيام وفوجئنا بزيارة ضابط من جهاز أمن الدولة، بعد اختفاء المقيم بالسجن، وما إن رآني حتى رحَّب بي محتضنًا إياي فتذكرته على الفور فقد كان يأتينا أيام العسكرية، وكان هو مهندس مبادرة الجماعة الإسلامية في وقف العنف، وهو يمثل الاتجاه الحواري داخل أمن الدولة، فرحبتُ به وأخذ يتودد للإخوان وعرفتُه بالمهندس مدحت، فأخذنا بعيدًا في ركنٍ من الزنزانة، وأسرَّ إليَّ أنا والمهندس مدحت بالخبر الذي وقع على قلبي كالزلزال؛ خبر استشهاد المهندس أكرم، طالبًا منا طريقة إخباره للإخوان، خاصةً مَن كانوا معه في الزنزانة، ومحاولاً تبرئة الداخلية من دم أكرم! وقد تزامن ذلك حضور الدكتور أسامة من مستشفى قصر العيني الذي نقلوا له الخبر عند بوابة السجن؛ ولأن الدكتور أسامة كان يسكن نفس زنزانة أكرم، فقد تحمَّل عبء تبليغ إخوانه وسط مشاعر الحزن العميق من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى كطبيبٍ كان معه لحظة بلحظة، وكان شاهدًا على الإهمال، وقد واجههم بقوة، وصدق وإخلاص، حينما زار السجن لجان التحقيق من مجلس الشعب والداخلية.
لقد كانت بالفعل مفاجأةً للجميع, أن يستشهد أكرم وهو في طريقه إلى المستشفي بعربة الإسعاف، وقد توافد علينا مسئولو أمن الدولة، ومباحث السجون، ومصلحة السجون، غير إدارة السجن التي كانت متوترةً ومضطربةً، وفتح استشهاد أكرم نتيجة الإهمال في إجراءات التعامل معه، فتح ملف التعذيب، وأننا جميعًا معرضون للموت في أي لحظة، وخاصةً المرضى منا، وسجَّلنا ذلك في النيابة.
وكانت مجموعتنا في العرض على النيابة أربعة، وباستشهاد أكرم لك أن تتصور مشاعرنا بدون أكرم، فمنذ أسبوعين فقط، كان يجلس بجوارنا، وله آمال وطموحات ومستقبل يراه لأولاده الثلاثة آنذاك، الذين كانوا أبطالاً ومثالاً يُحتذى به، وقد قرأنا ذلك فيما نشره الأخ الصحفي أحمد مخيمر في حوارٍ مع زوجة الشهيد وأبنائه.
أكرم الشهيد في كل مصر
لم تنقطع الدموع من عيوننا، وكانت تأتينا جريدة (آفاق عربية) التي غطَّت الحدث بأحداثه خطوةً بخطوة، وسمعنا أن الإسكندرية أقامت عرسًا للشهيد حضره فضيلة المرشد العام، وكانت جنازته في دمياط بلد الشهيد؛ حيث بلغ عدد الذين حضروا الجنازة أكثر من عشرة آلاف من الناس.
أما داخل السجن فقد واكبت أحداث التعذيب واستشهاد أكرم أننا سمعنا بأن لجنة تحقيق ستستمع لكل مَن ذهب إلى التعذيب، وقد بدأت القصة من النائب الإخواني الدكتور حمدي حسن، الذي ما إن سمع باستشهاد أكرم إلا وقد أمسك بتلابيب رئيس المجلس الدكتور فتحي سرور قائلاً صارخًا: قتلوا أخويا.. وتكونت لجنة من الأمن القومي ونواب الإخوان والنواب المستقلين برئاسة فتحي قزمان رئيس اللجنة، واستمعت اللجنة لأربعةٍ من الإخوان: الدكتور جمال نصار، والمهندس مدحت، والمهندس محمد أسامة، والدكتور أسامة نصر الشاهد الوحيد على استشهاد أكرم.
وكانت النتائج قوية؛ مما حدا بالنائب العام إلى رفض حضور اللجنة مرةً ثانية، للاستماع للآخرين، وجاءتنا الجرائد الرسمية في اليوم التالي تحمل تقرير اللجنة الذي لم يُكتب بعد، ومفاده بأن اللجنة: "لم ترَ آثارًا لتعذيبٍ على أحد".
ولم يفارقنا الشهيد لحظة واحدة
وفي حفل الختام لخروجنا كان عليَّ أن أُلقي كلمة نيابةً عن إخوان الإسكندرية، وما إن ذُكِرَ اسم الشهيد، إلا وقد هطلت سيولٌ من الدموع في لحظاتِ صمت، أخذتُ بعدها أسبح في خيوطها، هل هو الشوق إلى وجوده اليوم بيننا؟، هل هو الافتقاد فقد جئنا معًا لنخرج معًا؟، هل هو حال الأولاد الذين ينتظرون قدوم أبيهم؟ هل حال أحبابه الذين ينتظرونه ببسمته وهدوئه فور رجوعه؟.
أسئلة كثيرة، ولكنها وغيرها اجتمعت كلها معًا؛ لتنسج دموعًا على الشهيد، سرعان ما أفقت مع نفسي على مشهد أكرم وهو في روضة من رياض الجنة، وقد بدَّله الله بأحبابٍ لا يخطرون على بال أحد، وباثنتين وسبعين من الحور العين، وغلمان قائمين على خدمته، ومعه في هذا النعيم أسرته الكريمة زوجته الصابرة والأبناء، ومعهم دعاء ابنته التي وقفت تدعو الله في جنازته أن تكون ألحق أبنائه بأبيها، فكتب الله لها ذلك في حادثٍ أليم بعده بعام.
وانتابني سرورٌ مع أُمنية ورجاء أن يشفع الشهيد لأبناء قضيته التي عُرفت في تاريخ الإخوان بمجموعة الشهيد أكرم زهيري.
وهكذا لم يفارقنا الشهيد لحظةً واحدةً، وقلت: إن كنا نخرج اللحظة إلى الدنيا للابتلاء والامتحان؟ فقد خرج الشهيد فائزًا ناجحًا في أكمل صورة وأبهى إشراقة، صابرًا محتسبًا في إقدامٍ وجهاد، لا اختفاءَ وارتكاس.
أيتها الدموع:
- ارو للأجيال كلمته من أول لحظة: ده ظلم.
- ارو للأجيال ابتسامته في الثقة بربه والرضا بقضائه.
- ارو للأجيال هدوءه بثباته ورقي فهمه.
- ارو للأجيال رقَّته التي أجبرت الجميع على حبه.
وهنيئا لكَ يا أكرم.. فكلنا محبوس ونخرج من الدنيا، وأحدنا إما خارج من حبس أو داخل في حبس، والآن خرجت يا أكرم من الحبس لتخلد في أكمل نعيم، وأحلى انطلاقة، وأجمل حرية.
وهكذا بمجرد ذكر اسم الشهيد، انطلقت المعاني، وطارت العبارات، لتستقر في المشاعر الهمم، وتتعمق في الوجدان روح الجهاد، حتى النصر والتمكين بإذن الله.
----------
