- تراجع المعنويات وتفاقم الانقسامات وغياب الرموز أبرز مظاهر التراجع
- حكومات وقيادات الكيان عبَّرت عن التآكل على لسان ساستها
- المقاومة الفلسطينية الأكثر فعاليةً في هزِّ أركان الكيان الغاصب
غزة- كارم الغرابلي:
المستقبل مظلم على كل صعيد، وليس في الأفق ما يبشر بأملٍ أو ضوء في نهاية النفق يتيح الخروج من الأزمات المتلاطمة التي تواجه الكيان الصهيوني، فأصحاب القرار السياسي هناك جربوا كل الخيارات للهروب من الوضع المعقد الذي يواجهونه، والذي خلقته قوى المقاومة الفلسطينية بالأساس، لكن كل محاولاتهم باءت بالإخفاق، وينتقلون من مأزقٍ إلى آخر أكبر.
هكذا يبدو المشهد في دولة الكيان والإرهاب الصهيوني التي تعيش هذه الأيام واحدة من أكثر فترات وجودها تأزُّمًا، وهو ما دفع سياسيين ومثقفين صهاينة كبارًا إلى أنْ يندبوا حظ دولتهم، وأنْ يرفعوا الصوت محذرين من أنَّ المشروع الصهيوني بات في خطرٍ داهم.
وهنا يثور تساؤل: "هل بدأ المشروع الصهيوني بالتراجع والتقهقر حقًّا، أو أنَّه ما يزال يملك من مقومات البقاء وقوة الدفع ما يجعله قادرًا على تجاوز أزماته الراهنة، ومتابعة إفساده ومؤامراته وأطماعه التوسعية؟
هذا السؤال الكبير الذي تتوقف عليه مستقبل أمةٍ بأسرها، تحاول هذه الورقة الإجابة عليه واستقراء مؤشراته، بناءً على معالم الأزمة الراهنة التي تعترض طريق المشروع الصهيوني، والتي تبشر بانهياره في المستقبل القريب.
أولاً: شهادات صهيونية
في البداية، ومنذ قيام ما يُسمَّى بـ"بإسرائيل" على أنقاض فلسطين التاريخية، رفع المشروع الصهيوني شعارًا "من النيل إلى الفرات"، تعبيرًا عن استمرار الطموحات الصهيونية في تأسيس إمبراطورية على أجساد وجثامين العرب، ولهذا طبقت شعار "العربي الطيب هو العربي الميت"، كي يتمكن الكيان الاغتصابي الوليد من تحقيق أهدافه التوسعية الكبرى.
ولذا لم يكن غريبًا أنْ يستند الكيان إلى الإرهاب، كأحد أعمدة الدولة، ممارسًا إياه في كل مراحل صراعاته مع العرب.
أما اليوم وبعد 61 عامًا من اغتصاب فلسطين عجز الصهاينة كليةً عن تحقيق هذا المشروع التوسعي، ويبدو الكيان اليوم كمن ينزوي إلى داخل حدود دولة الجيتو، وسط شواهد متعددة على تآكل مشروع "إسرائيل الكبرى"، دون إغفال استمرارها في ارتكاب المجازر والحروب.
هذا العجز والتآكل عبرت عنه حكومات وقيادات الكيان الغاصب على لسان بعض ساستها في السنوات الأخيرة، كما عكس نفسه في إجراءاتٍ حمائيةٍ على الأرض.
أبراهام بورج رئيس الكنيست السابق، كان أول من نبَّه علنًا إلى هذا الواقع في مقالٍ كتبه في صحيفة (لوموند) الفرنسية في سبتمبر من العام 2003م، وهو شخصيةٌ خدمت الحلم الصهيوني بإخلاص، من خلال عدة مواقع كان منها رئاسة الوكالة اليهودية، وهو موقعٌ رفيعٌ لا يشغله إلا موثوقٌ فيه من الحركة الصهيونية العالمية.
فقد دعا بورج الصهاينة إلى التخلي عن حلم "إسرائيل الكبرى" إذا أرادوا العيش بسلامٍ مع الفلسطينيين والعرب، قائلاً: "إنَّ الحركة الصهيونية ماتت وشبعت موتًا"، وقد أحدث المقال صدًى كبيرًا، إذ اعتبر دليلاً على المأزق الصهيوني.
