يذكر الأستاذ البنا رحمه الله في رسالته (إلى الشباب): "إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووُجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها، وتكاد تكون هذه الأركان: الإيمان والإخلاص والحماسة والعمل من خصائص الشباب؛ لأنَّ أساس الإيمان القلب الذكي، وأساس الإخلاص الفؤاد النقي، وأساس الحماسة الشعور القوي، وأساس العمل العزم الفتي.. وهذه كلها لا تكون إلا للشباب، ومن هنا كان الشباب قديمًا وحديثًا في كل أمة عماد نهضتها.. وفي كل نهضة سرُّ قوتها، وفي كل فكرة حامل رايتها ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف).

 

ولا يغيب عن الذهن أن الإسلام عُني أشد العناية في صدره الأول، وفي كل عصور الخير المتتابعة بجيل الشباب، فهم القوة الفتية التي تمد شرايين المجتمع كله بالحيوية والقوة والصبر والتحمل، والعزة والمنعة؛ حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نُصرت بالشباب" أو "نصرني الشباب" صحيح أن الشباب يمثلون الفئة المتعافية والقوة الضاربة، غير أنَّ ذلك لا يُغني نهائيًّا عن باقي الفئات العمرية التي يتشكل منها هذا المجتمع؛ لذلك فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه بالدعوة أول ما توجه إلى فئاتٍ أخرى مثل: الصبية الصغار، مع الشباب، وإلى النساء والرجال والشيوخ، وكلها فئات لا يستغني عنها النسيج الاجتماعي للدعوة، ولكل فئةٍ دورها وقدْرها وحركتها في المجتمع وأداؤها المتميز في محيطه وداخل الدائرة التي يمثلها.. فهذا أبو بكر الصيدق رضي الله عنه بعد أنْ شرح الله صدره للإسلام يتحرك في دائرته الاجتماعية ومحيطه العام في مجتمع النخبة والصفوة، فيستجيب له من عِلْية القوم سيدنا عثمان بن عفان وسيدنا عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنهما- وآخرون من كرام القوم، وحتى من نظنهم من طبقة العبيد والموالي.. كان لثباتهم على الدعوة واستمساكهم بالحق وصبرهم على الأذى وجلدهم عند الشدائد ما كان له أبلغ الأثر في نفوس جلاديهم، وأدَّى ذلك إلى الهزيمة النفسية للطغاة الجبارين، وبدا واضحًا أن إصرارهم على العناد يرجع إلى الجحود والكبر بعد ما تبيَّن لهم أن الإسلام هو الحق.. ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: من الآية 33).

 

وإذا نظرنا نظرةً سريعةً إلى دور الشباب في نصرةِ الإٍسلام.. وانتظامهم في صفوفِ المجاهدين في كلِّ الغزوات والسرايا.. وفي كل المواقع التي دارت رحاها بين الإسلام وخصومه نجد أنهم كانوا في طليعة كتائب الجهاد، حتى إن صغارَ السن منهم كانوا يتسابقون للمشاركة في صفوف المقاتلين، ويبكي بعضهم أسًى وحسرةً إذا لم يقع اختيار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عليه وردَّه لصغر سنه أو لقصر طوله، وفي آخر أيام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يُجهِّز جيشًا ويجعل على قيادته أسامة بن زيد- رضي الله عنه- فلما تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلت الخلافة لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه، أنفذ رضي الله عنه ما أمضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به، وما كان له رضي الله عنه أن يخالف أمرًا أمضاه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهنا يتجلى موقف عاطفي أصيل في التربية، وله مردوده في تأصيل ذلك في الأجيال.. إذْ عندما سار الجيش تحت قيادة أسامة بن زيد وكان راكبًا فرسه، وفي وداعه كل من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فنزل أسامة عن جواده ليركب أبو بكر فيأبى أمير المؤمنين ذلك ويقول له: "لا تنزل.. ولا أركب"، ويستمر سير أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأسامة راكب إلى أن تنتهي مراسم توديع الصحابيين الجليلين للجيش ولقائد الجيش الشاب الفتى الذي لم يتجاوز عمره العشرين.

 

وظلَّ لواء الإسلام يحمله قادة وشباب من فتيان الإسلام، من أمثال محمد القاسم الذي فتح بلاد الهند ونشر الإسلام في ربوعها، وكذلك محمد الفاتح من سُلالة آل عثمان التركي الذي فتح القسطنطينية؛ تحقيقًا لنبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

والأستاذ حسن البنا.. الإمام المؤسس كان شابًّا فتيًّا فتح عينيه في أول وعيه بالحياة على حبِّ العمل للإسلام والحركة به والجهاد في سبيله بكل الوسائل ومختلف الطرق؛ بالدعوة والتعليم والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة المنكرات ودفع ألوان الانحلال والفساد، وإعادة الناس إلى الإسلام الصحيح الشامل الكامل، وحث الأفراد والجماعات والعلماء والحكام والملوك والأمراء على التزام منهج الله وشرع الإسلام، والعمل على إعادةِ كيان الأمة الإسلامية الذي غاب عن الدنيا ردحًا كبيرًا من الزمن، ولم يغفل- رحمه الله- البناء الصحيح السليم لأمة الإسلام من تكوين الفرد المسلم بخصائصه العشرة، وكذلك بناء الأسرة المسلمة وإرشاد المجتمع وتكوين الحكومة المسلمة التي تقوم على تحكيم شرع الله وإنفاذ أحكام الإسلام، ولم يتوقف عند ذلك الحد، بل تجاوزه وفق التسلسل الطبيعي للمنهج الإسلامي وهو إيجاد الأمة الإسلامية ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193)﴾ (البقرة).

