- وجود الترسانة النووية ضمانة حقيقية للأمن القومي العربي

-  ليس شرطًا أن يكون الهدف منه الاستخدام؛ وإنما لامتلاك قوة التهديد والردع

- احترام القانون الدولي لا يمنع الدول من اتخاذ كافة أساليب القوة العسكرية

 

حوار- الزهراء عامر:

أكد الدكتور علي حبيش رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا الأسبق ونقيب العلميين الحالي أن امتلاك الدول للسلاح النووي ليس معناه استخدام ذلك السلاح في مواجهة الدول المعادية لها؛ وإنما هو امتلاك للقوة والقدرة على التهديد والردع أو على الأقل الوقوف ضد التهديدات القائمة مشيرًا إلى أن الدول التي تمتلك سلاحًا نوويًّا يستقل قرارها وتقوى إرادتها ولا يجرؤ قريب أو بعيد على المساس بها، كما هو الحال لدى دول: (أمريكا وروسيا والصين وفرنسا وإنجلترا والهند وباكستان والكيان الصهيوني الغاصب) وفي المستقبل القريب كوريا الشمالية.

 

وحول ما تردد مؤخرًا في وسائل إعلام غربية عن امتلاك مصر لسلاح نووي سري، قال د. حبيش في حوار لـ (إخوان أون لاين) إن هذه شائعات لا أساس لها من الصحة مؤكدًا أن مصر بإمكانها إنتاج سلاح نووي خلال 3 سنوات من الآن؛ لامتلاكها برنامجًا نوويًّا سلميًّا جيدًا تستطيع تطويره لإنتاج السلاح النووي.

 

أضاف أن امتلاك الدول العربية للسلاح النووي هو الضمانة الحقيقية للأمن القومي العربي والسيادة وامتلاك الإرادة القوية في اتخاذ القرارات فضلاً عن الوقوف ضد التهديدات الصهيونية المتصاعدة.     

 

* بداية هل يوجد يورانيوم مخصب في مصر، وما مدى صحة الشائعات بامتلاكها برنامجًا سريًّا للتسلح النووي؛ خاصة بعد الآثار النووية التي عثرت عليها الأمم المتحدة في مصر خلال الأشهر القليلة الماضية؟

** أؤكد أنه لم يحدث تخصيب لليورانيوم في مصر، وأن هذه الآثار ربما جاءت إلى البلاد من خلال حاويات نقل نظائر مشعة تستخدم في الزراعة والطب؛ إلا أنها كانت ملوثة، كما أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم يتحققوا حتى الآن من مصدر تلك الآثار.

 

وقد جاء التوضيح المصري بأن ما وجد آثارٌ لاستخدامات سلمية، على الرغم من عدم وجود مؤشرات على صحة التوضيح المصري؛ أما الشائعات التي تتحدث عن برنامج نووي سري في مصر لا أساس لها من الصحة، فلو امتلكت هذا البرنامج لأفصحت عنه.

 

قوة الردع

* ما حاجة مصر لسلاح نووي مادام سيجلب لها المتاعب ويفرض عليها العقوبات، وتزداد معه احتمالية توجيه ضربة عسكرية على غرار ما يحدث مع كل من كوريا الشمالية وإيران؟

** امتلاك الدول للسلاح النووي ليس معناه استخدام ذلك السلاح؛ إنما هو امتلاك للقوة والقدرة على التهديد والردع أو على الأقل الوقوف ضد التهديدات القائمة، كما أن الدول التي تمتلكه يستقل قرارها وتقوى إرادتها، ولا يجرؤ قريب أو بعيد على المساس بها، كما هو الحال لدى دول (أمريكا وروسيا والصين وفرنسا وإنجلترا والهند وباكستان والكيان الصهيوني الغاصب) وفي المستقبل القريب كوريا الشمالية.

 

ولو كانت أمريكا أو غيرها تريد توجيه ضربة عسكرية لكوريا الشمالية لفعلت منذ فترة، وما نراه من تهديدات لا يتمتع بأي مصداقية؛ بل هو محاولة لإظهار أن أمريكا تقف ضد كل من يريد امتلاك سلاح نووي، وليس أمام إيران فقط.

 

إيران والكيان

 الصورة غير متاحة

الرئيس الإيراني أثناء افتتاح مصنع الماء الثقيل

* هل امتلاك إيران للسلاح النووي يمثل خطورة على الدول العربية لا سيما الخليجية منها؟ 

** الدول العربية لها الحق في التخوف من البرنامج النووي الإيراني؛ خاصة دول الخليج، والتي تبعد كل البعد عن فكرة الطاقة النووية سواء كانت سلمية أو معدة لإنتاج أسلحة؛ ولكني استبعد أن تقدم إيران على الاحتكاك بأية دولة عربية؛ نظرًا لخريطة التحالفات في المنطقة التي من الممكن أن تجلب الويلات على إيران في حال أقدمت على مثل هذه الخطوة.