![]() |
|
إيهود أولمرت |
ومما زاد من حقيقة هذا الأمر والواقع للكيان والمشروع الصهيوني تصريحات إيهود أولمرت رئيس الوزراء الصهيوني السابق خلال اجتماعٍ لمجلس الوزراء، قال فيها: "إن فكرة "إسرائيل" الكبرى قد ماتت، ومَن يتحدث عنها واهم"، داعيًا إلى حل الدولتَيْن مع الفلسطينيين.
وعلى الرغم من وصف البعض هذه التصريحات بأنَّها "صحوة ضميرٍ متأخرةٍ" من جانبه، إلا أنَّ هذه التصريحات كانت أيضًا انعكاسًا للمأزق الصهيوني.
وأثارت هذه التصريحات مخاوف وارتباك الصهاينة؛ إذ اعتبرها محللون ومراقبون أنَّها شهادة الوفاة لفكرة "مشروع أرض إسرائيل الكبرى"، وأصابت هذه التصريحات قادة اليمين الصهيوني ونخبه الفكرية بالحرج؛ لأنَّها تحمل دلالةً كبيرةً؛ حيث إنَّ أولمرت ارتبط أكثر من أي زعيم صهيوني آخر بفكرة "أرض إسرائيل الكبرى".
وتقوم الفكرة على أساس وجوب إقامة "الدولة اليهودية" على كل أرض فلسطين والأردن، وبعض أرض مصر والعراق وجنوب سوريا، وكان أولمرت أكثر الملتزمين بعقيدة المدرسة التصحيحية الصهيونية، ومؤسسها زئيف جابوتنسكي، صاحب الشعار الشهير "دولة على ضفتي النهر"، ويقصد أنَّ دولة اليهود يجب أنْ تشمل كل الأراضي التي تقع شرق وغرب نهر الأردن، حتى الفرات شرقًا ونهر النيل غربًا.
روني ميلو الذي شغل في الماضي منصب وزير الشرطة والقضاء في عددٍ من الحكومات الصهيونية، وأحد الساسة الذين انشقوا عن حزب الليكود بسبب توصله إلى نفس القناعة قبل عقدَيْن من الزمن، قال إنَّ تصريحات أولمرت "تمثل شهادةً تاريخيةً مهمةً، تؤكد أنَّ كل من تبنَّى فكرة "أرض إسرائيل الكبرى" تبنَّى في الواقع عقيدة مستحيلة".
وشدد ميلو على أنَّ "فكرة أرض "إسرائيل" الكبرى كانت منذ البداية غير واقعيةٍ؛ لأنًَّها قامت على نفي وجود شعبٍ آخر يوجد في المكان ذاته"، ونوَّه إلى أنَّ الحركة الصهيونية "كانت ترغب لو أنَّها استطاعت إقامة الدولة على أرضٍ لا يوجد فيها أي فلسطينيٍّ، وعملت بقوةٍ من أجل تحقيق ذلك، لكن تبيَّن فيما بعد أنَّ هذا هو المستحيل بعينه".
تمدد المشروع الاستيطاني في الأراضي المحتلة
أما كوبي نيف المفكر والكاتب الصهيوني، فقد أشار إلى استحالة الرهان على خيار القوة لضمان تحقيق الأهداف الصهيونية، منوهًا إلى اكتشاف الصهاينة لحدود ما يمكن للقوة أنْ تحققه في الصراعات القومية، وأضاف في مقالٍ نشرته صحيفة (معاريف) الصهيونية: "إذا كانت الحقيقة في أنَّه بعد ستين سنة من الاستقلال اليهودي؛ حيث تتوفر لنا القوة العسكرية الأكبر الممكنة، القوة التي تسمح لنا لأنْ نبيد بكلتا يدينا شعوبًا وبلدانًا، فإننا نبقى أمام خطر حقيقي للإبادة الجماعية، فما الذي إذن أنجزه حكماؤنا بطرحهم الصهيوني؟!".

وتساءل قائلاً: "أيحتمل أنْ يكون التفكير الصهيوني الذي يقضي بأنَّ القوة وحدها هي الحل، هو بالذات أقصر الطرق لوقوع المصيبة علينا، أيحتمل أن نكون أخطأنا في تفكيرنا على مدى التاريخ في أنْ نعتبر القوة والصهيونية التي تجمع اليهود في مكان واحد هي بالذات الحل لما نتعرض له من مخاطر".