 

وهذا كله يؤدي بالتتابع إلى الكيان الدولي المفتَقر لأمة الإسلام، ثم تتحقق في نهاية المطاف أستاذية العالم، ويكون ذلك بالقدوة الحسنة والتعليم والأسوة والأخذ بأيدي الناس جميعًا إلى الحياة الرحبة في رحاب الإسلام الطاهرة.. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)﴾ (الحج).

 

تقدير خاص للشباب

إنّ الأجيال في كل عهود الإسلام متماسكة متواصلة، في حلقات يأخذ بعضها ببعض، ويساند بعضها بعضًا، ولا يصح أن تضعف حلقة عن الحلقات الأخرى، أو تعمل بعضها وحدها بعيدًا عن الترابط التام والتآزر والمساندة لكل المنظومة من هذه الحلقات.. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء).

 

وهذا يتم بصورة واضحة مع أجيال دعوة الإخوان المتتابعة.. يحكي المرحوم جابر رزق وكان رئيسًا لتحرير مجلة (الدعوة) أنّه فور خروجه من السجن في عام 1974م وعند زيارته لأهله في بلدته "كرداسة" حضر إليه مجموعة من شباب البلدة.. كانوا قد تعرَّفوا على دعوة الإخوان أثناء فترة سجنه رحمه الله.. فلما تعرف عليهم واحدًا واحدًا أجهش بالبكاء بنحيب (فرح) سمعه الجميع؛ لأنه لم يكن يتخيل أن يتعرف على الدعوة وينخرط فيها هذا العدد الكبير من الشباب، وفي فترة حالكة من الاضطهاد والبطش والسجون والتعذيب، ولكنها بلا شك دعوة الله أولاً وأخيرًا.

 

وقد خرجت من السجن بعد أخي جابر بعام (1975) فرأيت ما رأى وأبكاني ما أبكاه وحمدتُ الله عزَّ وجل على نعمه وفضله، فهو سبحانه يحفظ دينه، وُيتم نعمته، وينزل عفوه وفضله السابغ وخيره العميم.

 

والعمل في دعوة الله عزَّ وجلَّ متعدد الأدوار متنوع المجالات، يسع الجميع ويستوعب كل الطاقات، ويستغرق كل الأجيال ويشغل كل الأعمار، ولا غنى لهذا التنوع وهذه الأجيال لبعضها عن بعض، ولا يمكن أن تتحقق النهضة الشاملة لأمة الإسلام بجيل بعيد عن جيل آخر، ولا بد من وجود هذا التناغم الطبيعي بين الأجيال الذي يعمقه الحب والتراحم ويغذيه الاحترام والتوقير، ويحدث فيه تلاحم العواطف والعقول التي أشار إليها الأستاذ البنا في رسالة المؤتمر الخامس: "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة..." ويتم ذلك بتضافر كل الأجيال.

 

يعلم الله أني أُولي أبنائي من الشباب كل حب وتقدير واحترام وإعزاز، ولا أكتم عنهم هذا الحب بل أُعبِّر عنه بمختلف الوسائل والأساليب، وأراهم امتدادًا طبيعيًّا لجيل الآباء والأجداد، مقتفين أثر الأسلاف.

 

ذلك أن حياة الدعوة في تتابع أجيالها ودعوة الله لا تكون- بإذن الله- عقيمًا ولا بتراء إنما هي ولوود والحمد لله.، على كل جيل أن يرعى هذه السلسلة الذهبية، ويحرص دائمًا أن يكون من ورائه طابور من الصالحين؛ إذن هو يفرح بالأنجال والذرية، وأنا كذلك والحمد لله أحب دعوتي أشد ما يكون الحب وأقواه.

 

وأرجو أن ألقى الله عز وجل وهو عني راضٍ.. ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: من الآية 102).

 

ولا أحب السيطرة أو التسلط، وتراني والحمد لله سهلاً هينًا لينًا.. لي دور محدد لا أتجاوزه ولا أتعداه وهو التربية والتوجيه والإشراف العام برفيق وحب، ونحمد الله أن العمل في الدعوة عمل مؤسسي.. يقوم به الشباب في كل مراحله وبمختلف آلياته، ومِثْلُنا لا يمكن أن يحل محل الشباب، ولا يقوم بأعماله، فلكلِّ جيل مقام معلوم.. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (البقرة: من الآية 148).

 

إن الذي يعمل حقيقةً في الميدان هو أنتم أيها الشباب- بارك الله فيكم- فتحملوا المسئولية وقوموا بواجبكم.. تحت بصر وحب الآباء الذين يسعدون بكم ويفرحون بخطواتكم المستقيمة على الطريق، ولا يبخلون عنكم بنصح أو توجيه في إطار الحب العميق في الله عز وجل.