تشكل الحركات الإسلامية الموجودة حاليًّا في الصومال القوة الرئيسية في البلاد، بعد عقودٍ من الضعف والاضطهاد على يد النظام العسكري الذي كان يحكم البلاد في عهد الرئيس الصومالي الراحل محمد سياد بري، الذي كبح جماح الحركات الإسلامية، وأذاقها العذاب بكلِّ صُوَرِه من تنكيلٍ وتعذيبٍ وتجويعٍ وتشريدٍ، وكانت هذه الحركات حينها كطفلٍ رضيعٍ ليس له أسنان يقاوم بها ذلك النظام المستبد.

 

وعلى الرغم من كل هذه المخاطر والضغوطات التي واجهت الحركات الإسلامية، إلا أنَّها بدأت تتنفس الصعداء بعد الإطاحة بالحكومة المركزية في مطلع العام 1991م، فبدأت الحركات الإسلامية تبرز في الساحة واحدةً تلو الأخرى، حتى وصل عددها أكثر من 10 حركاتٍ إسلاميةً متنوعة، وأصبح الصراع السياسي والعسكري الحالي في الصومال بينها بدلاً من أمراء الحرب.

 

وتحاول هذه الورقة إلقاء الضوء على الجماعات الإسلامية التي ظهرت في الصومال، قديمًا وحديثًا، بحسب التسلسل الزمني لظهورها، في ظل التطورات العميقة التي يشهدها الوضع في الصومال في الوقت الراهن، خصوصًا بعد نجاح المعارضة ممثلة في حركة شباب المجاهدين الصوماليين في الاستيلاء على أحياء من العاصمة الصومالية ومدنٍ رئيسيةٍ مثل جوهر وماهداي.

 

أولاً: الطرق الصوفية

 الصورة غير متاحة

حضرة صوفية صومالية

   تعتبر الطرق الصوفية في الصومال أقدم الحركات الإسلامية ظهورًا، ولعبت دورًا مهمًّا في مجال نشر الإسلام في المنطقة، وأسهمت في إنشاء عدة مراكز إسلاميةٍ، عنيت بتدريس أصول الدين للمسلمين، ولها اليوم مكانة مرموقة عند الصوماليين، ومن أهم تلك الطرق:

1- الطريقة القادرية:

تنسَب هذه الحركة إلى مؤسسها الشيخ عبد القادر الجيلاني المولود في العام 1026م/ 417 هـ، ودخل ببغداد، وله من العمر ثماني عشرة سنة، وتوفي في العام 1122م/ 561هـ، ودفن ببغداد، ولا يزال ضريحه حاليًّا مكان قصدٍ وتجمعٍ وزيارة من سائر الأقطار.

 

وأسَّس طريقته في العام 1077م، وهي أقدم الطرق الصوفية التي دخلت الصومال، بفضل اليمنيين والحضارمة الذين استقروا في المدن الساحلية في الصومال، وخصوصًا في مدينة زيلع الواقعة شمال الصومال، التي انتقلوا منها إلى العاصمة الصومالية مقديشو، ثم مدينتي ماركا وبراوة في إقليم شبيلي السفلي جنوب البلاد.

 

وبعد دخول الطرق الصوفية إلى الصومال، وفي العام 1819م، أسس الشيخ إبراهيم حسن يرو مركزًا للطريقة القادرية في مدينة برديرة في إقليم جدو، ثم نشر طريقته في باقي أنحاء البلاد.

 

2- الطريقة الأحمدية:

وأسسها السيد أحمد بن إدريس الفاسي (1760- 1837م)، في مدينة عسيس، وقد أدخلها إلى شرق إفريقيا كلها الشيخ على مية درجيا الصومالي، وقد التف حوله عدد كبير من المريدين، وخصوصًا سكان وادي شبيلي الأوسط، وتوفي في عام 1917م.

 

3- الطريقة الصالحية:

تُعتَبر بدورها رائدة في نشر الإسلام في هذه البلاد، الصومال، وتنتسب هذه الحركة إلى مهندسها محمد بن صالح المتوفى في العام 1513م/ 919هـ، وهي فرع من الأحمدية، وعمل على نشرها، وبعد وفاته لم تقف عجلة الحركة دورانها، بل نشرت الدعوة في البلاد، وكان قائدها من خلفه الشيخ محمد الذي أسس مركزًا للطريقة الصالحية في منطقة شدلي القريبة من بلدتَيْ جوهر وبلعد على نهر شبيلي، وكان من أهم أتباع هذه الطريقة السيد محمد عبد الله حسن الذي قاد المقاومة ضد الاستعمار البريطاني في شمال الصومال.