وفي هذا السياق لا يمكن النظر الآن إلى دعوة رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، ووزير خارجيته أفيجدور ليبرمان بشأن "الدولة اليهودية الخالصة"، إلا ضمن هذا المأزق، وهذه الدعوة سبق إليها كل من رئيسة حزب كاديما المعارض تسيبي ليفني، ومعلمها رئيس الوزراء الهالك أرييل شارون.
وعلى صعيد الأفعال كان بناء الصهاينة للجدار العازل في الضفة الغربية، بمثابة إعلانٍ واضحٍ عن فشل المشروع الصهيوني.. فالجدار، وإنْ كان قد استهدف تعيين حدود الكيان حسبما يراه هو، فإنَّه في بعده العميق معناه اعترافًا صريحًا بفشل الحلم الصهيوني، فمعه تقوقعت دولة الكيان في جيتو محدودٍ لخص سقوط الأوهام.
كذلك تجيء ضمن هذه الشواهد الدعوات الصهيونية المتكررة لرفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، وتبني الكنيست الصهيوني لمشروع قانون يقضي باعتبار الأردن هي الوطن القومي للفلسطينيين، مع الإعراب عن تخوفاتهم مما يُعرَف في الأدبيات الصهيونية باسم "القنبلة الديموغرافية"؛ حيث إنَّ معدلات الزيادة السكانية بالنسبة للعرب في فلسطين المحتلة في العام 1948م، مقارنةً بمعدلات الزيادة الطبيعية لليهود، ومعدلات الهجرة إلى الكيان، تقول إنَّ العرب سوف يتفوقون عدديًّا على اليهود بحلول العام 2050م.
معدلات الهجرة اليهودية السنوية من وإلى الكيان ذاتها مؤشرًا مهمًّا على ذلك؛ حيث إنَّه مقارنةً برقم يتراوح ما بين 14 إلى 20 ألفًا يهاجرون إلى الكيان سنويًّا، منذ مطلع الألفية الجديدة، فقط هاجر أكثر من مائة ألف يهودي الكيان الصهيوني، معظمهم من المهاجرين الروس الذين هاجروا إلى الكيان من الاتحاد السوفيتي السابق بعد انهياره.
وقد شهدت الهجرة اليهودية خلال العام 2008م المنصرم انخفاضًا إلى أدنى حدٍّ لها منذ قيام الكيان الصهيوني قبل 61 عامًا؛ حيث لم يهاجر العام المنصرم سوى 13681 يهوديًّا، غالبيتهم من روسيا، وهو ما يعني انخفاض الهجرة إلى الكيان الصهيوني بنسبة 94% مقارنةً بالعام 1990م التي تعتبر الأعلى في نسبة الهجرة؛ حيث كان قد وصل إليها حوالي 200 ألف يهودي، معظمهم من الجمهوريات السوفيتية السابقة.
ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وميزان الهجرة من وإلى الكيان يشير إلى فارقٍ سلبيٍّ؛ حيث إنَّ عدد المهاجرين من الكيان الصهيوني يزيد عن عدد القادمين إليها، وترتفع نسبة العلماء والأطباء والمهندسين بين المهاجرين الذين يبحثون عن فرص أفضل في أوروبا والولايات المتحدة وكندا.
ثانيًا: مسارات المشروع الصهيوني
تهويد القدس أحد أهداف المشروع الصهيوني
وإذا أردنا استعراض مسار المشروع الصهيوني خلال العقود السابقة لدراسة حالات التقدم والتراجع التي مرَّ بها؛ فيمكن الوقوف عند عددٍ من المحطات، وبشكلٍ عام يمكن الحديث عن مرحلتين مرَّ بهما المشروع الصهيوني.

1- مرحلة الاندفاع والصعود والتوسع:
حيث تميز المشروع في هذه المرحلة بمعنويات عالية، وقوة دفع كبيرة، وشهية مفتوحة للتوسع، وبقيادات سياسية على درجة كبيرة من الحماس والثقة والاندفاع والمبادرة.
ومن أهم محطات هذه المرحلة:
- عام 1948م: شكَّل المحطة الأهم والإنجاز الأكبر للمشروع الصهيوني الذي تحول من إطار النظرية إلى التطبيق الواقعي، ومن الأحلام والتطلعات والأطماع إلى الحقائق المفروضة على الأرض بقوة التخطيط والتآمر الصهيوني، وبفعل التواطؤ الدولي والضعف والتخاذل العربي الرسمي.
