القدوة العملية أقوى وأشد تأثيرًا لنشر المبادئ والأفكار؛ لأنها تعتبر تجسيدًا وتطبيقًا عمليًّا يسهل مشاهدتها والاقتداء بها بخلاف الأقوال والمحاضرات.

 

لقد كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- قدوةً عمليةً وسط المسلمين الأوائل فكان له التأثير الكبير فاقتدوا به في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ.

 

ولقد حذَّر الله تعالى المؤمنين من أن تخالف أعمالهم أقوالهم التي يدعون إليها.. قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44)﴾ (البقرة).

 

وأكد ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "يُؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان! مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى. قد كنتُ آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه".

 

ونحن على طريق الدعوة- أخواتي- نتصدى لتحقيق أعظم مهمة على وجه الأرض، وهي التمكين لدين الله في الأرض بإقامة دولة الإسلام لتؤدي دورها في حمايةِ أرض الإسلام، وعلى رأسها المسجد الأقصى، ولنحمي أرواح المسلمين، وهذا البناء الضخم يحتاج إلى القدوة الحسنة في كل مراحل البناء سواء الفرد أو الأسرة أو المجتمع، والداعية القدوة يعتبر دعامةً أساسيةً في تحقيق هذا البناء، ومن هنا كانت سلسلة "عرفتِ فالزمي".

 

* عرفتِ أن اقتداءنا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعني الاتباع وعدم الابتداع حتى يظل هدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سليمًا بعيدًا عن أي تشويهٍ أو انحرافٍ، فعن السيدة عائشة- رضي الله عنها- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".

 

* فالزمي نهج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في كل شيء، واحرصي على الاقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام اقتداءً متكاملاً، وليس مجتزئًا؛ فلا يجوز أن نقتدي في بعض الجوانب ونخالف في جوانب أخرى, والعاملون في حقل الدعوة لا بد أن يكونوا أشد حرصًا على هذا التكامل.

 

* وألزمي الفهم الصحيح المستمد من القرآن والسنة مسترشدة في ذلك بالأصول العشرين التي وضعها لنا الإمام البنا، واعلمي أن الفهم الصحيح النقي الذي جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم- هو الذي يتم به التمكين.. فكوني حارسةً أمينةً على هذا الفهم من أي تغييرٍ أو انحراف؛ وفاءً لبيعتك مع الله، فالتزمي به في حركتكِ ومعاملاتكِ وثقافاتكِ وحديثك، وللإمام مقولة في ذلك: "ويفهم القرآن طبقًا لقواعد اللغة العربية من غير تكلفٍ ولا تعسفٍ, ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات".

 

* عرفت أن الداعيةَ إلى الله عليها ألا تنشغل بكثرةِ المباح، والمباح لا يعدُّ حرامًا، بل هو في بعض الأوقات قد يكون ضروريًّا ليكون بمثابة الاستراحة للداعية للانطلاق لما هو مهم وحتى لا نمل من كثرةِ الانشغال بالأمور الجادة، ولكن إذا زاد الانشغال بهذا المباح وأخذ مساحةً كبيرةً من حياةِ الداعية هنا يتحول إلى مشكلة؛ حيث إنه يُشكِّل مانعًا للقيام بالواجبات، وخاصةً الدعوية فتكثر الاعتذارات، ويظهر التقصير في الواجبات الأساسية، وشيئًا فشيئًا تتغير السلوكيات الدعوية.

 

* فالزمي التوازن الحركي والإداري حتى لا يحدث مللٌ أثناء القيام بالعمل، واحرصي على إيجاد جوٍّ أخوى رطب وتوفير بعض البرامج الترفيهية الجذابة، وفي نفس الوقت لا تغفلي عن الخواطر الإيمانية من أجل التذكرة.

 

* الزمي تربية النفس، ولا تستجيبي لجميع رغباتها؛ لأن كثرةَ الراحة للنفس في الدنيا يجلب التعب والمساءلة يوم الدين، ومجاهدته في الدنيا هو سبيل راحتها في جنان الخلد؛ لأن الداعية لا بد أن يكون مهمومًا بدعوته منشغلاً بها؛ فلقد كان سلفنا الصالح يتركون تسعة أعشار المباح مخافةَ الوقوع في الحرام.

 

* عرفتِ أن الأخت الداعية لا بد أن تكون حريصةً على وقتها منظمة في شئونها، فكل شيء يُعوض إلا الوقت، فالوقت هو الحياة، هكذا يفهمه أصحاب الهمم العالية والطموحات الغالية، ولقد عُرِفَ الأستاذ مصطفى مشهور بهذه العبارة "أن حياةَ المرء لا تُقاس بعددِ السنين التي عاشها، ولكنها تُقاس بما قام به من أعمالٍ وتأثير هذه الأعمال في حياة الناس"، كما أن الدقةَ من سماتِ المؤمن قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنه"، وقال: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة الفراغ".

 

* فالزمي الانضباط في المواعيد والحفاظ على وقت أخواتك، وتذكري قول الإمام البنا في هذا "الواجبات أكثر من الأوقات فعاوِّن غيرك على الانتفاع بوقته، وإن كان لك مهمة فأوجز في قضائها"؛ ولنحرص على حسن استغلال وتوزيع الواجبات على الأوقات على حسب أولوياتها.

 

* عرفتِ أن الداعية لا بد أن تتميز بالجدية والانضباط والإرادة الفورية في التنفيذ والعزم على سرعة الاستجابة ومغالبة الأعذار، ولقد رأينا هذه الاستجابة الفورية في موقف نساء الأنصار من آياتِ الخمار حين سمعن قول الله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: من الآية 31) أسرعن بالتنفيذ.

 

ولقد وجدنا المثابرة والعمل المتصل في تبليغ الرسول- صلى الله عليه وسلم- لهذه الدعوة سواءً في السر أو العلن.. في العسر أو اليسر، وبلا كللٍ أو ملل.

 

فالجدية أمر لازم لأصحاب الدعوات الذين عاهدوا الله على إحياء دعواتهم؛ لأن بها تُؤدى التكاليف والواجبات، وتتحقق أسمى الأهداف والغايات؛ ولذلك حرص الإمام البنا من أول يومٍ على أن يكون أفراد الجماعة عمليين لا نظريين ولا جدليين، فحثَّهم على العمل الجاد والشاق، وفي كل المجالات، فاستنهض الهمم والعزائم، وحذَّر من الشعارات البراقة دون عمل، وكان يُؤثر الناحية العملية عن الدعاية والإعلانات.

 

يا إلهي، يا عليم يا خبير تعلم مشاعرنا وأحاسيسنا وهمومنا وآمالنا ومدى انشغالنا بحال الإسلام والمسلمين وما يُثقل كاهلنا من أمانات ومسئوليات، وكلما زاد همنا نعود إليك يا رب  نقول: يا رب.. إنه دينك وأنت أغير عليه منا، فأعنَّا على اتباع نبيك صلى الله عليه وسلم لنفوز بحبك ومغفرتك.. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾ (آل عمران).

 

اللهم ارزقنا حبك وحب مَن يحبك وحب كلِّ عمل يقربنا إلى حبك، وصلّى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

وإلى لقاءٍ في حلقةٍ قادمة.