![]() |
|
محمد رجب سالم |
ليس غريبًا، ولا عجيبًا أن يطالب رئيس الوزراء الصهيوني المنتخب "بنيامين نتنياهو" الفلسطينيين بالاعتراف بـ"إسرائيل" كدولة عبرية أو يهودية؛ ولكن الغريب والعجيب في آن واحد أن أصحاب القضية والطرف الآخر من الصراع- وأعني بهم العرب- يحرصون على إبعاد الإسلام عن ساحة الصراع، ففي حالة الحرب قاتلوا تحت راية القومية العربية، وفي حالة السلام المزعوم يتسولون دولة فلسطينية مستكينة واهنة، ويقدمون لذلك مهرًا من الاستسلام الجماعي، متمثلاً فيما يسمى بـ"مبادرة السلام العربية".
وهذا المطلب الذي يطلبه رئيس حكومة الكيان الغاصب، ليس إلا إعلانًا جديدًا عن واقع قديم وراسخ في العقيدة الصهيونية، بمعنى أن "إسرائيل"- الدولة الغاصبة- وُلدت من رحم العقيدة اليهودية، التي سعى معتنقوها بجِدٍّ وحزم، فحشدوا المال والسلاح لإقامة دولة تجمع شتات اليهود في العالم، وقدمت الصليبية العالمية- ولا تزال تقدِّم- كل الدعم المادي والمعنوي للكيان الغاصب؛ لتكريس احتلاله لفلسطين، وتثبيت أركانه فيها.
جاء في التوراة المحرفة والموجودة بأيدي اليهود: "برائحة سروركم أرضى عنكم، حين أخرجكم من بين الشعوب، وأجمعكم من الأراضي التي تفرقت بكم، وأتقدس فيكم أمام عيون الأمم، فتعلمون أني أنا الرب حين آتي بكم إلى أرض فلسطين، إلى الأرض التي رفعتُ يدي لأعطي آباءكم إياها"، (41- 42 من الإصحاح العشرين: حزقيال).
ومن ثمَّ لم يكن أمرًا عشوائيًّا، أو وليد الصدفة أن يختار اليهود فلسطين بالذات لتكون وطنًا لهم، وإنما توجهت أطماعهم نحو الأرض المقدسة؛ لكي يضعوا النص التوراتي السابق موضع التنفيذ، فعقد أول مؤتمر للحركة الصهيونية في مدينة "بازل" بسويسرا في عام 1897م، وتمخض عن برنامج واضح الغايات، ومفصل الآليات لاغتصاب فلسطين وتأسيس الحركة الصهيونية العالمية.
وفي سبيل تحقيق ذلك كتب الزعيم الروحي لليهود "ثيودور هرتزل" للسلطان عبد الحميد، محاولاً إغراءه بالمال، في مقابل أن يمنح اليهود أرض فلسطين؛ ولكن السلطان المسلم رفض رفضًا قاطعًا ذاك العرض الخبيث، وقال في كتابه ردًّا على زعيم الصهاينة: "إن الإمبراطورية التركية ليست ملكًا لي، وإنما هي ملك للشعب التركي، فليس- والحال كذلك- أن أهب أي جزء فيها؛ فليحتفظ اليهود ببلايينهم في جيوبهم، فإذا قسمت الإمبراطورية يومًا ما، فقد يحصلون على فلسطين دون مقابل، ولكن التقسيم لن يتمَّ إلا على أجسادنا".
ثم سنحت الفرصة الذهبية للصهاينة بصدور وعد "بلفور" في سنة 1917م، والذي كان بمثابة منحة من الحكومة البريطانية لليهود، فأعطى من لا يملك وعدًا لمن لا يستحق.
وخلال واحد وثلاثين عامًا امتدت من 1917م، وحتى 1948 كُرس الاغتصاب الصهيوني لفلسطين، وتعاقبت الهزائم على العرب بعد ذلك، فانهزموا تحت راية القومية العربية في سنة 1948م، وفي سنة 1956م، ثم كانت ثالثة الأثافي هزيمة يونية سنة 1967م، والتي كان من أخطر نتائجها اكتمال احتلال اليهود للقدس الشريف، التي يقدسها اليهود المغتصبون أكثر من تقديس العرب لها، ومن ثمَّ يرددون دائمًا: "لا معنى لـ"إسرائيل" بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل"، ويتغنون بشعارهم المعروف: "شلت يميني إن نسيتك يا أورشليم".