- عام 1967م: حقق المشروع الصهيوني إنجازًا مهمًّا جديدًا؛ حيث تمكَّن من ضم بقية مساحة فلسطين (الضفة الغربية والقدس)، مضيفًا إليها سيناء المصرية والجولان السورية.
- الفترة ما بين العام 1977 وحتى العام 1979م: حقق المشروع الصهيوني إنجازًا سياسيًّا بالغ الأهمية، تمثل في جرِّ مصر، الدولة العربية الكبرى، إلى خانة التسوية والمفاوضات، وعزلها عن محيطها وإخراجها من الصف العربي، وهو ما أحدث شرخًا خطيرًا في جدران صمود الأمة.
- عام 1982م: خطا الكيان الصهيوني خطوةً توسعيةً جديدةً باتجاه جنوب لبنان، بحججٍ وذرائعٍ أمنيةٍ، وتمكَّن آنذاك من توجيه ضربة قاصمة للقوة العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي شكَّل خروجها من بيروت نهاية عملية لخيار الكفاح المسلح الذي كانت تتبناه فصائلها قبل ذلك، لكن هذا التوسع الجغرافي كان الأخير بالنسبة للكيان الصهيوني.
2- مرحلة التراجع والانكفاء:
وتميَّزت هذه المرحلة بفقدان قوة الدفع، وتراجع المعنويات، وتفاقم الانقسامات السياسية والعرقية والطائفية في المجتمع الصهيوني، وغياب الرموز والقيادات القوية التي تملك "كاريزما" ومقومات الزعامة الحقيقية.
ووضعت أزمة المصير لدى اليهود في هذه المرحلة قادة الكيان أمام خياراتٍ صعبةٍ، ومن بينها:
- هل يتم ضم الضفة الغربية وغزة- التي كانت محتلة آنذاك- بأرضهما وسكانهما إلى الكيان الصهيونيّ، ما يؤدّي إلى نشوء دولةٍ ثنائية الدين، وبالتالي سيصبح المسلمون في هذه الدولة بعد سنواتٍ قليلةٍ أغلبيةً ساحقةً، تشكّل خطرًا فادحًا على وجود الكيان الصهيوني؟
- أم يتم الاعتراف بدولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ، لا يضمنون أنْ تتحول خلال سنواتٍ قليلةٍ أيضًا إلى دولةٍ قويةٍ بكل عمقها الإستراتيجيِّ العربي والإسلامي، تطالب بفلسطين كلها من النهر إلى البحر، وتقتلع الكيان الصهيوني من جذوره؟
- أم يتم اقتلاع سكان الضفة وغزة، وتهجيرهم بشكلٍ جماعيٍّ، كما فعلوا في العام 1948م، عندما اقتلعوا الشعب الفلسطيني من مناطق التقسيم؟، وبطبيعة الحال فإنَّ هذا غير ممكنٍ على الإطلاق، بأي حالٍ من الأحوال ضمن المعطيات القائمة والظروف السياسية الحالية.
انطلاقًا من هذه الحقيقة، فإنَّ أزمةَ المصير هذه شكَّلت مأزقًا حقيقيًّا غير مسبوقٍ للكيان الصهيوني، وهذا المأزق يحمل في ثناياه فرصةً حقيقيةً لاقتلاع ذلك الكيان من جذوره، وهذا في الحقيقة كان مفاجئًا لليهود وحلفائهم، الذين ذُهِلوا من التطورات المتسارعة، التي يقودها شعب مسلمٌ أعزلٌ هو الشعب الفلسطيني، عبر جيلٍ خُلِقَ ونشأ خارج وطنه فلسطين، وقاد ثورةً لا سابق لها ضد الكيان الصهيوني، فيما كانوا يعتقدون أنَّ هذا الجيل قد نسي قضيته، بعد مرور أكثر من نصف قرنٍ على اغتصاب فلسطين.
وهذا ما أدَّى إلى البحث عن حلٍّ لهذه المعضلة؛ للالتفاف على حقائق الواقع الجديد الذي صنعته الانتفاضتان الفلسطينيتان، وذلك الحل الالتفافي سمي بعملية السلام، وهي في حقيقة الأمر عملية إنقاذٍ مقنَّنةٍ للكيان الصهيوني.
