لقد جبل الله سبحانه وتعالى لنا سنة النبي- صلى الله عليه وسلم- تطبيقًا عمليًّا لما أمر الله تعالى به في كتابه الحكيم، ونبراسًا لنا نهتدي بنوره في كل ما يعن لنا من أمور؛ ولذلك فإن كل حدث في سيرته- صلى الله عليه وسلم- يحتاج منا أن نقف أمامه ندرسه ونحلله ونستخرج منه عبره وعظاته وتطبيقاته في واقعنا اليوم حتى يتحقق فينا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)﴾ (الأحزاب)، وهذه وقفة بين يدي حدث مهم وفارق في سيرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومسيرة الدعوة الإسلامية آنذاك، أسماه الله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)﴾ (الفتح)؛ ألا وهو صلح الحديبية.

 

ونبدأ أولاً بسرد مختصر للوقعة ثم نتبع ذلك ببيان بعض الدروس المستفادة منها.
رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في منامه أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأنه يأخذ مفتاح الكعبة، وأنهم يطوفون ويستمرون، ويحلق بعضهم ويقصر البعض الآخر، فأخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصحابه بذلك، ففرحوا فرحًا شديدًا، فرؤيا الأنبياء حق، وتجهز المسلمون للعمرة، واستنفر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من حوله من أعراب البوادي، ليخرجوا معه فأبطأ كثير منهم، وخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومعه زوجه أم سلمة في ألف وخمسمائة من المسلمين في غرة ذي القعدة من العام السادس للهجرة متجهًا إلى مكة، فلما وصل إلى ذي الحليفة قلد الهدى وأشعره وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليخرج المسلمون بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في القرب، وسمعت قريش بخروج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقررت أن تصده عن دخول مكة كيفما يكون، فخرج خالد بن الوليد في مائتين من الفرسان ينتظر المسلمين في الطريق الرئيسي الموصل إلى مكة، فعلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذلك فسلك طريقًا وعرًا بين الشعاب تجنب به خالد بن الوليد، ومضى باتجاه مكة حتى إذا ما وصل إلى مهبط الحديبية بركت ناقته القصواء فأخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه حابس الفيل قد حبسها ثم قال: "والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها" ثم زجر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ناقته وعدل بها حتى نزل أقصى الحديبية.

 

أرسلت قريش الرسل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الواحد تلو الآخر حين علمت بنزوله بالحديبية، فأخبرهم عليه الصلاة والسلام أنه لم يأت لقتال، وخيرهم بين أمور ثلاثة: إما أن يخلوا بينه وبين الناس، أو أن يدخلوا في الإسلام، فإن أبوا فالقتال. ولما رأى بعض شباب قريش الطامحين إلى الحرب رغبة زعمائهم في الصلح تسلل سبعون أو ثمانون منهم إلى معسكر المسلمين ليلاً ليحدثوا فيه أحداثًا تشعل الحرب، غير أن قائد حرس المسلمين أسرهم جميعًا، فأرسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أرسل عثمان بن عفان إلى قريش ليخبر قادتها أن المسلمين لم يأتوا لقتال وإنما جاءوا عمارًا، وليدعوهم إلى الإسلام ودخل سيدنا عثمان بن عفان مكة في جوار أحد المشركين، وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش واحتبسته قريش عندها كي يتشاوروا بينهم ويبرموا أمرهم، ثم يردوا عثمان بجواب ما جاء به من الرسالة، غير أن احتباس عثمان طال وشاع بين المسلمين أنه قتل، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين بلغته تلك الشائعة (لا نبرح حتى نناجز القوم) ثم دعا أصحابه إلى البيعة فبايعه المسلمون أجمعون إلا رجلاً من المنافقين، وكان موضع البيعة تحت شجرة، وهي بيعة الرضوان التي أنزل الله تعالى فيها ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)﴾ (الفتح).

 

عرفت قريش بذلك حراجة موقفها فأسرعت إلى بعث سهيل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت أن لا يكون في الصلح إلا أن يرجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من عامه هذا حتى لا تتحدث العرب أنه قد دخل عليهم مكة عنوة، فلما رأى رسول- صلى الله عليه وسلم- سهيل بن عمرو قال "قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل" وتم الاتفاق على الصلح وكانت بنوده كما يلي:

1- يرجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من عامه هذا ويعود للعمرة في العام القابل فيقيم المسلمون بمكة ثلاثًا وليس معهم إلا سلاح الراكب ولا تتعرض قريش لهم.

 

2- توضع الحرب بين الطرفين عشر سنين.

 

3- مَن أحب أن يدخل من القبائل في حلف أي من الطرفين دخل وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي فريق جزءًا من ذلك الفريق والعدوان عليها يعتبر عدوانًا على ذلك الفريق.