 

ومن أهم الطرق الصوفية الأخرى في الصومال: الرفاعية والختمية والدندرية، ولكن عدد أتباعها قليلٌ، مقارنة مع أتباع الطرق الصوفية الأخرى.

 

ويرى المراقبون أنَّ الطرق الصوفية بدأت في استعادة مكانتها على المسرح السياسي والاجتماعي الصومالي مرةً أخرى، وتسعى في سبيل إعادة حصتها الغائبة منذ سقوط نظام سياد بري عام 1991م.

 

ثانيًا: أهل السنة والجماعة

 الصورة غير متاحة

 مجموعة من حركة شباب المجاهدين

   تنظيم مسلح يعتبر واجهة من واجهات الطرق الصوفية، وبرز ردًّا على أنشطة حركة شباب المجاهدين ضد الأضرحة والقباب الصوفية في المدن الصومالية في جنوب البلاد، مثل ميناء قسمايو والقرى المجاورة له.

 

وفي أواخر العام الماضي 2008م دخل تنظيم أهل السنة والجماعة معارك طاحنة، أسفرت عن مقتل العشرات، وانتهت باستيلاء مجموعة "أهل السنة" على الأقاليم والمدن التي جرت حولها المواجهات، ومن بينها إقليم جلجدود، وبعض المدن الرئيسية في إقليم مدق الواقعان، وسط وشمال العاصمة مقديشو.

 

ووجد هذا الفصيل الجديد دعمًا من بعض القوى المعادية للفصائل الإسلامية المسلحة الأخرى، مثل زعماء حرب سابقين وشيوخ عشائر، ولكن لا يزال تأثيره محدودًا لعدم التنظيم، ولم يكن له نشاط مسلح ضد الاحتلال الإثيوبي السابق في البلاد.

 

وهناك تحليلات كثيرة أشارت إلى أنَّ إثيوبيا تولَّت تدريب وتسليح الفصيل الجديد؛ لاستخدامه كرأس حربة لكسر شوكة الإسلاميين المعارضين لها، وعزز من تلك التكهنات تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي بأن حكومته تساعد القبائل التي تحارب من وصفهم بالإرهابيين (الشباب)، وذكر أن قبائل احتضنت تلك المجموعات في أول أمرها، وهي الآن التي تقود الحملة ضدهم، وكذلك تصريحات العديد من أمراء الحرب، مثل بري هيرالي حاكم كيسمايو السابق الذي طردته حركة الشباب حين قدَّم نفسه لوسائل الإعلام بأنه يحارب تحت راية أهل السنة والجماعة.

 

ولهذا السبب- فيما يبدو- ظهر متحدثون عديدون لـ"أهل السنة" (الطرق الصوفية) بين من يتبنى المعارك ضد "الشباب"، وبين نافٍ لها يرى أن "أهل السنة" (الصوفية) ليست طرفًا فيما يجري.

 

وفي عدة تصريحات لمتحدثين في وسائل الإعلام للطرق الصوفية تم استخدام مصطلح "الخوارج الجدد"، أو "خوارج العصر"، ومن جانبها حرصت حركة الشباب على نفي دخولهم معارك مع الطرق الصوفية، ووصفوا المجموعة الجديدة بـ"عملاء إثيوبيا".

 

وقد أعاد بعض المراقبين المعارك التي شهدتها محافظة جالجدود وسط الصومال إلى رغبة العشائر المحلية في التخلص من سطوة الحركة المتهمة بممارسة التصفيات الجسدية لمعارضيها، ومحاولة فرض رؤيتها المتشددة على الجميع، ومحاربتها تحت راية دينية، في ظل الاستحقاقات القادمة من انسحاب إيثوبي، وتقسيم السلطة بين الحكومة وتحالف التحرير.