ثالثًا: التسوية واحتمالات المستقبل
الكيان الصهيوني قائم على سلب حقوق الآخرين ومقدساتهم
ومن يمكن القول إن أزمة المشروع الصهيوني تكمن في أن الكيان الصهيوني الذي أنشأه هو كيان "غير طبيعي"، فهو كيان يمثل آخر بقايا الاستعمار الأوروبي التقليدي، وهو كيان قائم على الغصب والظلم، وعلى هجرة جماعاتٍ يهوديةٍ من نحو 90 بلدًا، لتحل محل شعب يسكن أرضه منذ نحو 4500 عام، وهو كيانٌ عنصريٌّ قائمٌ على تفضيل فئةٍ معينةٍ وأتباع دينٍ معينٍ، دونما اعتبارٍ لحقوق الآخرين.

والكيانات العنصرية القائمة على سلب حقوق الآخرين، تحمل بذور فنائها في ذاتها؛ لأنها تسير عكس حركة التاريخ والتطور، وعكس سنن الله في الكون، وتظل مسألة بقائها مسألة زمن، ومسألة مرتبطة بقيام أصحاب الحق في الأرض بواجبهم تجاه استرجاع حقوقهم، وحتى يضمن هذا المشروع بقاءه فأمامه أحد احتمالين، الأول أن يتحول من كيانٍ غير طبيعي إلى كيان طبيعي في المنطقة، بحيث تلغى الصورة الشائعة عنه باعتباره "سرطانًا" في جسد الأمة العربية والإسلامية.
غير أنَّ هذا لا يمكن أنْ يتم إلا إذا حل أزمته في وجود إيمان عميق لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين بأنَّه كيانًا "غير شرعيٍّ"، وصك الشرعية لا يمكن الحصول عليه من خلال موازين القوة، ولا حتى القرارات الدولية؛ لأنَّ أصحاب الأرض هم الجهة الوحيدة التي تملك حق التصرف فيها.
هل يمكن مثلاً للكيان الصهيوني الوصول إلى تسويةٍ نهائيةٍ مقنعةٍ للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج؟، ولكن ما من شكٍ في أنَّه لا يلوح في الأفق حلٌّ يضمن عودة اللاجئين الفلسطينيين، ولا إقامة دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ ذات سيادةٍ كاملةٍ على أراضيها، ولا يزال الحد الأعلى الذي يقدمه أكثر الصهاينة "اعتدالاً"، بعيدًا عن الحد الأدنى الذي يقبله أكثر الفلسطينيين تهافتًا على مشروع التسوية.
وتجد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية نفسها حاليًّا في وضعٍ مهترئٍ، لا يمكنها من التحدث باسم جميع الفلسطينيين، وحتى لو توصلت إلى تسويةٍ منقوصةٍ، فليس بإمكانها فرضها على باقي الفلسطينيين.
وعلى الرغم من استعداد الأنظمة الرسمية العربية والإسلامية للسير في مشروع التسوية، فإنَّ الأغلبية الساحقة من الشعوب العربية الإسلامية وخصوصًا في الدول المحيطة، لا تزال تؤمن بعدم شرعية "إسرائيل"، وكثيرٌ من هذه الأنظمة غير مستقرةٍ، وإذا ما عصفت بها رياح التغيير، فليس هناك أي ضمان لأية تسويةٍ، كما أنَّ عملية التطبيع شهدت فشلاً كبيرًا في كلٍّ من مصر والأردن.
أما الاحتمال الثاني فهو مرتبط ببقاء هذا الكيان قويًّا، وبقاء ما حوله من الأنظمة والشعوب ضعيفًا مفككًا متخلفًا، وهي المعادلة التي لا يزال الكيان الصهيوني قائمًا عليها منذ إنشائه.
ويعضد من هذا الخيار، أنَّ الكيان في الأصل، إنَّما هو دولةٌ وظيفيةٌ، خلقها الغرب لتحقيق أهدافه في المنطقة العربية والإسلامية، ومن هنا فإنَّ هذا الخيار تدعمه قوى الاستعمار العالمي الجديدة، ولأجل ذلك أيضًا تملك دولة الكيان المسخ أكثر من 200 رأس نووي، ولديها جيش متطور يمكن أنْ يهزم جيوش الدول العربية، بناءً على التحالف الإستراتيجي بين الكيان مع الولايات المتحدة، ويبلغ نصيب الفرد الصهيوني الواحد من النفقات العسكرية نحو 2000 دولار سنويًّا، مقابل 42 دولارًا للفرد في مصر مثلاً.