ومن ثمَّ يحرصون دائمًا على تفريغها من سكانها المسلمين، وعلى محو مقدساتها الإسلامية، وعلى رأسها المسجد الأقصى، تحت ما يسمى بـ"تهويد القدس"، وهو الأمر الذي يجري الآن على قدم وساق، وزعماء القومية العربية مخدرون، أو مغيبون، أو غافلون، أو تائهون، أو خائنون... لست أدري بالضبط تصنيفًا أو تكييفًا لواقعهم العجيب...، إنهم لا يملكون إلا الشجب والاستنكار والإدانة، بينما الأعداء في طريقهم ماضون، ولسياستهم منفذون، ولتحقيق أحلامهم ساعون.
إنَّ "نتنياهو" الذي يطالب الفلسطينيين والعرب اليوم بالاعتراف بـ"إسرائيل" دولة يهودية، يكشف بجلاء لا لبس فيه عن أن كيانهم الغاصب يقوم على أسس دينية، وتنفيذًا لأوامر توراتية، وعلى العرب أن يكفوا عن المطالبة بعودة فلسطين حرة، وليعلموا أن القدس عاصمة لدولة "إسرائيل" إلى الأبد، وليذهبوا هم- أي العرب- إلى الجحيم.
إنه هو.. هو الذي قدَّم في سنة 1996م- إبان رئاسته لمجلس الوزراء الإسرائيلي- هدية إلى رئيس الكنيسة اليونانية المطران "مكسيموس سلوم" عبارة عن مجسم من الفضة للقدس القديمة، لا يظهر فيه المسجد الأقصى نهائيًّا، بل وُضع مكانه رسمًا مجسمًا للهيكل المزعوم.
كم هو أمر محزن أسيف أن تجد أهل الباطل على باطلهم ثابتين، وأهل الحق عن حقهم غافلين!!.
يقول الزعيم الصهيوني "الفردموند": "إن اليوم الذي سيعاد فيه بناء الهيكل أصبح قريبًا جدًّا، وإني سأقف حياتي على بناء هيكل سليمان في مكان المسجد الأقصى".
فهل تسمعون يا دعاة الاستسلام؟! يا من تفنون أعمار شعوبكم في مفاوضات لا طائل من ورائها!!، ولا تعدو كونها سرابًا خادعًا يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
إن اليهود الصهاينة لا يفهمون إلا لغة واحدة... إنها لغة القوة، والتاريخ خير دليل، وأوضح برهان على ذلك، فلنوقف المفاوضات، ولنوحد صفوفنا تحت راية الإسلام، لا راية القومية أو العصبية أو العنصرية، ولنواجههم بديننا الحق، كما يواجهوننا هم بعقيدتهم الباطلة.
وفي هذا المعنى يقول فضيلة الإمام د. يوسف القرضاوي: "إننا يجب أن نحارب أعداءنا بمثل السلاح الذي يحاربوننا به، فإذا حاربونا باليهودية حاربناهم بالإسلام، وإذا قاتلونا بالتوراة حاربناهم بالقرآن، وإذا قالوا التلمود قلنا البخاري ومسلم، وإذا قالوا نعظم السبت، قلنا نعظم الجمعة، وإذا قالوا الهيكل، قلنا المسجد الأقصى".
إن العرب بدون الإسلام لا قيمة لهم ولا وزن في دنيا الناس، وستظل الهزائم ملاحقة لهم ما داموا متنكرين لدينهم، ومخاصمين لمنهج ربهم، والمستفيد من كل هذا هم الأعداء ومن والاهم، والخاسر الوحيد هم العرب، لا أقول سيخسرون قضاياهم ومعاركهم فحسب؛ بل سيخسرون أنفسهم وهويتهم وكيانهم كله.
وفي هذا الصدد؛ يقول الإمام الراحل الشيخ/ محمد الغزالي: "إن المستفيد من إقصاء الإسلام عن المعركة، وإيهام أتباعه أن العقيدة لا دور لها في هذه المأساة هم اليهود ومَنْ خلفهم من ورثة الضغائن في أوروبا وأمريكا، والخاسر هو الإسلام والمسلمون والعرب والمستعربون.
وعندما يدفن الإسلام في زوايا الإهمال؛ فستدفن قبله فلسطين وما حولها من بلاد.
فهل يعي قادتنا الأشاوس، ومثقفونا المخدوعون، وإعلامنا ناشر السموم والهموم، هل يعون جميعًا هذه الحقائق؟!!!.
أقول للجميع: أفيقوا يرحمكم الله، واستبينوا الصبح قبل ضحى الغد، واعلموا أنه لا محيص عن أسلمة الصراع مع الصهيونية العالمية، ومن والاها، وإلا كان الخسار والبوار... فإما أسلمة الصراع، وإما الضياع.
----------
* داعية إسلامي