 

ثالثًا: الاتحاد الإسلامي

يعود تاريخ ظهور الاتحاد الإسلامي كحركةٍ منظمةٍ إلى العام 1973م، إبَّان الحكم العسكري لمحمد سياد بري، ومهندس فكرة تأسيسه هو عبد العزيز فارح، الذي كان لا يزال خريجًا في إحدى الجامعات السودانية آنذاك، وكان العلامة الشيخ محمد معلم من أبرز علماء الاتحاد، كما كان أيضًا الأب الروحي للدعوة الإسلامية في الساحة الصومالية، التي كانت واقعةً تحت تأثيرات النظام الاشتراكي الذي كان قائمًا في البلاد، وفي بلدان عربيةٍ وإفريقيةٍ أخرى.

 

ومع مرور فترةٍ من الزمن ازدادت أعداد الشباب المنضمين تحت لواء الاتحاد الإسلامي، بعد ازدياد الوعي الديني لدى الناس، وكان من مظاهره عودة المساجد إلى الامتلاء بالشباب رويدًا رويدًا، وهو ما دعا حكومة سياد بري وقتها إلى تبني مجموعة من القرارات والإجراءات لحظر التجمع في المساجد، وعدم مخاطبة الجماهير في المساجد دون إذنٍ مسبقٍ من الحكومة الصومالية.

 

وفي الإطار نفسه بدأت الحكومة الصومالية في مقاومة الاتحاد الإسلامي مع تنامي وجوده؛ حيث رأت فيه الحكومة مكمن خطر على مصالحها، لدرجة أنَّها أعدمت عشرة من العلماء الصوماليين في العام 1975م، بعد رفضهم قانونًا يقضي بالمساواة بين الرجال والنساء في الإرث، وفي الحقوق العامة، كما أودعت الحكومة في سجونها عشرات من العلماء الصوماليين.

 

وبعد سقوط نظام سياد بري عام 1991م، بدأ الاتحاد يعيد تنظيم صفوفه، وحمل السلاح ليرفع راية الجهاد ضد أمراء الحرب وغيرهم، وتمكن الاتحاد من السيطرة على الأقاليم الحدودية الواقعة في جنوب الصومال، وأسس إماراتٍ إسلاميةٍ في المناطق التي استولى عليها.

 

وفي العام 1996م، دخل الاتحاد معارك كبيرة مع القوات الإثيوبية التي كانت تتوغل بين حينٍ وآخر في الأقاليم الجنوبية من الصومال، وكبدها خسائر هائلة في الأرواح والمعدات، وقد أفلح الاتحاد في مواجهة هذا العدو التقليدي والتاريخي الذي يستغل الفرقة، والفوضى العارمة التي ضربت البلاد؛ للتدخل في شئونها.

 

ونتيجة لدوره اكتسب الاتحاد الإسلامي شعبيةً، إلا أنَّه اكتسب أيضًا عداوات في الداخل والخارج؛ حيث اعتبرته الولايات المتحدة من المنظمات الإرهابية، لكن الاتحاد تجاهل كل التهم الموجهة له، وعمل على توسيع دائرة نفوذه؛ حتى أسس إمارة جدو الإسلامية ورأس كمبوني، جنوب الصومال، وانضم الاتحاد إلى صفوف المحاكم الإسلامية في بداية العام 2006م؛ حيث شارك في اكتساح أمراء الحرب، وتثبيت أركان المحاكم في الحكم، حتى أطاحت بها قوات الاحتلال الإثيوبي في العام 2007م.

 

رابعًا: حركة الإصلاح في القرن الإفريقي

 الصورة غير متاحة

د. علي باشا عمر رئيس حركة الإصلاح

   حركة الإصلاح هي حركة إسلامية وطنية تهدف إلى إصلاح المجتمع الصومالي من جميع الجوانب الحياة المختلفة، وهي فرعٌ من حركة الإخوان المسلمين، وتأسست في 11 يوليو عام 1978م، على يد عددٍ من دعاة الإخوان، ومن أبرزهم عبد الغني أحمد آدم- توفي بالكويت في 17 أغسطس 2007م، وكان عضوًا في الموسوعة الفقهية الكويتية-، والدكتور علي شيخ، وتسعى الحركة إلى الارتقاء بالمجتمع ماديًّا ومعنويًّا؛ وذلك فتحت الحركة العديد من المراكز التعليمية في مختلف أنحاء البلاد، وقامت بتأسيس جامعة مقديشو، أكبر جامعات البلاد.

