د. إيهاب فؤاد

أمنيةٌ غالية وعزيزة على النفس، على الرغم من أنها أقرب إلى الشمس منها إلى أن تكون سهلة المنال وممكنة التحقيق، متى تبحر سفننا الراكدة على شواطئنا المهجورة؟ متى تبحر سفننا التي أكلتها المياه الراكدة، حتى ملأتها عن آخرها فأوشكت أن تغرق وأن تغرقنا معها؟!

 

متى نرى سفننا تمخر عباب البحر لتصل إلى حيث مرافئ إخواننا، تقدم العون، وتكون درعًا واقيةً لأبناء الإسلام والعروبة في كل مكان؟!

 

يؤسفني أن نرى غيرنا يمدُّ يد العون بينما تُقطع أيدينا وتُقطع أيدي كل من يمد العون أو ينويه لمناصرة إخواننا في فلسطين!!.

 

ُضرِب عليهم الحصار وما تحرك فينا ساكن!، مات المرضى وما تحرك فينا ساكن!، انقطع التيار ونقصت المؤن وما تحركنا من مقاعدنا التي تسمَّرنا عليها!، هُدِّمت الديار والصوامع والأديرة وما تحرك فينا ساكن!.

 

دوَّت صرخات الأطفال في أرجائنا وما تحرك فينا ساكن!.. تحركت الجبال الرواسي، وتمايلت وما تحرَّك فينا ساكن!.. صهلت كل الخيول أمَّا خيولنا فهي خرساء!.. بنينا ألف جدار وجدارًا، وأقمنا ألف سدٍّ وسدًّا، وشيدنا قلاعًا، وشرب إخواننا كأس الحرمان وما تحرك فينا ساكن!.. هل تنطلق سفننا إلى حيث إخواننا الذين أجهدهم الحصار؟!

 

إننا بحاجة إلى سفن يقودها ربَّانٌ حكيم، يقدم لنفسه وللتاريخ ولأمته ما يخلِّد ذكره، إننا بحاجة إلى ربَّان ينقاد إلى الله ويقودها، يكسر الحدود، ويزيل الحواجز ويقدم يد العون؛ امتثالاً لأمر الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10)، فأخوَّة الدين هي أوثق العرى، ورابطة الدين هي أوثق الروابط ولقد صوَّر الحبيب صلي الله عليه وسلم في الحديث الشريف صورة التعاون والترابط بين أبناء المجتمع المسلم بعضه البعض هذا التصوير المعجز الذي به يلتحم المجتمع المسلم والمجتمعات المسلمة، على تباعد رقعتها واتساع دائرتها؛ حيث قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا" (متفق عليه عن أبي موسى).

 

فالبنيان لا يستقيم ولا يقوم دون أن يشدَّ بعضه بعضًا، وكذلك المجتمعات لا يستقيم حالها دون أن تترابط وتتلاحم وتتراصَّ لتكون على قلب رجل واحد، وهي تلهج بالثناء على الله الذي ألهمها رشدها وألزمها كلمة التقوى، وفي صورة بديعة كان الهدي النبوي منارةً وهو يصور مبلغ تراحم المجتمع وتكامله وتعاطفه مع بعضه البعض بقوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" (رواه مسلم عن النعمان بن بشير)، ويقول: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على مَن سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومسرعهم على قاعدهم" (رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو بإسناد حسن).

 

أين نحن من تلك الدُّرَر السَّنِيَّة من هدي حبيبنا محمد؟

أين القويُّ الذي يشدُّ من أزر الضعيف؟

وأين المسرِع الذي يشدُّ من أزر القاعد؟

وأين الغنيُّ الذي يشد من أزر الفقير؟

وأين الفتيُّ الذي يشد من أزر الكاهل؟

أين نحن من دماءٍ تراق وهي تشكو إلى الله أننا ضيَّعناها وما نصرناها؟

في أي شريعة ذلك التمزق الذي لم يجلب لنا سوى الهوان!..

 

يتحرك العالم وأمتنا راقدة لا تتحرك، تنطلق السفن الأجنبية الأعجمية لتفك الحصار عن إخواننا، بينما يموتون على أبواب حواجزنا، ألف جدار وجدار، وألف نقطة تفتيش؟

أين اللُّحمة في هدينا؟

أين النصرةُ في شريعتنا؟

أين النخوةُ في أمتنا؟

كيف نستسيغ الطعام وهم لا يَطعمون؟

وكيف نتلذَّذ على الفرش وهم يفترشون الجوع ويلتحفون العناء؟!

أما حرَّك صراخُ أطفالهم قلوبنا وأطفالنا يمرحون ويلعبون؟

 

يقول الحبيب محمد صلي الله عليه وسلم: "أيَّما أهل عرصة (منطقة) أو (محلة) أصبح بينهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى".

 

إنها صورة ليتكافل المجتمع مع بعضه البعض، فلا تُتخم بطونٌ وتتضوَّر أخرى من الجوع، ولا يتخم مجتمعٌ ويبيت غيره على فقرٍ مدقعٍ وهمومٍ مقعدة.

 

وما زال يحدوني الأمل أن تبحر سفننا، وأن لا تُطْوَى الأيام قبل أن نقدم موقفًا مسئولاً تسمع به الدنيا، وما ذلك على الله بعزيز.