 

4- من أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من قريش من غير إذن وليه رده إليهم، أما من جاء قريشًا من المسلمين فلا يُرَد.

 

دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليكتب الكتاب فأملاه "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل: أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم "فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عليًّا فكتبها كذلك، ثم أملى "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله" فقال سهيل "لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني رسول الله وإن كذبتموني"، ولكنه أمر عليًّا أن يكتب محمد بن عبد الله وأن يمحو لفظ رسول الله فأبى علي أن يمحو هذا اللفظ فمحاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودخلت بنو بكر في عهد قريش.

 

وبينما الكتاب يكتب إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد خرج من مكة حتى رمى نفسه بين ظهور المسلمين فأبى سهيل إلا أن يرد إليه أبو جندل، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إنا لم نقضِ الكتابَ بعد، فقال سهيل: "فوالله لا أقاضيك على شيء أبدًا" وضرب سهيل أبا جندل في وجهه وأخذ بتلابيبه يجره ليرده إلى المشركين وأبو جندل يصرخ بأعلى صوته "يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني"، فيقول له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمَن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله فلا نغدر بهم".

 

فوثب عمر بن الخطاب يمشي بجوار أبي جندل ويدني منه قائم سيفه ويقول "اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب"، ويرجو عمر بذلك أن يأخذ أبو جندل السيف فيضرب أباه ولكن أبا جندل لم يفعل.

 

لما فرغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الكتاب قال: "قوموا فانحروا" وكان المسلمون في حزن شديد لذلك الكتاب فلم يقم منهم أحد، فكررها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثلاثًا فلم يقم منهم أحد، فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فأشارت عليه بأن يخرج فلا يكلم أحدًا حتى يخرج بدنه ويحلق فقام ففعل فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق وبعضهم يقصر وهم في غم شديد، فقد كان المسلمون يحملون على صدورهم همين، أولهما أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد أخبرهم برؤياه ولم تتحقق، وثانيهما أنهم كانوا يرون في تلك المعاهدة إعطاء للدنية في الدين، وما كان يجيش في نفوس المسلمين ما خاطب به عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صراحة فذهب إليه وقال: "يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل"، قال "بلى"، قال: "أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار" قال "بلى"، قال: "فيم نعطى الدنية في ديننا"، قال "يا بن الخطاب إني رسول الله ولست أعصه وهو ناصري ولن يضيعني أبدًا" فقال عمر: "أو ليس كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به"، قال "بلى، أفأخبرتك أن تأتيه العام"، قال "لا"، قال: "فإنك آتيه ومطوف به".

 

ثم نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)﴾ (الفتح)، فأرسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى عمر فقرأها عليه فقال عمر "يا رسول الله أو فتح هو" قال: "نعم"، فطابت نفس عمر ورجع.

 

ونقف بعد سرد الوقائع عند بعض الدروس المستفادة من صلح الحديبية:

أولاً: إن الدعوة الإسلامية تحتاج إلى فترات يتوقف فيها الصراع المباشر بين أصحاب الدعوة وخصومهم حتى يتسنى لأصحاب الدعوة الاختلاط بالناس وبيان دعوتهم فيأمنهم الناس ويقبلوا على الدعوة غير خائفين من بطش الباطشين، وعلى قادة الدعوات أن يترقبوا مثل هذه الفرص ويتحينوها، بل وأن يسعوا إليه، فلا ننسى أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو الذي بدأ بعرض الصلح، وعليهم أن يحافظوا عليها إن وجدت ما دامت تؤتي ثمارها، وثمار تلك الفترات عظيمة، فهي التي وصفها الله تعالى بأنها فتح مبين حين قال تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)﴾ (الفتح)، ولم يكن المسلمون حينذاك فاتحين لأرض أو منتصرين في معركة، وإنما كان هذا الفتح فتحًا للقلوب وانتشارًا للدعوة في نفوس الناس، وهو غاية المراد، وقد دخل في عامين اثنين فقط تليا الصلح، من العام السادس للهجرة حتى فتح مكة في العام الثامن للهجرة، دخل في الإسلام عدد يساوي أو يزيد على عدد مَن أسلم في تسعة عشر عامًا منذ بعثة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى عام الصلح، حتى إننا نرى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين دخل مكة فاتحًا يسير في جيش من عشرة آلاف من المسلمين لم يسر في مثله قط قبل ذلك.