 

وتتجنب الحركة أنْ تشارك رسميًّا في الأعمال المسلحة، وتسعى إلى إيجاد عالمٍ يسود فيه السلام والعدالة الاجتماعية والحرية، وقيم التسامح والاحترام.

 

وتميزت نشاطات الحركة بالاهتمام بالمشاريع الاجتماعية الخدمية، والمشاركة الفردية في الأنظمة السياسية القائمة، كما التزمت السرية والعمل الهادئ، وتجنب مواجهة المجتمع، وليس من منهج الحركة السعي إلى التغيير بالعنف أو بواسطة الانقلابات والثورات، ولكن التغيير المنشود هو الذي يأتي بالتدرج في النضج، وعلى أساس نهج الإصلاح التراكمي المبني على الوسطية.

 

كما تسعى الحركة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في الدولة، وأن تكون أساس التشريعات المختلفة، كمطلبٍ جماهيريٍّ.

 

خامسًا: المحاكم الإسلامية

 الصورة غير متاحة

قوات تابعة للمحاكم الإسلامية

   نشأت المحاكم كإفرازٍ طبيعيٍّ لأوضاع الفوضى التي سادت الصومال بعد الإطاحة بنظام سياد بري في العام 1991م؛ حيث اهتمت الجماعات الإسلامية بحماية أمن المواطنين وممتلكاتهم، وحراسة المنشآت العامة، ثم اتخذت بعد ذلك شكلاً مؤسسيًّا مُنظَّمًا، وكانت المحاكم الإسلامية إحدى أبرز هذه التنظيمات، والتي نشطت عقب رحيل القوات الأمريكية والقوات الغربية الأخرى من جميع أنحاء الصومال في العام 1995م.

 

وكانت في البداية عبارة عن سلسلةٍ من اللجان الخدمية والمحاكم الشرعية، التي هدفت إلى حفظ الأمن، والفصل بين المتخاصمين عبر الاحتكام إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، بالتعاون مع شيوخ القبائل، ولم تكن تنظيمًا حركيًّا بالمعنى التقليدي، بل ضمت داخل صفوفها أغلب القوى والفعاليات الدينية في الصومال من سلفية، وصوفية، وإخوان، وجهاديين.

 

وكان لكل قبيلة محكمة خاصة تنظم شئونها، وانتشرت في ربوع أرض الصومال، وخاصة مقديشو التي يسكنها أكثر من 3 ملايين نسمة، وفيها أكثر من عشرة محاكم تابعة للقبيلة التي تسكن حي المحكمة، وكانت هذه المحاكم تحل بعض المشاكل الاجتماعية والأسرية المتعلقة بالسرقة وقطاع الطرق والزواج والطلاق، وكان ذلك مطلبًا شعبيًّا، وخصوصًا في جنوب الصومال.

 

ومع مرور فترة من الزمن انتشرت المحاكم الإسلامية في البلاد، وبدأت تسيطر على المناطق الجنوبية واحدة تلو الآخر، إلى أنْ سقطت العاصمة مقديشو في أيديها في العام 2006م، فأصبحت المحاكم قوةً سياسيةً في القرن الإفريقي، ودعم من موقفها تخلصها من أمراء الحرب الذين استجابوا المطالب الأمريكية بعد 11 سبتمبر، وتعاونوا مع الأمريكيين في ضرب الجماعات الإسلامية.

 

واستطاعت المحاكم الإسلامية ملء الفراغ الأمني الذي كانت تشهده العاصمة الصومالية، ولاح في الصومال عصرًا من الاستقرار لم تعرفه منذ العام 1991م.

 

وتحوَّل نظام المحاكم إلى نظام حكومةٍ إسلامية، وكان مجلس المحاكم يتشكل من عددٍ من المجموعات التي تجمعت لمقاتلة أمراء الحرب، ومن أبرز هذه المجموعات: شباب المجاهدين وحركة إقليم شبيلي السفلي، وهيئة العلماء، ومعسكر رأس كمبوني، وإدارة دينيلي، وحزب الإنقاذ، ومجموعة الوحدة، ومجموعة الجبتين، ومجموعة شركة بنادر، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجموعة بلعد، وأخيرًا إدارة عيل جرس.

