كانت قابعةً خلف مقود سيارتها تراقب الطريق والمارَّة وإشارات المرور، وتسأله سبحانه السلامة والنجاة، أرادت الاتجاه يمينًا، فأوقفتها علامة (ممنوع الدخول)، فكان دخولها في الشارع الذي يليه، فوجدته مسدودًا، فحدثتها نفسها أن المكان الذي تبغيه قاب قوسين أو أدنى، ومجرد دخولها إلى الشارع الموحَّد السير- إن شاء الله- ستقف بسيارتها، وتذهب إلى مبتغاها.
ولانت بين يديها عجلة القيادة، وأطاعت العجلات، وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى وجدت نفسها، وقد التفَّت حولها لجنة مرورية، أحكمت خيوطها بدقة وبراعة، حاولت التفسير.. التبرير.. الاعتذار.. بلا فائدة، هكذا سبحان الله، ماذا ستقول لأولادها وهي التي تحذِّرهم دومًا من السير عكس الطريق، ومن مراعاة قوانين المرور، وما إلى ذلك من نصائح؟.. أوقفت سيارتها قليلاً، ولجأت إلى الله؛ كي تهدِّئ من روعها، "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم".. أخذت ترددها، وهي تقلب الوصل بين يديها، بعد أن سلَّمت رخصة سيارتها وقيادتها.
تنهَّدت تنهيدةً تجسدت فيها كامل الاستعانة بالله، ثم توجَّهت إلى إدارة المرور؛ لتعلم ما عليها، وكانت المفاجأة: حتى يتم الصلح مع الإدارة لا بد من دفع مبلغ باهظ لا يتناسب مطلقًا مع القدرات الفعلية لمن يطبق عليهم القانون، ولكن ما باليد حيلة!.
فبعد عدة أيام دبَّرت المبلغ، وفي صالة الانتظار لاحظت بطرف عينيها تعدد البشر، واختلاف مشاربهم، وسبب وجودهم، وقد اتفقوا على الوقوف في طوابير، راجين أن يأتي دورهم سريعًا؛ ليدفعوا وتنتهي هذه الغمة، وكان بين الحضور رجل اشتعل رأسه شيبًا، وقد رسمت سنوات العناء على وجهه أخاديد الحياة القاسية، وكان يضرب كفًّا بكفِّ، فالمطلوب منه مبلغ يثقل كاهله، أرهفت سمعها، وتقدمت إليه مشفقةً، وهي تقول: إني سأدفع عشرين ضعف المطلوب منك، فهوِّن عليك، قال لها متحسرًّا: إني لا أملك إلا هذا الموتوسيكل أتوكأ عليه، من أجل رزق أولادي، والحمد لله أني لا أمتلك سيارة وإلا كان الدفع مضاعفًا!.
نظرت إليه شاخصةً بصرها إلى يوم الحساب عند السؤال عن النعيم، فقد كان هذا الرجل يتمنَّى بالتأكيد سيارة؛ ولكن في هذا الموقف حمد الله أنه لا يملكها، وكذلك نحن، كثير من الأشياء التي نتمنَّاها الآن سنحمد الله على عدم امتلاكها عند تأدية حقوقها.
وسرحت بخيالها فكم نسير عكس الاتجاه لطريق الله المستقيم الذي حدَّده لنا، وكم توقفنا عند لجان الدنيا من الابتلاءات والاختبارات.. مرض، أو الاستماع إلى آية يقشعر منها البدن، أو الاطلاع على صفحة النهاية لمن نحن على شاكلتهم، أو لجنة ابتلاء لفقد حبيب نعتبر ونتعظ!!، وكم يشعرنا بالضعف أمام قدرة الله العظيم الذي بنفسه قد حدَّد لنا الطريق مع وضع الإشارات والعلامات، مع قوانين تهتم بكل صغيرة وكبيرة، وعلى الرغم من ذلك هناك من يسير عكس اتجاه الأنبياء والرسل، ولا يشعر بأي جفاف بحلقه.. أمر عجيب حقًّا.. وأسرَّته في نفسها.
وها نحن جميعًا نود أن ندفع للصلح مع إدارة المرور، وقد دبَّرنا مبالغنا بأي كيفية كانت، مع أن أوامر الله إن خالفناها بالعمد أو الخطأ فإنه يستمع إلينا عند التوبة، وبفعل اعتذارنا لبعض الأخطاء لدفع كفارات في قدراتنا واستطاعتنا مثل الصوم؛ حتى نعيش حياة سوية، فيها طمأنينة ورضا من المولى عز وجل، وهناك من يبخل على نفسه أن ينال رضا الله؛ فنجده لا يبالي بشيء، كثير الحلف بالكذب ولا رادع، تعمّد الإفطار في نهار رمضان ولا رادع، يظاهر من امرأته وكأنه لم يظاهر، يعتدي على ممتلكات الآخرين، سواء بالعمد أو الخطأ، ولا يدفع دية ولا يبالي.
فكم سيكون طويلاً طابور الوقوف على باب رحمة الله لدفع كفارات تجب علينا!!، وكم أخطأنا وكم تهاونَّا؟!
أخرجها من دائرة أفكارها سماعُ من ينادي عليها، وبعد انتهاء المعاملة الخاصة بها أخذت ما فقدته من رخص، وقالت للضابط مبتسمة: "يسَّر الله لنا أمر الصلح معه"، ثم أردف: عفوًا ماذا تقصدين؟! قال راجيًا.. آمين.