 

* وما وجه المقارنة بين تلك المخاوف من جهة، والتهديدات الصهيونية من جهة أخرى؟

** بالطبع لا يوجد وجه لمقارنة تهديدات إيران بالتهديدات الصهيونية؛ فالكيان عدو قائم، وتهديداته لنا مباشرة، والخطورة المتوقعة منه لا يستطيع إنكارها أحد.

 

معادلة محسومة

* إذا كان امتلاك السلاح النووي مصدر قوة وردع ضد محاولات التهديد، فما الذي يمنعنا إذن من امتلاك السلاح النووي؟

** مصر موقعة على اتفاقية حظر الانتشار النووي، كما أنها تتبع موقفًا سلميًّا من الطاقة النووية، فضلاً عن عدم توافر الإرادة السياسية القادرة على اتخاذ مثل هذه القرارات.

 

* وهل اعتماد مصر على مبادئ  الشرعية ممثلة في الأمم المتحدة، واعتمادها على القانون الدولي أمر صائب للمصلحة العليا للبلاد؟

** الاعتماد على القانون الدولي لا يمنع بذل الدولة كل ما في وسعها لأن تكون قوية  اقتصاديًّا وعلميًّا وسياسيًّا وعسكريًّا؛ لأنه بدون بناء قاعدة علمية وتكنولوجية متينة لا تستطيع مواجهة الدول التي تعبث بالقوانين؛ خاصة وأن قانون اليوم لا يُحترم، ويكون دائمًا في صالح الأقوى، والقوانين لا يتم تطبيقها إلا على الدول الفقيرة الضعيفة التي لا تملك قرارها ولا قوتها.

 

بالمرصاد!

*ماذا عن المحاولات العربية لامتلاك السلاح النووي والموقف الدولي منها؟

** الدول العربية لم تستطع أن تستغل الفرص السابقة لامتلاك هذا السلاح من جهة، ومن جهة أخرى فإن امتلاكه يتطلب عوامل سياسية وإستراتيجية، فضلاً عن عوامل القوة والضغط، ومساندة قوى خارجية للطموح العربي؛ إلا أن جميع هذه العوامل لم تتوفر للعرب على الرغم من إمكانياتهم الاقتصادية والعلمية.

 

وحتى إن تهيأت الفرصة للدول العربية لامتلاك السلاح النووي؛ فإن الكيان الصهيوني والقوى الغربية تقف بالمرصاد من هذه الطموحات، والدليل على ذلك إقدام الصهاينة على ضرب المنشآت النووية العراقية في عام 1981، فضلاً عن ضرب حلقات علمية أخرى في الوطن العربي، كما حصل في ضرب الولايات المتحدة الأمريكية لمصنع الشفاء في السودان، وضرب مصانع مماثلة في ليبيا.

 

وهكذا فان الموقف العربي لا يتناسب مع حجم وعدد هذه الدول سواء في مؤتمر نزع السلاح أو الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء المناقشات بشأن الحظر الشامل للتجارب النووية؛ حيث كانت أسيرة مسائل ضيقة آنية بوصفهم بعيدين عن أي إستراتيجية موحدة لمجابهة التحديات المحيطة بها، ومتجاهلة المصلحة القومية وما يشكله امتلاك هذا السلاح من ضمانة لتحقيق الأمن القومي العربي والدفاع عن السيادة العربية وامتلاك الإرادة المستقلة.

 

تاريخ مصري

* ما المحطات المصرية في مجال الملف النووي؟

 الصورة غير متاحة

 د. محمد البرادعي

**
أولى الخطوات في المشاركة الفعلية لمصر نحو الملف النووي كانت عام 1955 حيث شاركت مصر من خلال الدبلوماسي المصري إسماعيل فهمي بدور هام في وضع دستور الوكالة الدولية للطاقة الذرية الموجودة حاليًا في فيينا بالنمسا، ويشغل منصب مديرها العام المصري الدكتور محمد البرادعي.

 

وفي أغسطس 1955 اشتركت مصر في مؤتمر "الطاقة الذرية في الأغراض السلمية" بجنيف، ومثَّل مصر وفد مكون من أعضاء لجنة الطاقة الذرية و13 عضوًا كمستشارين من الجامعات المصرية، ثم بعد ذلك أنشأنا هيئة الطاقة الذرية عام 1957م.

 

وفي عام 2007 قالت مصر إنها تستهدف بناء عدة مفاعلات نووية لسد الطلب المتنامي على الكهرباء، وحصلت منذ ذلك الحين على تعاون نووي من الصين وروسيا وفرنسا وكازاخستان، وأشار محللون في القطاع النووي إلى أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لمساعدة مصر في تطوير برنامج نووي إذا تعهدت بعدم تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المنصب على أرضها.

 

وحاليًا تقوم مصر باستخدام الأنشطة العلمية النووية في السلم في العديد من المجالات المختلفة مثل الزراعة والطب والبيئة.