 

وانتخب مجلس المحاكم الإسلامية مجلسًا للشورى، وانبثقت منه لجنتان، وهما: اللجنة التنفيذية بزعامة الشيخ شريف، واللجنة الدائمة برئاسة الشيخ حسن ضاهر أويس.

 

ولم تكتفِ المحاكم الإسلامية أواخر عام 2006م بالمناطق التي كانت خاضعة لها، وأصبحت تطمح في أنْ تسيطر على الصومال بأكمله، وخاصةً مدينة بيداوا التي كانت تعتبر مكانًا لتوغلات الجيش الإثيوبي، وكانت مركزًا للحكومة الصومالية الانتقالية إبَّان حكم الرئيس السابق عبد الله يوسف.

 

وعلى الرغم من استضافة الخرطوم لمبادرة سلام بين الحكومة والمحاكم الإسلامية، إلا أنَّ كل جولات الحوار انتهت بالفشل، لرفض المحاكم فكرة تقاسم السلطة في البلاد.

 

وأخيرًا أمهلت المحاكم القوات الإثيوبية التي تتمركز في مدينة بيداوا، والتي كانت تدعم الحكومة الفيدرالية، أسبوعًا للانسحاب من الصومال، ثم دخلت القوات الإثيوبيَّة الصُّومال أواخر عام 2006م؛ لدعم الحكومة الانتقاليَّة في مواجهة مقاتلي "اتحاد المحاكم الإسلامية"، ونجحت تلك القوات مع القوات الحكوميَّة في هزيمة قوات المحاكم، التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من وسط البلد وجنوبه.

 

وكانت القشة التي قصمت طهر البعير عندما هاجمت المحاكم مراكز للحكومة الفيدرالية في إقليم باكول، وكانت قوات الحكومة على أهبة استعدادات لملاقاة مقاتلي المحاكم، فاجتاحت القوات الحكومية الفيدرالية المدعومة بالقوات الإثيوبية الأقاليم الجنوبية في الصومال، حتى وصلت قوات الاحتلال الإثيوبية صباح يوم 28/12/2006م إلى رأس الصومال لأول مرة في تاريخها القديم والحديث.

 

وفي مطلع عام 2008م استعادت المحاكم الإسلامية عافيتها مرةًَ أخرى، وشنَّت هجماتٍ متتاليةً على الحكومة والقوات الإثيوبية، حتى اضطرت القوات الإثيوبية للانسحاب من الصومال في مطلع عام 2009م، بعد اتفاق جيبوتي الذي جاء بشيخ شريف شيخ أحمد للحكم في الصومال.

 

وأبرز قيادات المحاكم حاليًّا عبد الرحيم عيسى عدو الناطق الرسمي للحركة، ووزير الداخلية في حكومة شيخ شريف، الشيخ عبد القادر علي عمر.

 

سادسًا: جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة

تعتبر واحدةً من أكبر الجماعات الدعوية في الصومال، وشهدت عدة تحولات في تسميتها، وفي شكلها التنظيمي، وقد جاءت بعد حدوث اندماجات وضم فصائل أخرى منذ العام 1982م؛ حيث تأسس الاتحاد الإسلامي إثر اتحاد جماعتين إسلاميتَيْن كانتا امتدادًا للدعوة السلفية في الصومال، وهما: الجماعة الإسلامية في الجنوب، والوحدة في الشمال، بحسب دراسة أعدها الباحث الصومالي محمد عمر.

 

ثم عُرفت بعد ذلك باسم "جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة" عام 1996 إثر اندماج ثنائي بين الاتحاد الإسلامي والتجمع الإسلامي في الشمال، الوحدة سابقًا، مع تعليق النشاط المسلح، ثم باسم "جماعة الوفاق الإسلامية"، وهو ائتلاف ثلاثي يضم: الاعتصام، والتجمع الإسلامي (آل الشيخ)، ومجموعة من المستقلين في 27 مايو 2008م، ولكن فيما يبدو أن الائتلاف تلاشى قبل أن يرى النور فلم يسمع له ذكر منذ تأسيسه.

 

والاعتصام جماعة سلفية تقول إنها تفهم الإسلام فهما شموليًّا مقيدًا بفهم السلف الصالح في العقيدة والدعوة والسلوك ومنهج النظر والاستدلال، ومن أبرز معالم دعوتها- استنادًا إلى مصادر الحركة- اهتمامها البارز بأمور العقيدة والاتباع والتأصيل للمسائل السياسية، ونشر العلم الشرعي، والسعي لتحقيق الوحدة بين العاملين في حقل الدعوة في الصومال، وتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد.

