عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "قلت يا رسول الله: أفتنا في بيت المقدس!"، قال: "أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره"، قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه؟ قال: "فتهدي له زيتًا يسرج فيه، فمن فعل فهو كمن أتاه" (رواه أحمد وأبو داود).
إن الاهتمام البالغ الذي حظيت به مدينة القدس بشكل خاص وفلسطين بشكل عام؛ قد ظهر في كثير من أقوال وإيماءات نبي الإسلام صلوات ربي وسلامه عليه، لدرجة أنك تحس أن هذه البقعة الطاهرة لها من المنزلة العظيمة والمكانة الرفيعة ما لا ينافسها فيها مكانٌ آخر من قِبَلْ الله عز وجل وفي قلب صاحب الإسراء والمعراج.
ولعل المقاربة والاقتران القرآني السرمدي بين الأقصى رمز بيت المقدس الخالد والبيت الحرام المبارك في بداية سورة هي من أعظم سور القرآن لهو من الدلالات والإيحاءات التي لا يغفل عنها إلا تائه ولا ينكرها إلا مُضِلٌ هالكٌ، فالتآخي المرصود في الآيات جعل المكانين متقاربي المكانة عند صحيح الإيمان، وجعل مآل ميراث الأرضين المباركتين للمسلمين وأهل الإيمان، سواء أرادوا ذلك أم رغبوا عنه، وجعل الحفاظ عليهما أغلى من الأرواح والمهج والدماء، والذود عنهما يكون بالولد والزوج والأقارب والكون كله، ومن قبل ذلك وذاك بالنفس ذاتها، وهذه الأهمية هي ذاتها المحسوسة في ثنايا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: "لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" (رواه البخاري ومسلم).
ولعل الآيات لها من الإيماءات التي تجعل الأحاسيس تسبح في خيال المكانة المرموقة لبيت المقدس والمسجد الأقصى؛ عندما يرتضي رب العزة أن يجعلهما منبر الإعلان لإمامة وقيادة محمد صلى الله عليه وسلم للأمم وأنبيائها قاطبةً، وكذلك أن يجعلهما بوابة الأرض عند العروج إلى السموات العُلَىْ لمقابلة رب الأرباب وملك الملوك، وتلاوة القرآن الدائمة تجعل الأقصى دائم الحياة في القلوب الحية بالإيمان والتقوى، ولعل الأحاديث النبوية المتعددة والمتواترة حول الأقصى ومكانته تؤكد هذا المعنى وتُعْلِي من هذه المكانة.
ويمثل الأقصى جزءًا مهمًّا من التركيبة العقدية والعقائدية عند المسلم الذي رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا ورسولاً، وإن خلاف ذلك هو من دلالات الضعف العقائدي والخلل العقدي لدى صاحبها، وهذا هو الفارق البين الواضح بين أهل الحكم والظلم والطغيان من جهة والشعوب المقهورة والمظلومة من جهة أخرى، في عصر ماجت وهاجت فيه كلاب البشر وصعاليكهم؛ حتى أصبح لهم من الوزن الملموس والمظهر الملحوظ والذي هو في ميزان الإسلام كالهباء المنثور.
ومن العجب العجاب أن تكون فلسطين هي معيار الإيمان ومؤشره في الأرض وعلى مر العصور والأزمنة، فما كان للمؤمنين أتباع الدين السماوي من قوة إيمان وعقيدة إلا وظهرت آثارها وسماتها على هيئة سيطرة، وتمكين في الأرض المباركة من رب الأرض السماء، وما كان لهم من الضعف الديني والبعد الإيماني إلا وقد تغلب على أمرهم مجاهيل البشر وسفهاؤهم، وانتزعوا من أيديهم أرض البركة والطهارة، وحتى في عهد الإسلام ومهده كانت حادثة الإسراء والمعراج المرتبطة ببيت المقدس وأقصاه الكريم وسيلة التمحيص الرئيسة بين فئات المجتمع آنذاك والمتمثلة في أهل الإيمان القوي والتقوى المنجية وأهل الخوار والضعف الإيماني المضل وأهل الكفر والجحود المهلك.