 

ومنذ عام 1956 يمر برنامجنا النووي بفترة نشاط يعقبها فترات عديدة من الخمول، واليوم نتحدث عن كيفيه شراء المفاعلات النووية، وهل نعتمد على شراء الوقود من دول أخرى أم لا، وقد قررت مصر أن تقوم بعمل محطات نووية؛ ولكن لن تتمكن هذه المحطات النووية من استمرار عملها أو تطويرها إلا إذا ساعدتنا الوكالة الدولية.

 

دوافع صهيونية

 الصورة غير متاحة

مفاعل ديمونة الصهيوني

* الكيان الصهيوني لم يثر مشكلة حول معاهدة حظر التجارب النووية؛ ولكن رفض التوقيع على معاهده حظر الانتشار، فما الفارق بين المعاهدتين؟ وما هي الدوافع وراء هذا الموقف الصهيوني؟

** معاهدة حظر الانتشار تلزم الدول الأطراف الموقعة عليها بعدم نقل أو المساعدة في حيازة أو اقتناء أية أسلحة نووية أو تلقي المساعدة في صنعها وأن تتعهد الدول بإخطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمنشآتها النووية وإخضاعها للتفتيش الدولي؛ أما معاهدة حظر التجارب النووية فهي لا تنص على حظر امتلاك الأسلحة النووية، ولكن تحظر التجارب النووية والكيان الصهيوني هنا يستطيع الاستفادة من التطور التقني حول عمليات إجراء التجارب.

 

ويأتي الموقف الصهيوني محاولة لتهدئة العرب الذين يصرون على إعلان انضمام الكيان الصهيوني إلى معاهدة حظر الانتشار، كما اعتمد سياسة امتصاص حدة المواجهة بالدخول في تدابير لنزع السلاح لا تضر بمسألة حيازتها؛ ولذلك فإن إعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية، وقضية الحظر الشامل للتجارب النووية واحدة من هذه التدابير التي لا تشكل إلزامًا قانونيًّا للكيان الصهيوني للكشف عن برامجه النووية؛ بل بالعكس سوف تزيد من التستر على هذه البرامج وتحديثها، وفي الوقت نفسه تضمن تعرض دول عربية لديها نشاطات سلمية لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوصفها أطرافًا في معاهدة حظر الانتشار للتجارب.

 

هذا بالإضافة إلى ارتباط مفهوم الأمن أو السلام الصهيوني بمسألة التسلح النووي ونظرية الردع النووي يساندها في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي تعزز الفكرة التي مؤداها أن الكيان الصهيوني في وضع عدائي مع الدول العربية؛ ولذلك فهو يحتاج إلى ضمانات لأمنه، والسلاح النووي هو الضمان لهذا الأمن؛ ولذلك فهو يعزز الامتلاك الصهيوني في حين يعارض بشدة أي بوادر امتلاك حتى من الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية بحجة أن ذلك سيكون مدعاة لعدم الاستقرار في المنطقة.

 

إرادة العرب

* من وجهه نظرك ما رأيك في الموقف العربي من اتفاقيه حظر التجارب النووية؟

** الموقف العربي من قضية حظر التجارب النووية موقف غير واضح بالمعنى الدقيق للكلمة؛ كونه ينم عن إرادة غير مستقلة نتيجة التطورات التي أصابت البيئة الدولية؛ حيث إن صانع القرار في العديد من الدول العربية يدرك وطأة المعاهدة وإبرامها من قضية السلم والأمن الدوليين.

 

لكن حقيقة الحال تعكس أن هذه الدولة أو تلك لم تضع اعتبارات المصلحة العربية العليا أمامها؛ وإنما كانت أسيرة مواقف وتعهدات لم تستطع هي نفسها تأكيدها، أو المطالبة بتنفيذها، وعليه فإن إبرام المعاهدة وإجبار العرب على الانضمام إليها من دون إجبار الكيان الصهيوني على موقف مماثل إنما يمثل ازدواجية دولية في التعامل مع الأزمة وهو الأمر المعتاد من جانب القوى الدولية.

 

نفق مظلم

* وكيف يخرج العرب من هذا النفق المظلم ؟

** أرى أنه بدلاً من أن يضع العرب ملياراتهم في البنوك والشركات الأمريكية والأوروبية، يجب أن يستثمروها في العلم والتكنولوجيا بإنشاء الجامعات الجديدة على أعلى المستويات؛ لتنافس نظيراتها في العالم، ودعم البحث العلمي وتشجيعه.

 

وأقترح أن تتبنَّى النقابة العامة للعلميين، والنقابات العلمية الأخرى، وجميع الهيئات العلمية العربية برنامجًا وخطة تحشد لهما الوسائل من الموارد البشرية والمالية من أجل تحقيق أن تمتلك مصر والدول العربية والإسلامية أسلحة نووية في مواجهة الكيان الصهيوني.