إنه من اللافت للنظر ومن الواضح للعيان في السنوات الأخيرة الماضية تلاحق وسرعة انتشار الأوبئة، وخاصةً الغريبة النادرة والشديدة القاتلة، فقبل إنفلونزا الخنازير كانت إنفلونزا الطيور، وقبلهما الحمى القلاعية، وقبلها مرض سارس، وقبله الجمرة الخبيثة، وقبلها جميعًا "الإيدز".

 

هذا بخلاف الأمراض السرطانية والفشل الكلوي المتفشي، وأمراض المناعة المدمرة التي تتلاحق وزاد ظهورها في الآونة الأخيرة، والتي يزعم الكثير أننا وصلنا فيها إلى قمة العلم والتكنولوجيا وتربَّعنا على عرش الأبحاث والاختراعات للعالم أجمع، إذًا الله عز وجل يتحدى العالم بما يُصيب البشر بالعجز والضعف والخجل أمام قدرة الله وإرادته.

 

قديمًا في الأزمان الغابرة كان ابتلاء الله للأمم بأشياء تتناسب وعلمهم وتقدمهم، فنجد الإهلاك والابتلاء بالريح والماء وبالدابة العظيمة التي تخرج للناس.. كلها ابتلاءات ظاهرة للعيان ومحسوسة.

 

أما الآن فابتلاء الله في كائنات ومخلوقات لا تُرى بالعين المجردة، ولا يتم التعامل معها مباشرةً؛ ولكن عبر الوسائط كالمنظار والميكرسكوبات المعظمة عالية الدقة، ومما هو جدير بالذكر أن فيروس إنفلونزا الخنازير هذا الكائن الفيروسي الدقيق يستغرق شهرًا لفصله والتعامل معه، ويستغرق من 4- 6 شهور للوصول إلى مصل (لقاح)، وربما كانت هذه المدة كافية لظهور فيروس آخر.

 

 وما يعلم جنود ربك إلا هو!

وكل هذا مما كسبت أيدينا ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى: من الآية 30)، كل هذا وغيره وأكثر منه، هذا بخلاف الكوارث المالية (الأزمة المالية العالمية)، وبخلاف الكوارث الطبيعية (الزلازل والفيضانات مثل تسونامي وغيره)، ألا يدعو كل ذلك إلى شيء؟ ألا يدل على شيء؟ ألا يتطلب منا شيئًا؟.. الأكيد أنه يدعو ويدل على أشياء كثيرة في الحقيقة.

 

 المطلوب من العالم ومن الأمة

وقفة تدبر وتأمل.. وقفة مراجعة للنفس ومحاسبة.. وقفة مصارحة ووضوح، لا نضع رءوسنا في التراب.. لا ننظر أسفل أقدامنا، وإنما لا بد من نظرةٍ متأملةٍ فاحصة، هل هذا لا يدل على إعراض، ظلم، غرور، تكبر؟!

 

وهذا نموذج لأمةٍ سابقةٍ للعبرة:

قوم فرعون لمَّا كذبوا وظلموا وأعرضوا وتكبروا ماذا فعل الله بهم؟ يقول تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ﴾ (الأعراف: من الآية 133)، وفي تفسير القرطبي أن هذه الآيات لم تأتِ كلها جملةً واحدةً بل (آيات مفصلات) متتاليات على مسافةٍ بين الآية والأخرى في رواية 30 يومًا، وأخرى 40 يومًا.

 

- بعد أن آذاهم الطوفان، ودمَّر مساكن، وأهلك بشرًا، وتوجهوا لموسى عليه السلام ليدعو ربهم ليكشف ما بهم، ومقابل ذلك يُنفذون ما يطلبه منهم موسى عليه السلام، وهو (إيمان به وإرسال بني إسرائيل معه) فيدعو موسى عليه السلام ربه، ويكشف ما بهم من طوفان؛ ولكنهم وكأن شيئًا لم يكن، وكأنهم لم يكونوا في غمةٍ ومصيبةٍ وأزاحها الله.