ولكن لا تستطيع "دولة الإرهاب" الصهيونية أنْ تجيب عن سؤالٍ بسيطٍ هو إلى متى تستطيع أنْ تضمن بقاءها قويةً، وأنْ تظل البلدان العربية والمسلمة ضعيفة، خصوصًا إذا ما ظل العرب والمسلمون يعتبرون معركتهم مع الكيان بمثابة معركة أجيالٍ، وأنَّها معركة وجودٍ وليست معركة حدود.
ويدعم ذلك إيمانهم بالقدرة الهائلة للمنطقة على امتصاص الهجمات الاستعمارية عبر التاريخ، وعلى الانتصار عليها في نهاية الأمر.
أزمة مصير:
لقد فشل المشروع الصهيوني في إثبات مقولة "أرضٌ بلا شعبٍ لشعبٍ بلا أرضٍ"، فالشعب الفلسطيني الذي أراد المشروع الصهيوني إلغاءه لم يثبت وجوده فقط، وإنَّما أثبت حيوية غير عادية، وقدرة هائلة على التحمل وابتداع وسائل جديدة للصمود والمقاومة.
وأخذ يعيد المشروع الصهيوني إلى المربع الأول من الصراع في كل مرة ينتفض فيها ويُطلق مقاومته، وأثبت أنَّ الفلسطينيين ليسوا مجموعةً من "الهنود الحمر" أو "الأبروجينيز" ممن يمكن التخلص منهم.
ولم تصدق تمنيات الصهاينة طوال الستين عامًا الماضية في أنْ ينسى اللاجئون الفلسطينيون قضيتهم، وفي السنوات العشر الأخيرة انبعثت حركة واسعة بين اللاجئين الفلسطينيين أكثر وعيًا وأكثر تنظيمًا وأكثر إصرارًا على حق العودة، بل أصبحت تنتشر بين فلسطينيي أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، فضلاً عن البلاد العربية، وهؤلاء يمثلون أزمة جوهرية للكيان؛ لأنَّ عودتهم تمثل إنهاءً للمشروع الصهيوني، ولأنَّ عدم عودتهم يعني استمرار الصراع.
المشروع الصهيوني بدأ يشهد بالفعل تراجعًا حقيقيًّا، كنتيجةٍ مباشرةٍ لأزمة المصير التي يمر بها، بفعل المقاومة.
إنَّ جوهر المشروع الصهيونيِّ الآخذ بالتراجع، هو:
- التشبُّث بالأرض المحتلّة، وتثبيت الواقع القائم على الأرض، وانتزاع اعترافٍ دوليٍ وغربيٍ وإسلاميٍ بهذا الواقع الاحتلاليِّ الصهيونيِّ.
- تذويب الشعب العربي الفلسطيني المسلم صاحب الأرض، في بوتقة الحلول الدولية، ودعاوى السلام الخادعة المزيّفة، وتهميشه إلى أبعد الحدود.
- الهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية، بقوّة اليهود والصليبيين الغربيين، وتواطؤ حكَّام المسلمين وأنظمتهم البعيدة عن رغبات شعوبها وتطلّعاتها.
وأبرز مظاهر هذا التراجع في المشروع الصهيوني، هو:
- ظهور اتجاهاتٍ متناقضةٍ في الكيان الصهيونيّ أولاً، وفي الغرب الصليبيّ الداعم له ثانيًا، فمرتفعات الجولان السورية مثلاً، تحوّلت عند بعضهم، من ضرورةٍ إستراتيجية ينبغي الاحتفاظ بها واستمرار احتلالها، إلى ضرورة التضحية بها وإعادتها إلى أصحابها السوريين من أجل تحقيق ما يسمى بالسلام.
- الفلسطينيون شعبًا وتاريخًا، تحوَّلت قضيتهم عند بعض الصهاينة، من إغفالٍ واستغفالٍ وعدم اعترافٍ بأنَّهم شعبًا ينبغي أنْ يعيش مثل باقي الشعوب، وتكون له دولةٌ مستقلةٌ، إلى قضية شعبٍ حقيقي له كيان وتاريخ يعترف به الصهاينة اليهود أنفسهم، وفي هذا لنقارن مثلاً، بين مقولة جولدا مائير، رئيسة وزراء الصهاينة في السبعينيات: "لا أعرف شعبًا اسمه الشعب الفلسطيني"، وبين المقولات الكثيرة التي تجري هذه الأيام على ألسنة الصهاينة والأمريكيين، وحتى في أروقة مجلس الأمن الدولي، بضرورة قيام دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلّة.