 

ثانيًا: يجيب تغليب المصلحة العليا على المصلحة الدنيا، ويجوز التنازل عما هو ليس من ثوابت الدين وأصوله لتحقيق مصلحة أكبر، فالناظر إلى بنود الصلح- ذلك الصلح الذي أسماه الله تعالى "فتحًا مبينًا"؛ يجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قدَّم تنازلات عديدة أثارت حفيظة المسلمين حتى اعتبروها- كما قال عمر بن الخطاب- إعطاءً للدنية في الدين، فهو قد عاد دون أن يعتمر، مع ما في ذلك من إمضاء لكلمة أهل الشرك ستتحدث به العرب ولا شك، وأقرَّ بإعادة مَن جاء مسلمًا دون إذن وليه، بل وطبَّق ذلك عمليًّا على أبي جندل، وأقرَّ بعدم إعادة مَن ذهب مرتدًّا إلى مكة من المسلمين، وهو قد حذف لفظ الرحمن الرحيم من الكتاب، وحذف أيضًا صفته كرسول الله من الكتاب، وكلها أمور كبرت في نفوس المسلمين في حينها، كيف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وهو الذي حذَّره ربه من مداهنة المشركين: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾ (القلم)، ونهاه عن موافقتهم على ما يريدون ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1)﴾ (الأحزاب)، وهو الذي لم يعهد عليه قط أنه قدَّم تنازلات للمشركين، والرد على ذلك بسيط؛ ذلك أن أيًّا من الأمور التي تنازل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لم يكن من الثوابت التي لا يجوز التنازل عنها، فأداء العمرة في ذلك العام بذاته ليس من الثوابت، وتجنيب تعريض المسلمين للأذى والفتنة في الدين، وإن كان مرغوبًا فيه فإنه ليس من الثوابت، بل إن من سنن الدعوات أن يُبتلى أفرادها، وأن يبذلوا من أنفسهم ما يدفعون به الأذى عن دعوتهم ويرفعون به شأنها، والإقرار بأن الله تعالى هو الرحمن الرحيم، وبأن محمدًا هو رسول الله؛ وإن كان من الثوابت إلا أن كتابتها في وثيقة الصلح ليس من الثوابت، ومن هنا فإن على كل قائم بأمر الدعوة أيًّا كان موقعه- في القيادة أو غيرها وعلى الأخص في القيادة- أن يُفرِّق بين الثوابت والمتغيرات، وبين الأصول والفروع، وبين أهداف العمل ووسائله، وأن يتبين الأوزان النسبية للأهداف وطبيعة المرحلة، وأن يكون على دراية بفقه الموازنات وفقه الأولويات؛ حتى لا يأتي موقف يتمسك فيه بما هو ليس من الثوابت، أو بما هو الأدنى فائدةً، ويُضيِّع في سبيل ذلك ما هو أنفع وأجدى، وفي هذا الإطار أيضًا نُشير إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون الرأي الأكثر تشددًا أو تصلبًا هو الرأي الأقرب للتقوى أو الأقرب للصواب، ففي هذا الموقف كان عموم المسلمين- وعلى رأسهم عمر بن الخطاب- هم الأكثر تشددًا في موقفهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صاحب الرأي الألين، ونزل القرآن موفقًا لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ثالثًا: اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقود دائمًا إلى الخير، وإنْ استغلق فهم الحكمة من أمره على عقول الناس، بل على عقول أجلِّ الصحابة وأعظمهم قدرًا؛ ولئنْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غاب عنا اليوم، إلا أن القرآن باقٍ وسنته باقية واتباعهما اليوم هو اتباع لأمره صلى الله عليه وسلم، وفيهما دائمًا الخير؛ حتى وإنْ غابت الحكمة عن أذهان بعض الناس، وهذا ما أمرنا الله تعالى به حين قال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80)﴾ (النساء).

 

رابعًا: إتاحة الفرصة كاملةً لعموم الأفراد لإبداء رأيهم في المواقف والقرارات، ومناقشتهم فيها واجب من واجبات القيادة، وإبداء الرأي والمصارحة بما في النفس، وإسداء النصح ليس فقط حقًّا من حقوق الأفراد، بل هي واجبات عليهم القيام بها.

 

فرسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو الرسول الموحى إليه- لم يضق بحوار عمر بن الخطاب ولم يأمره بالسكوت، وإنما كان يستمع إليه ويجيبه، وكان حريصًا على إقناعه حتى إنه ناداه حين نزلت سورة الفتح، وقرأها عليه فطابت نفس عمر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واسع الصدر حليمًا في كل ذلك، برغم شدة جدال سيدنا عمر التي ندم عليها بعد ذلك ندمًا شديدًا؛ لما رأى فيها من تجاوزٍ مع مقام النبوة.

 

خامسًا: في حياة المسلم لحظات تكون فارقة في حياته، تأتيه على غير موعدٍ أو توقع حاملة له اختبارات أو ابتلاءات تكون فارقةً في حياته، وفي مكانته عند ربه تعالى قد ترفعه إلى خير موضع يتمناه كل مسلم، وقد تهبط به والعياذ بالله إلى منازل الهالكين؛ فالمسلمون حين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آنذاك كانوا خارجين للعمرة، ولم يكونوا يعلمون أنهم ماضون إلى موقفٍ يُبايعون فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال قومٍ يفوقونهم عددًا، وليس مع المسلمين إلا سلاح الراكب، دخل المسلمون هذا الاختبار على غير موعدٍ أو توقع، ووفقهم الله تعالى فيه، ورفعهم به إلى تلك المرتبة العليا، مرتبة الفوز برضوانه حين قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)﴾ (الفتح).