 

- فيتم ابتلاؤهم بآيةٍ أخرى.. الجراد الذي أفسد عليهم حياتهم، وبنفس المسلسل السابق تم التعامل مع الابتلاءات الجديدة.

 

- فيتم ابتلاؤهم بالآية التالية.. القمَّل، ويتكرر السيناريو: الإعراض والنسيان.

 

- ويتم الابتلاء الرابع.. الضفادع، التي أفسدت معيشتهم وطعامهم ونومهم وشرابهم؛ ولكن يتكرر المسلسل السابق.

 

- لنصل إلى الآية الخامسة.. الدم، ونلاحظ أن كل مرة تزداد الآيات شراسةً وضراوةً، ويزدادون تكبرًا وعنادًا وتجبُّرًا، إلى أن أهلك الله فرعون وجنوده، باختصار حلقات الزمن؛ لنصل إلى هذه اللقطة الخيرة: الإهلاك، الإفناء، الإبادة.

 

هل الإعراض والظلم والغرور والتكبر فقط هو الذي تقوم به البشرية اليوم؟!

لا والله؛ ولكنْ، هناك فساد وإفساد عالمي ومحلي.

حرب العراق والإبادة البشرية بحجج واهية!!.

حرب أفغانستان والإبادة البشرية بحجج واهية!!.

حرب الصومال (بطريقة مباشرة وغير مباشرة)!!.

حرب البوسنة والهرسك!!.

حرب الشيشان!!.

حروب فلسطين!!.

 

ظلم عيني عينك، صوت وصورة، بهذا وغيره تستحق البشرية أن تُبتلى وأن تُمتحن؛ لتقف ولتنظر ولتفكر.. لتعود.

 

 العلاج

العودة إلى الله، واللجوء إليه، والاحتماء بمنهجه، وهذا كله ملخَّص في كلمةٍ واحدةٍ تحتاج إليها الأمة وهي: (العدل).. إذا وُجد العدل في العالم وُجدت معه أسباب النجاة وأسباب الحياة والنصر والتمكين والسعادة.

 

هذه نماذج متفرقة من العدل

على كل المستويات.. الأفراد، المؤسسات، الحكومات؛ لنرى إذا وجدت في زماننا، أليس من الممكن أن يرفع الله عنا ويكشف ما أهمنا؟!

 

1- هذا القائد صلى الله عليه وسلم لم يقبل شفاعة أسامة بن زيد حِب رسول الله في شأن المرأة المخزومية الشريفة التي سرقت، وقال صلى الله عليه وسلم قولته المشهورة: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم القوي تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها...".. ليغلق باب الوساطة والمحسوبية والمجاملة صلى الله عليه وسلم.

 

وهذا الرجل المسلم (طعمة) يسرق درعًا، ولما خشي من افتضاح الأمر ألقاه في بيت يهودي، واتهمه بسرقته، وذهب للنبي- صلى الله عليه وسلم- متهمًا، وهم النبي صلى الله عليه وسلم للقيام معه؛ فنزل قول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (المائدة: من الآية 48).

 

2- وهذا يهودي يسرق درع الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويقف هو وعلي رضي الله عنه أمام القاضي، ويقدم اليهودي بيِّنة، ولا يقدم علي بيِّنة، ويحكم القاضي لليهودي بالدرع.

 

ولكن علي رضي الله عنه لا يعترض على الحكم؛ وإنما على أشياء أخرى، وهي أن القاضي كناه بكنيته، ولم يُكنِّ خصمه، وأجلسه ولم يُجلس خصمه؛ فإذا باليهودي يقول: أما الدرع فهي لعلي؛ وأما أنا فأشهد ألا إله إلا الله.

العدل دعاه، وأرغمه على الإسلام.