 

سابعًا: حركة شباب المجاهدين

 الصورة غير متاحة

عناصر مسلحة تابعة لشباب المجاهدين

   هي الفصيل الأبرز في الوقت الرَّاهن على السَّاحة، وتسيطر على مساحاتٍ واسعةٍ من الصُّومال، ومن ضمنها مدنٍ رئيسيَّةٍ، ومن بينها بيداوا، مقر البرلمان الصُّومالي المؤقَّت، وموانئ إستراتيجيَّة مثل كيسمايو وماركا، وتمثل برفضها لاتفاق جيبوتي ورفضها لانتخاب شريف رئيسًا للبلاد التَّحدي الأكبر له.

 

وتعود أصول تنظيم "حركة شباب المجاهدين الصوماليين" إلى تنظيمٍ آخرٍ أُمٍّ؛ كان اسمه "الاتحاد الإسلامي"، وبحسب الخبير الصومالي في شئون القرن الإفريقي علي حِلِّني، فإن الاتحاد كان هو التنظيم الإسلامي الوحيد الذي كان له جناح عسكري يقاتل على الأرض بعد انهيار الحكم المركزي في الصومال واندلاع الحرب الأهلية بعد الإطاحةِ بنظام الرئيس الصومالي محمد سياد بري في العام 1991م.

 

ودخل هذا التَّنظيم في حربٍ مع عددٍ من أمراء الحرب الصوماليِّين، ثم تحوَّل اسم التنظيم إلى "جماعة الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة" بعد اندماجها مع تنظيمات إسلامية صومالية أخرى في العام 1996م.

 

وعندما قررت جماعة الاعتصام إلقاء السلاح من تلقاء نفسها والدخول في العمل الدعوي وتفكيك المعسكرات، في العام 2006م، وقامت بتسريح مقاتليها، فإنَّ مجموعةً كبيرةً من مقاتلي الحركة رفضوا ذلك، وكونوا تنظيمًا خاصًّا بهم تحت اسم "الشباب المجاهدين"، وتم فصلهم من جماعة الاعتصام.

 

وبعد إنشاء اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال كان تنظيم الشباب جزءًا رئيسيًّا منه، إلا أنَّه احتفظ بأطره التنظيمية، واختلف مع المحاكم الإسلامية بعد إنشاء "التحالف من أجل تحرير الصومال" في العاصمة الإريترية أسمرا، بقيادة الشيخ شريف شيخ أحمد في سبتمبر عام 2007م.

 

واعتبرت حركة "شباب المجاهدين" هذه الخطوة "غير متوافقة" مع مبادئهم، ورفضوا ما أسموه الانضمام إلى "رايةٍ غير إسلامية".

 

وردًّا على قيام وزارة الخارجية الأمريكية بإدراج "الشباب" في قائمة ما يُعرف باسم "المنظمات الإرهابية الأجنبية" في 28 فبراير 2008م، بتهمة الارتباط بتنظيم القاعدة، أعلن قادة التنظيم أنَّه ليست بينه وبين تنظيم القاعدة صلات تنظيمية، لكن أدبيات حركة شباب المجاهدين تُشابه أدبيات تنظيم القاعدة، وكذلك فإن المتحدث باسم التنظيم الشيخ مختار روبو اعتبر أنَّ القاعدة هم "إخوتنا في الجهاد"، بيد أنَّه لم يؤكد وجود علاقةٍ تنظيميَّةٍ بين الطرفَيْن.

 

وتقاتل عناصر عربية وإسلامية في صفوف حركة شباب المجاهدين، من مصر ولبنان والسعودية وباكستان، واستدل الخبراء على ذلك من تصريحاتٍ للشيخ ربو قال فيها أكثر من مرة إنهم "يفتخرون بانضمام مجاهدين مهاجرين" إلى صفوف الحركة، وقد تمَّ رصد استشهاد بعض المقاتلين الأجانب في معارك بين مقاتلي الشباب والقوات الإثيوبية التي تحتل البلاد.