 

بينما وصف تعالى من تخلَّف عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة بقوله ﴿..وَكُنتُمْ قَوْماً بُورًا﴾ (الفتح: من الآية 12)، وكذلك يوم بدر خرج المسلمون للعير، فوجدوا أنفسهم بغير قصد منهم أو إعداد يواجهون النفير، ورفع الله تعالى من شهد بدرًا إلى موقع قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وعلى كل مسلم أن يترقب مثل هذه المواقف يترصدها، فهي تجيء كما قلنا على غير موعدٍ وبغير إعداد، فقد تكون الفتنة والاختبار عند دخول السجن، وقد تكون عند الخروج منه إلى مشاغل الحياة، وقد تكون عند موقف فارق في مسيرة الجماعة، أو في حياة الإنسان، وعلى المسلم أن يسأل الله تعالى التوفيق في مثل هذه المواقف، فهو وحده الموفق فيها، وأخبر عن ذلك بقوله تعالى في بيعة الرضوان: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)﴾ (الفتح).

 

سادسًا: الوفاء بالعهد شيمة من شيم المسلمين، فلا غدر ولا خيانة؛ حتى لو خسر المسلمون في سبيل ذلك ما يظنون أنهم يخسرونه، فالإسلام ما علا أبدًا من خلال عذر أو خيانة أو ظلم أو غير ذلك من مساوئ الأخلاق، بل علا وانتشر ودخل فيه الناس لإعلائه القيم على المكاسب، والتزامه بمكارم الأخلاق؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جندل: "إنَّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا.. فلا نغدر بهم"؛ فليس لنا أبدًا أن نتجاوز عن قيمةٍ من قيم الإسلام؛ حتى وإن فعل منافسونا أو خصومنا ذلك، فإننا إن شابهناهم نكون قد تنكرنا لمبادئ الإسلام التي ندعو إليها، وتركنا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

سابعًا: صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أهل مبادرة وإبداع، فما أن يضيق الأمر بالجماعة المسلمة؛ حتى ترى واحدة منهم قد أهمه الأمر ففكر وبادر بالفعل أو الاقتراح، فهذه السيدة أم سلمة حلَّت بفكرتها مشكلة تباطؤ المسلمين في تنفيذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بصير كان حاله مثل حال أبي جندل، أسلم واحتجزه قومه في مكة ففرَّ أبو بصير من مكة حتى أتى ساحل البحر، وأقام هناك ولحق به أبو جندل، ومن هم في مثل حالهما، وجعلوا يقطعون الطريق على قوافل قريش حتى تأذت قريش أذى شديدًا، وأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجوه أن يلغي ذلك الشرط من بنود المعاهدة، وأن يضم إليه أبا بصير وأصحابه، فأبو بصير إذن لم يجلس منتظرًا الفرج، وإنما نظر إلى مساحة الحركة المتاحة له، والتي لا تنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففكر واجتهد وبادر وأبدع وحول- كما يقال بلغة القوم- الأزمة إلى فرصة.

 

ثامنًا: لوحدة الصف وتماسكه والتفافه حول قيادته أثر عظيم في تخذيل الأعداء وتثبيطهم، ذلك أن أحد الرسل الذين أرسلتهم قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الصلح كان عروة بن مسعود الثقفي، ولم يمكث عروة طويلاً بين المسلمين؛ حتى عاد إلى قريش ينصحهم بقبول الصلح، وما أخاف عروة لم يكن كثرة عدد المسلمين- وقد كانوا قلة بالنسبة إلى عدد المشركين- ولا عتادهم، فلم يكن معهم إلا سلاح الراكب، وإنما أخافه موقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين، ووقوفهم خلفه صفًّا واحدًا متماسكًا، فهذا هو ما قاله عروة بن مسعود حين رجع إلى قريش أي قوم أصحابه: "ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامةً إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها".

 

فالصف المتماسك القوي الملتف حول قيادته هو أشد ما يؤذي أعداء الدعوة قديمًا وحديثًا.

 

تاسعًا: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة في قيادته للجماعة المسلمة في كافة المجالات، فكان يشاور أصحابه، ويستمع إليهم، ويأخذ بمشورتهم، وكان حليمًا مع من خالفوه فلم يحتد عليهم، وإنما حاورهم وأقنعهم، وكان حاسمًا في مواقف الحسم ومفاوضًا قادرًا على قعد المعاهدات، وغير ذلك من سمات القيادة التي نلمسها في كل جانب من جوانب سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.