 

3- وهذا عمرو بن العاص يحكم مصر، وإذا بابنه يسابق شابًّا من أهل مصر، فيسبقه الشاب، فيضربه ابن عمرو بن العاص، ويقول له: أتسبق ابن الأكرمين؟ فإذا بالشاب وأبيه يقطعا المسافات والمفاوز طلبًا للنصرة وطمعًا في العدل وهما في قمة التأكد من الوصول إليه (وإلا فإنهما كانا لا يتحركان من مكانهما) ويذهبا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة ويسمع منهما القصة فيرسل في طلب عمرو بن العاص وابنه على وجه السرعة، ويجتمع الناس ويتبين ويتأكد من الموضوع، ويأمر الشاب بأن يضرب (ابن الأكرمين) ثم يأمره بأن يضرب صلعة عمرو بن العاص مبررًا ذلك بأنه لولا عمرو في الولاية والحكم ما ضرب ابنه هذا الشاب، ليعود الشاب وأبوه وهما في عجبٍ عجاب من هذا العدل، ويقول عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا".

 

وهذا هو عمر الذي رآه رجل ينام تحت الشجرة في عمقٍ واطمئنان فقال: "حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر"، ويقول ابن تيمية: "إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة".

 

4- في زمن الرمادة (المجاعة) كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأكل الخبز بالزيت كسائر الرعية إلى أن نحروا يومًا من الأيام جزورًا (جملاً صغيرًا) فأطعمها الناس (وزعوها على الناس) وغرفوا له طيبها فأتى بها فإذا قديد من سنام ومن كبد فقال: "أنى هذا؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين من الجزور التي نحرناها اليوم. فقال: بخ بخ بئس الوالي أنا إن أكلتُ طيبها وأطعمت الناس كرادسها، ارفع هذه الجفنة وهات غير هذا الطعام، فأتى بخبزٍ وزيتٍ وجعل يأكل".

 

5- جاء مال كثير إلى عمر بن الخطاب فجعل يُقسِّم بين الناس فتزاحموا، فأقبل سعد بن أبي وقاص يُزاحم الناس حتى خلص إليه (وصل إليه) فعلاه عمر بالدرة وقال: "إنك أقبلت لا تهابُ سلطانَ الله في الأرض فأحببتُ أن أُعلمك أن سلطانَ الله لن يهابك".

مع ملاحظة أن سعد بن أبي وقاص من المبشرين بالجنة، وهو مَن هو إلا أن الفاروق يُعلمنا العدالة والمساواة.

 

6- وهل رأت الدنيا مثل ذلك: قاضٍ يسجن ولده!

عاش المجتمع في رحاب العدل سنين طويلة فهذا (القاضي شريح) وقد كفل ولده رجلاً فقبل كفالته، فما كان من الرجل إلا أن فرَّ هاربًا من يد القضاء، فسجن شريح ولده بالرجل الهارب، وكان ينقل له طعامه كل يومٍ إلى السجن كباقي السجناء.

 

7- وأخيرًا هذا (محمد بن سيرين) عندما سُجن لدينٍ عليه وكان يمر بضائقةٍ ماليةٍ وهو من هو! فلما رأى السجان تقواه وورعه وزهده قال له: أيها الشيخ إذا جاء الليل فاذهب إلى أهلك وبت معهم فإذا أصبحت فعد إليَّ واستمر على ذلك حتى يُطلَق سراحك.

 

فقال له: لا والله لا أفعل. فقال السجان: ولِمَ هداك الله؟، قال: حتى لا أعاونك على خيانةِ ولي الأمر.

 

وبينما محمد بن سيرين في السجن مات الصحابي (أنس بن مالك) وقد أوصى بأن يغسله ويصلي عليه محمد بن سيرين، فجاء الناس إلى الوالي وأخبروه بوصية صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن محمد بن سيرين قال: حتى تستأذنوا صاحب الدين، فلما وافق خرج وأدَّى الوصيةَ؛ غسَّله وصلى عليه ثم ذهب إلى سجنه مرةً ثانيةً دون أن يذهب إلى بيته وأهله، فكان أسوةً بالالتزام بالمبدأ وتنفيذ العدل.

 

بهذا المبدأ- العدل- تسعد البشرية ويرفع الله عنها البلوى.. نسأل الله أن يلطف بنا، وأن يكشف الغمة عن الأمة، وأن يعافيها.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.