 

وكما سبق القول، كانت حركة الشباب من المجالس التي تشكل منها مجلس المحاكم الإسلامية في الصومال، وقد كانت الحركة توصف في البداية على أنَّها الجناح العسكري للمحاكم، وتحديد في فترة بروز المحاكم في العاصمة مقديشو.

 

وقد فرضت الحركة آنذاك على مالكي المحلات السينمائية التي انتشرت في العاصمة بإغلاق أبوابها، وحظرت تعاطي القات.

 

يعتبر آدم حاشي عيرو المكني بـ"أبو محسن الأنصاري" الأب الروحي للحركة، وهو أول رئيس لها، وكان آدم من مدربي مقاتلي المحاكم الإسلامية.

 

واتهمت الولايات المتحدة الأنصاري بالضلوع في تفجير السفارتَيْن الأمريكيتَيْن في دار السلام ونيروبي في العام 1998م، وأصبح من المطلوبين أمريكيًّا، وفي مطلع من مايو العام 2008م، قُتِلَ الأنصاري في قصفٍ جويٍّ أمريكيٍّ على مدينة طوسمريب الواقعة وسط الصومال، على بعد 500 كيلومترًا إلى الشمال من مقديشو، وكان برفقته الشيخ محيي الدين محمد، الذي كان وزيرًا للصحة في حكومة المحاكم إبان سيطرتها على جنوب الصومال.

 

ويعتبر الناطق باسم الحركة مختار علي ربو، والمكني بـ"أبو منصور"، من الشخصيات القيادية حاليًّا في الشباب، ويُعتَقَد أنَّه تلقَّى تدريباتٍ عسكريةٍ في مراكزٍ تابعةٍ لتنظيم القاعدة في أفغانستان، ومن أبرز قادة الحركة أيضًا عبد أحمد جوداني وإبراهيم جامع، وهما ينتميا للمناطق الشمالية من الصومال، والذي يتمتع بشبه حكمٍ ذاتيٍّ مند سقوط نظام سياد بري في العام 1991م.

 

ثامنًا: الحزب الإسلامي

 الصورة غير متاحة

شيخ شريف شيخ أحمد

   في مطلع العام الحالي أعلنت أربع جبهاتٍ إسلاميةٍ صوماليةٍ تأسيسها تحالفًا جديدًا معارضًا لحكومة شيخ شريف، وأطلقت عليه اسم "الحزب الإسلامي"، ووقتها قال الشيخ حسن مهدي، مسئول جناح أسمرة من المحاكم الإسلامية في الداخل الصومالي، في مؤتمر صحفي في العاصمة مقديشو: "إنَّ الهدف من وراء هذا الحزب هو توحيد أعمال المقاومة لمحاربة الكفار في البلاد"، في إشارة إلى قوات حفظ السلام الإفريقية (أميصوم) الموجودة في البلاد.

 

يبلغ قوام قوة حفظ السَّلام الإفريقية الموجودة في الصومال3200 عنصر، وتتكون من قوات من أوغندا وبوروندي، ويخطط الاتِّحاد الإفريقي للوصول بهذا العدد إلى 8 آلاف عنصر.

 

وترى فصائل المعارضة الصُّوماليَّة المُسلَّحة أنَّ الوجود العسكريِّ الإفريقيِّ في الصُّومال إنَّما هو وجود احتلاليُّ، ويعتبر امتدادا للاحتلال الإثيوبيِّ للصُّومال، والذي أنهى وجوده العسكري في البلاد في 25 يناير الماضي.

 

والتَّحالُف الجديد اختار الدُّكتور عمر إيمان أبو بكر، أحد قيادات جناح أسمرة في المحاكم الإسلاميَّة، رئيسًا لهذا الحزب، في حين اختاروا الشَّيخ حسن تركي رئيس معسكر رأس كامبوني، وهو فصيل صومالي مسلح معارض للعملية السِّياسيَّة، نائبًا له.

 

والجبهات المتحالفة المنضوية تحت لواء الحزب الجديد هي: المحاكم الإسلاميَّة- جناح أسمرة، ويرأسه الشَّيخ ضاهر عويس، والجبهة الإسلاميَّة، ومعسكر رأس كامبوني بقيادة حسن تركي، ومعسكر عانولي، وهو فصيلٌ مسلَّحٌ صغيرٌ ينشط في مناطق وسط وجنوب البلاد، بالإضافة إلى معسكر خالد بن الوليد.