خاتمة: مخاطر إستراتيجية
1- المقاومة المسلحة:
![]() |
|
المقاومة تمثل عائقًا أمام المشروع الصهيوني |
ولذلك لم يكن مستغربًا أنْ يرى مؤتمر هرتزليا- وهو أهم هيئة صهيونية تُعنَى بصناعة القرار، ويشارك فيه كبار رجال السياسة والأمن والخبراء- أنَّ صعود حماس السياسي والشعبي "يمثل خطرًا إستراتيجيًّا على وجود إسرائيل".
كما رأى المؤتمر- الذي يعقد سنويًّا- في صعود القوى الإسلامية في المنطقة خطرًا إستراتيجيًّا حقيقيًّا. ويزيد من مخاوف صناع القرار أنَّ هذا الصعود ترافقه حالة من عدم الاستقرار في الأنظمة المحيطة بالكيان، وأنَّ كافة التغيرات- سواء كانت بالانتخابات الديمقراطية، أم بسقوط هذه الأنظمة والدخول في الفوضى- ستخدم في النهاية هذه القوى، وبالتالي ستخدم خط المقاومة ضد المشروع الصهيوني.
وتمثل المقاومة الفلسطينية المسلحة وتطورها واحتمالات اتساعها عربيًّا وإسلاميًّا؛ أحد الجوانب التي تؤرق المشروع الصهيوني؛ ففي العشرين سنة الماضية انتقل مركز المقاومة من الخارج إلى الداخل.
وتطورت وسائل المقاومة من رمي الحجارة إلى السكاكين إلى الرشاشات إلى العمليات الاستشهادية إلى الصواريخ، وتطورت الصواريخ في مداها، وفي حجم مادتها التفجيرية، وفي دقتها في إصابة الهدف.
ويقوم استقرار المشروع الصهيوني على عمودَيْ الأمن والاقتصاد، وتُمثل المقاومة المسلحة أحد أكثر الوسائل فعالية في هزِّ أو ضرب هذين العمودين، ولا شكّ أنَّ تزايد الإمكانات القتالية لحماس وحزب الله والجهاد الإسلامي وغيرها، تجعل منها حالة تؤرق المشروع الصهيوني، خصوصًا أنَّ هناك تطورًا كبيرًا في نوعية المقاتلين الراغبين في التضحية والاستشهاد.
ويعيش الآن نحو 700 ألف صهيوني خارج الكيان، وقد أبدى ما بين 25 و30% من الصهاينة رغبتهم في الهجرة وترك "إسرائيل" عندما اشتدت فعاليات الانتفاضة والمقاومة، وهي نسبٌ تتزايد مع فقدان الشعور بالأمان، وتراجع الاقتصاد، وانخفاض الدخل، وارتفعت في آخر استطلاع للرأي إلى 45% إذا ما امتلكت إيران سلاحًا نوويًّا.
2- النمو السكاني الفلسطيني:
ويشكل النمو السكاني الفلسطيني أحد جوانب الأزمة التي تواجه المشروع الصهيوني، ففي العام القادم 2010م، سيزيد عدد الفلسطينيين على عدد اليهود في فلسطين التاريخية (فلسطين المحتلة سنة 1948م، والضفة الغربية وقطاع غزة).
وهو ما قد يدفع الفلسطينيين إلى استخدام تكتيكات جديدة مبنية على إسقاط خيار التسوية السلمية القائمة على فكرة الدولتين، وتبني خيار الدولة الواحدة الثنائية القومية، التي يعيش فيها اليهود كرعايا في بلدٍ عربيٍّ مسلمٍ، والنضال على طريقة النموذج الجنوب إفريقي.
وبغضِّ النظر عن إمكانية نجاح مثل هذا التوجه، فإنَّه سيشكل ضربة لمشروع التسوية الحالي، كما سيربك الخيارات الصهيونية والأمريكية؛ لأنَّه مقبول دوليًّا من الناحية الإنسانية والقانونية والمنطقية، في الوقت الذي يعني تطبيقه إنهاء المشروع الصهيوني بإنهاء الصبغة اليهودية لـ"إسرائيل".
