لفت نظري في المداخلات التي أحدثها مقال (صراع الأجيال.. المزعوم) و(تراحم الأجيال.. وتواصلها) في الأسبوعين الماضيين؛ أن كثيرًا من الشباب بحاجةٍ شديدةٍ إلى مَن يُحدثهم عن معانٍ كثيرة في كيفية تناول القضايا التي تهم الدعوة، ويفسح لهم الصدور للرد على ما يثور في نفوسهم من أمور.. كنا نظنها بدهية من البدهيات أو مسلَّمة من المسلمات، لا يلزم الوقوف عندها كثيرًا؛ ولكن مع تتابع الأيام وتغير الزمن، وجدنا أن الشبابَ في أشد الحاجةِ إلى تحديدٍ واضحٍ لكثيرٍ من المصطلحات، وتفصيل لبعض المعاني والدلالات؛ وذلك لأسباب؛ منها:

أن غالبية الأجيال الشابة؛ نادرًا ما يقرءون؛ حيث انعدم الإقبال على القراءة، وزاحم هذا الاهتمام وسائل الإعلام الحديثة من تلفاز ووسائل الاتصال الإلكترونية؛ مما يجعل الشاب في حالة تلقي مستمرة؛ يستمع فقط أو ينظر، ولا يُحرِّك ذهنه، أو يقوم هو بالتحليل والتفكير الموضوعي الذي يصل إلى النتائج بجهده وإبداعه الذاتي، ومن هنا كان التسطيح واضحًا في كثيرٍ من القضايا التي يتم تناولها، والابتعاد عن الضوابط أو الشروط التي تحدد الإطار العام الذي يضبط الفكر والحركة في المجالات العامة والخاصة، وإذا كان الإنسان- كما يقولون- ابن بيئته، وانعكاسًا للمجتمع الذي نشأ فيه؛ فإن الثقافة العامة في واقعنا المعاصر قد أوجدت أنماطًا من العقول التي أدمنت الانقياد لكل ما يعرض عليها دون غوص في أعماق الأفكار أو نقدها وتحليلها؛ لذلك كانت الحركة بكل ما يُلقى عليها يكتنفها مخاطر وعيوب.

 

لا بد أن تتحدد الوجهة قبل الحركة، وتستقر النفس على المبدأ الذي يتخذه الشخص منهاجًا لحياته.. وإطارًا لحركته.. ومرجعيةً تضبط شكل استقامته على الطريق.. ويكون ذلك بمثابة المنظار الذي يضعه على عينيه.. إذ تتلون الأشياء بلون هذا المنظار.. أو هو الميزان الذي يزن به كل شيء في هذه الحياة.. وما لم تتحدد ألوان الأشياء بلون معين ومحدد من انعكاس لون المبدأ الذي آثر أن يكون نبراسه في هذه الحياة.. ويكون عنده المعيار أو الميزان الذي يقيِّم به ووفقًا له كل ما في هذه الحياة من أفكار وآراء وقيم وموازين ومعايير.. ورؤى وفلسفات؛ ما لم تتحدد كل هذه الأمور وتكون هناك أرض صلبة وقاعدة متينة ينطلق منها؛ فإن حركة الفرد تطيش ويضل الطريق، وتتشعب به السبل ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾ (الأنعام).

 

ودون حجر على حرية الفكر، أو مصادرة لانطلاقات العقل والإبداع؛ فإن الإنسان حر أن يختار مبدأه أو فكره، وكذلك طريقه الذي يراه متوافقًا مع هذا المبدأ أو الفكر، ولكن إذا ما استقر عزمه على اختيار الإسلام منهجًا له في الحياة، وآمن بذلك أعمق الإيمان وأخلصه، ونزل على هذا الطريق بكل ما في نفسه من حبٍّ وتقدير، وعاهد ربَّه أن يعمل للإسلام في كل شأنٍ من شئونه..﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ(163)﴾ (الأنعام)، وهو إذا كان قد آمن بالإسلام منهجًا يصلح به شئون الفرد والجماعة، بل وشئون المجتمعات على اختلاف ألوانها وأشكالها.. فإن عليه أن يطوع حياته للقيام بمهمة الإصلاح هذه، سواء نحو نفسه أو نحو مجتمعه وأمته والناس أجمعين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء).. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (28)﴾ (سبأ).

 

هم رجال.. ونحن رجال

قلنا في موضعٍ سابقٍ إن الأجيال في مفهوم الإسلام متراحمة.. يدعو كل جيل لسابقه ويترحم عليه.. ويذكر محاسنه وفضائله، ويبتعد عن تجريحه أو الانتقاص من جهاده ومآثره.. ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10)﴾ (الحشر).

 

ويحضرني في ذلك نموذجان:

الأول: في عام 1968م التقى جيل الشباب بجيل الشيوخ في سجن قنا، وكنت وقتها من الشباب وحدث نوع من المواجهة بين الجيلين تمخض عن التداخل، والتفاعل، وتبادل الخبرة، والتأثير والتأثر والتعليم والتعلم، كل ذلك وما إليه أثرى الحياة، وحرّك كوامن الخير في النفوس، وجعلها تأخذ الحكمة، فهي ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها.