 

أما الجبهة الإسلامية الصومالية، فهي إحدى فصائل المقاومة الإسلامية الرئيسية، وبرزت كذراعٍ عسكريةٍ لجماعة الاعتصام السلفية في العام 2008م، وانشقت عن قوات المحاكم الإسلامية، وشدّدت منذ بيانها الأول على تبني الخط الجهادي "كطريقٍ وحيد لطرد المحتل ومن والاه"، كذلك العمل على إقامة دولة إسلامية، وتنفي الجبهة ارتباطها بأي جهة خارجية، على عكس حركة الشباب.

 

وخلال العام الماضي تردد اسم الجبهة على وسائل الإعلام المحلية، وفي تقارير عالمية، وقد تبنت العديد من العمليات، وفيها عمليات تفجير وهجمات، ونصب كمائن والاستيلاء على مدن، وأوضح قادة الجبهة في مناسبات عديدة أنها لا تستهدف الصوماليين في جهادها، وفي 2 فبراير 2009 أصبحت الجبهة الإسلامية عضوًا في الحزب الإسلامي.

 

وقد التقى الدكتور عمر إيمان عددًا من العسكريين الإسلاميين ليتشاور في تأسيس هذا الحزب، فبدأ سيره من مدينة طوبلي، مرورًا بالأقاليم الجنوبية، حتى وصل إلى مقديشو، وبعد وصوله العاصمة أعلن تأسيس الحزب الإسلامي في 13 يناير 2009م، وأعلن حربًا على القوات الإفريقية كما قال مهدي.

 

تاسعًا: التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال

 الصورة غير متاحة

شريف حسن شيخ آدم

   أسس في العاصمة الإريترية في سبتمبر من العام 2007م، بإشرافٍ مباشرٍ من الحكومة الإريترية، لتوحيد قوى المقاومة الصومالية، وإيجاد قنوات اتصال مع العالم، وتألف من المحاكم الإسلامية، وأعضاء منشقين من برلمان الحكومة الانتقالية الصومالية بقيادة رئيس البرلمان الصومالي شريف حسن شيخ آدم، وممثلين للجاليات الصومالية في المهجر، وأعضاء من المجتمع المدني، وانتخب شيخ شريف أحمد رئيسًا تنفيذيًّا للتحالف، وشريف حسن آدم رئيسًا للجنته المركزية.

 

وانشق التحالف بعد بدء المفاوضات مع الحكومة الانتقالية الصومالية بوساطةٍ أممية في جيبوتي في شهر مايو 2008م، وأعلن حسن ضاهر أويس، العضو في التحالف، ورئيس شورى المحاكم، رفضه لنتائج المفاوضات، وانقسم التحالف إلى جناحَيْن، جناح جيبوتي بقيادة شريف، وجناح أسمرا بقيادة أويس.

 

عاشرًا: رابطة العلماء الصوماليين

تنظيم يضم عدد من العلماء البارزين في البلاد، ويستهدف توحيد جهود التنظيمات والمؤسسات الإسلامية بصرف النظر عن توجهاتها، ويشرف التنظيم على عددٍ كبيرٍ من المساجد والمدارس الإسلامية، ويُصدر فتاوى فيما يعرض عليه من الأمور المختلفة، ويرتبط بهذا التنظيم الحزب الإسلامي الصومالي؛ حيث يخضع التنظيمان لرئاسة واحدة.

 

رابطة العلماء تعد مظلة تجمع أطياف من العلماء الكبار بشتى توجهاتهم، وفيهم معتدلون من الصوفية، مثل الشيخ شريف شيخ محيي الدين علي، والشيخ حسن عدي وغيرهما، وقد تأسست الرابطة في العاصمة مقديشو عام 2002م، وقامت ببعض الأعمال الخيرية في حينها، لكنها تلاشت بعد ظهور المحاكم الإسلامية، إلا أنَّها عاودت الظهور وفي الآونة الأخيرة، وتمخضت عنها لجنة المصالحة بين الفصائل الإسلامية، والتي سعت للتوعية حول مسائل الجهاد وتقريب وجهات النظر بين الفصائل، ويرأسها الشيخ بشير أحمد صلاد، ومن أعضائها الشيخ نور بارود، والشيخ أحمد طعسو.