وليس سرًّا أن جوهر فكرة مشروع الانسحاب الأحادي الجانب الذي تبناه شارون وحزب كاديما، يقوم أساسًا على الهروب من هذا الاحتمال، من خلال التخلص من أكبر قدر من السكان الفلسطينيين مع الحصول على أكبر قدر من الأرض.
3- نضوب الهجرة اليهودية:
أما نضوب مخزون الهجرة اليهودية إلى فلسطين؛ فيمثل أحد الأزمات التي تواجه المشروع الصهيوني القائم أصلاً على فكرة الهجرة والاستيطان، ويمثل اليهود في فلسطين نحو 40% من يهود العالم (5.4 ملايين من أصل 13.5 مليونًا تقريبًا)، ومعظم أولئك اليهود الذين كانوا يواجهون ما يعرف بالمشكلة اليهودية في بلدانهم، أو ممن يعانون من الفقر والأزمات الاقتصادية قد هاجروا فعلاً من تلك البلدان.
ويتركز معظم يهود العالم (خارج فلسطين المحتلة) حاليًّا في الولايات المتحدة (نحو 5.5 ملايين) وفي أوروبا الغربية، وهو ما يجعل هجرتهم أمرًا مستبعدًا. وفي السنوات الأخيرة أخذ عدد المهاجرين اليهود من "إسرائيل" يقترب من عدد اليهود القادمين إليها؛ بل تجاوزه في سنة 2007م، كما سبق القول.
4- الفساد والترهل:
الفساد والترهل في المجتمع الصهيوني يزيد من أزمة المشروع الصهيوني. ولا يخلو الوسط السياسي من فضائحٍ ماليةٍ وأخلاقيةٍ كما هو الحال مع أولمرت والرئيس السابق موشيه كاتساف، بالإضافة إلى شارون ونتنياهو وغيرهم، كما يعاني المجتمع الصهيوني من غياب الطراز الأول من القادة، ومن غياب جيل التأسيس.
ويعاني الكيان في المقابل من ظهور أجيالٍ جديدةٍ من الشباب تريد الاستمتاع بحياتها، وتفتقد إلى الروح "الرسالية" والأيديولوجية التي تمتع بها الجيل الأول، وهو ما انعكس سلبًا على الجيش الصهيوني والأجهزة الأمنية، التي تواجه مشاكل في الحصول على عناصر "نوعية" تستطيع تحمل مسئولية المشروع.
لذلك ظهرت مظاهر سلبية في الجيش الصهيوني من حيث حالات الهروب من الجيش، ومستوى الجاهزية القتالية لعناصره، وتوفر إرادة القتال، وفضلاً عن ذلك فقد أصاب المجتمع الصهيوني ما أصاب المجتمع الغربي من ثقافة الجنس والمتعة وانتشار اللواط، وتعاطي المخدرات، والجريمة المنظمة، والتفكك الأسري، وغير ذلك.
وفي النهاية، فإنَّ تراجع المشروع الصهيوني على الأرض يعدُّ نجاحًا للمقاومة، فالتضحيات التي بذلتها الشعوب العربية على مدى الواحد والستين عاماً الماضية لم تذهب سدى، كما كان الصمود الفلسطيني خلال الستين عامًا الماضية العامل الحاسم في إيصال المشروع الصهيوني إلى هذا الفشل، فقد بقي الفلسطينيون صامدين في أرضهم يقاومون كل محاولات الاقتلاع، ونجحوا بصمودهم في إقناع العالم بعدالة قضيتهم.
كما مارس العرب فعل المقاومة رسميًّا وشعبيًّا عبر عدة أشكال، جمعت بين المقاومة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية.
والخلاصة أنَّ المشروع الصهيوني يعاني من عدد من التحديات والأزمات، التي توفر لمن يقف في مواجهته مجموعة من الفرص يمكن أنْ تؤثر في معادلة الصراع، إنْ جرى توظيفها بشكل منهجي ومدروس.
غير أنَّ مجموعة الأزمات وحالات الضعف والتفكك والتخلف والصراع الداخلي الذي تشهده الساحات الفلسطينية والعربية والإسلامية، تجعل من ذلك أمرًا في غاية الصعوبة، وتدفع باتجاه أنْ يعيد الفلسطينيون ترتيب بيتهم الداخلي وأولويات مشروعهم الوطني، قبل "الاستمتاع" بالحديث عن أزمات المشروع الصهيوني.