 

ومن ذلك مثلاً.. أن هذا الجيل المبارك الذي وفدنا عليه.. وقد قضى في السجن أكثر من ثلاث عشرة سنة أو يزيد، كان قد تشكلت حياته وفق قيم ومبادئ وعادات رأيناها في أول الأمر غريبة علينا، ثم سرعان ما تبين أن الإسلام يدعو إليها أو أنها ليست غريبة عما كان يربي رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عليها، ومن ذلك ما كان يبديه عامة الإخوان من حب وتقدير واحترام للكبار، وخاصة أعضاء مكتب الإرشاد منهم؛ مثل: الأستاذ عمر التلمساني، والأستاذ محمد حامد أبو النصر، وفضيلة الشيخ أحمد شريت رحمهم الله جميعًا، فكانوا ينزلونهم منازلهم، ويُقدمونهم في مجالسهم، ويبدون لهم كل توقيرٍ واحترام؛ بل ويقومون لهم إذا اقتضى الموقف ذلك؛ طبعًا في إطار الحب والاحترام وإكرام الكبير، وتقدير أهل السبق.

 

الثاني: وهناك نموذج من شباب الإخوان قد عكف على صحيح البخاري.. فحفظه حفظًا عن ظهر قلب.. وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وما أظن أنه قد حدد غايته من وراءِ هذا الحفظ، أو ماذا سيضيف إلى الدعوة، وما المهمة التي كان يسعى لتحقيقها، لم تكن الأمور محددة أو الهدف واضح، وقد أدَّى ذلك إلى بعض الاختلالِ في النفس، والاهتزاز في نظرته إلى الأشياء والأفراد، وتقييم الأشخاص.

 

حتى وصل الأمر من فرطِ إعجابه بنفسه وقدرته الفائقة على حفظِ صحيح البخاري؛ أن يُعلن عند مناقشة آراء العلماء والفقهاء وروّاد الدعوة؛ وبالأخص الأستاذ المؤسس (أنهم رجال.. ونحن رجال)؛ وبذلك يكون قد ضرب تواضع النفس في مقتلٍ، ووصل به الإعجاب بالحفظ مثل ما وصل بقارون الإعجاب بعلمه وذكائه ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ (القصص: من الآية 78).

 

ولا تسأل- أخي القارئ- عما انتهى إليه أمر هذا الأخ الحافظ لصحيح البخاري، فقد تخبَّط في متاهات الحياةِ والأفكار، ولم يستقر على قرار.. ولم يسلم من الفتنة أو التيه حتى إنه سقط في فتنة الحرم المكي، ولبث هناك في السجن بضع سنين.. فالعبرة ليست بالحفظ وإن كان الحفظ فضيلة؛ وإنما المهم هو فقه وفهم ما يُحفظ في إطار جماعةٍ تستقيم حياة الفرد في إطارها وتعصمه من الزلل والانحراف.

 

حظ النفس

هناك مَن ينخرط في الصف العامل لنصرة الإسلام؛ ولكن لا يكون لذلك أثر في تكوينه النفسي وواقعه الإيماني والروحي، وربما يخيل إليه أن هذا التجمع الدعوي والرباني إنما هو كأي تجمع حزبي أو دنيوي.. فغياب الغاية في أعماق الداعية، وتخبط الوجهة في نفسه كما قدمنا يؤدي به إلى الانحراف والزيغ عن جادة الطريق.. فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إني أقف الموقف أُريد وجه الله وأريد أن يُرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾ (الكهف).

 

ثم إن سلامة الوسيلة وضمان مشروعيتها وموافقتها لروح الإسلام تتحقق بها سلامة الطريق وصيانة العمل الإسلامي من كل انحرافٍ يمكن أن تسببه هذه الروح الغريبة غير المخلصة أو المتجردة.. فالله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه تعالى، وما كان صوابًا كذلك؛ فلابد أن يكون المبتغى هو مرضاة الله من غير هوى أو حظٍ للنفس أو تطلع إلى مكانةٍ معينةٍ أو منصبٍ أو جاهٍٍ أو سلطان من وراء هذا العمل أو التجمع الرباني.

 

وأذكر في هذا الصدد ما قاله بعض الشباب في عام 1996م عندما دبَّت فتنة إنشاء حزب أو كيان بعيد عن هيكل الدعوة الأم وقيادتها؛ قال هذا الشاب للأستاذ مأمون الهضيبي- قبل أن يكون مرشدًا رحمه الله-: "نريد أن يكون لنا كرسي بجوار كرسيك هذا"، وأشار بعصبية إلى الكرسي الذي يجلس عليه الأستاذ مأمون.

 

ودلالة هذه القصة لا تخفى على أحد؛ إذ التطلع إلى المكانة أو الزعامة إذا ملأ القلب وانشغلت به النفس؛ فسدت حياة الفرد وانفرط عقده، وتبعثَّر أمره، ولم يعد صالحًا لأن يعيش في جوٍّ أو مناخ جماعة لها قيادتها ونظمها ولوائحها ومنهجها ووسائل التربية فيها.

 

ثم إني أعجب أشد العجب من بعض الشباب الذي ينظر إلى جيل الشيوخ الكبار هذه النظرة الضيقة الخالية من الحبِّ والاحترام والتوقير، ويطلب من مثلهم أن يتخلوا أو يبتعدوا، وأن يتم إحالتهم إلى المعاش، وما هكذا تُدار الأمور أو يُنظر إليها في دعوةٍ ربانيةٍ تسعى لتحقيق الإسلام في واقع الحياة، وصبغ حياة الناس بالإسلام.. والمسئولية في الدعوة ليست إدارية مادية جافة؛ بقدر ما هي توريثٌ للحب والأخوة وتربية الأجيال المتتابعة على الإسلام الشامل الكامل المتوازن الذي يعيد الدور الحضاري لهذا الدين.