ودلالات الإيمان ومظاهره تسكن في ربوع الشام والأقصى، وهذا هو ما أشار إليه صاحب الرسالة الخاتمة حين قال: "عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله، يسكنها خيرته من خلقه، فمن أبى فليحلق بيمنه، وليسق من غدره، فإن الله تكفل لي بالشام وأهله" (صحيح الجامع الصغير للألباني)، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" (صححه الألباني)، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام" (رواه أحمد).
وهذا كله من ثبوتيات الإيمان وموقعه بالنسبة للشام وفلسطين بشكل مطلق وشامل، وقد يكون هذا هو الذي جعل الوصية النبوية لأهل الإيمان بأن يكون بيت المقدس هو مسكنهم وملاذهم إن استطاعوا ذلك، فعن ذي الأصابع رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: "إن ابتلينا بعدك بالبقاء أين تأمرنا؟ قال: "عليك ببيت المقدس، فلعله ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذاك المسجد ويروحون" (رواه أحمد)، وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أبا ذر كيف تصنع إن أخرجت من المدينة؟ قال: قلت إلى السعة والدعة، أنطلق حتى أكون من حمام مكة، قال: كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ قال: قلت إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة، قال: وكيف تصنع إن أخرجت من الشام؟ قال: قلت والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي" (رواه أحمد).
إن هذه التوكيدات الربانية والنبوية حول الأقصى وما حوله من البركات جعلت استرداده والعمل على ذلك من الفروض والواجبات التي يعاقَب عليها المتقاعس والمثبط والكسول عنها، وجعلت الواجب الشرعي المُلْزِمْ لأهل فلسطين وما حولها بل وكل المسلمين هو تطهير هذه المقدسات من براثن الكفر والظلم والجحود، وجعلت تركها وأهلها فريسةً سهلةً وناعمةً لأهل الطغيان من الآثام التي لا تنفع أمام رب العالمين، حين لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
إن بعثرة البيت الفلسطيني المغلَّف بالوهن العربي والإسلامي الرسمي قد أغرى أحفاد القردة والخنازير على أنْ يتجرءوا على عمليات التدنيس المستمرة للمسجد الأقصى ومحاولات تهويد القدس ومحو هوية أهلها بشكل أكبر من ذي قبل، ولا سيما في ظل تواطؤ السلطة الفلسطينية في رام الله والحكام العرب فيما يسمى بأقاليم الطوق، وبشكل أظهر بعد اتفاق أوسلو سيِّئ الصيت، الذي أطلق يد الصهاينة لالتهام القدس وهضمها.
ولعل استمرار الحفريات أسفل المسجد الأقصى وباحاته لهدمه والقضاء عليه؛ هو من أوضح سمات ذلك، لذا وجب علينا أن نجعل كبح جماح التهويد للقدس وفلسطين هو الهدفَ الإستراتيجيَّ لكل مسلم موحد ومؤمن، وأن لا نجعل أهالي الأرض التي بارك فيها وحولها هم المتصدّين بصدورهم العارية لهذا الغول التهويدي المتوحش، دون ناصر أو معين أو مؤازرة من مسلمي الأرض قاطبة، فالقدس هي تاج القضية الفلسطينية وسقوطها أو إذلالها هو سقوط للأمة وإذلالها.
فهل من عُمَر جديد يعيد للأرض الطاهرة رونقها وشبابها؟ وهل من صلاح جديد يعيد للمسجد المغتصب حريته ومجده وعزته؟ وهل من أمة حية ينبض فيها قلبٌ ملأه الإيمان والصلاح والتقوى فتتملك أرضًا بارك فيها وحولها رب الكون والملائكة والناس أجمعين.. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).