إذا عرفنا مشروع الإصلاح الحضاري، بأنه يهدف إلى استعادة الأمة لمرجعيتها الحضارية، لتحقيق تماسكها ووحدتها، ثم إصلاح حالها وتحقيق التقدم والنهوض وإصلاح نظامها السياسي، عندئذ نكون قد عرفنا مشروع الإصلاح الحضاري بأنه إحياء تاريخي حضاري للأمة.
وتلك العملية البنائية تتطلب العديد من المراحل، فهي تقوم على بنية اجتماعية سليمة، ينتج عنها تطوير الأمة لمختلف مجالات حياتها، حتى تصل إلى غاياتها النهائية. وهنا تبرز مشكلة إصلاح البنية الاجتماعية للأمة، باعتبار ذلك الشرط الأول لعملية الإصلاح والنهوض.
وإصلاح البنية الاجتماعية للأمة، يتطلب إدراك الأمة لهويتها وقيمها المرجعية، ثم تغير أحوال الأمة طبقًا لقيمها العليا، مما ينتج عنه نمط للحياة ملتزم بالمرجعية الحضارية للأمة. وعندما تصل الأمة وفي كل مجتمعاتها المختلفة، إلى تحقيق نمط حياتها المستمد من مرجعيتها الحضارية والدينية، تصبح الأمة مؤهلة لتحقيق النهوض على مختلف المستويات وفي مختلف المجالات، كما تصبح مؤهلة لمقاومة العدو الخارجي، والاستبداد الداخلي. بما يجعل الأمة قادرة على بناء النظام السياسي المعبر عنها والذي يحقق طموحاتها ويعبر عن مرجعيتها.
الأمة مصدر القوة
ذلك التصور يعتمد أساسًا على أن قدرات الأمة هي المصدر الأول لتحقيق النهوض، والمصدر الأساسي لإصلاح النظام السياسي، وأيضًا المصدر الأساسي لمقاومة العدوان الخارجي.
قدرات الأمة تتمثل في وعي حقيقي لدى أغلبية الناس بهويتهم، ينتج عنه تحديد واضح لملامح المستقبل الذي تنشده الأمة، ثم عزيمة وإرادة وتصميم على تحقيق تلك الغايات التي تمثل إجماع الأمة أو تحوز على اتفاق الأغلبية فيها.
إذن تتمثل بداية الإصلاح في بناء قدرات الأمة. وهنا يأتي دور الحركة الإصلاحية، بوصفها المحرك الأساسي لعملية الإصلاح، وبوصفها طليعة الأمة. وما دامت الحركة الإصلاحية الإسلامية، تحوز على تأييد واسع بين الناس، وتحوز أفكارها على تأييد أوسع وأشمل، فهذا يعني أنها تحمل بالفعل المشروع الذي سيحقق توافق الأمة. وفي كل الأحوال، فإن على الحركة الإصلاحية العمل بين الناس حتى يتبلور إجماع الأمة، وهي في هذا تتفاعل مع جماهير الأمة، وتطور مسارها لتقوم بدورها الطليعي.
عملية الهدم المنظم
وهنا تظهر العديد من العقبات، ونقصد بها العوائق التي تحول بين الحركة الإصلاحية، وبين الوصول إلى هدفها، أي إحياء الأمة وتوحيدها. وتلك العوائق متعددة، والكثير منها ينتج بسبب القوى التي ترفض المشروع الحضاري، وترفض وحدة الأمة؛ فالعدو الخارجي وكل قوى الهيمنة الخارجية، ومعها كل النخب المعادية للمشروع الحضاري الإسلامي، ومعهم كل الأنظمة الحاكمة التي ترفض الخضوع لمرجعية الأمة، يمثلون تحالفًا قويًّا ضد أي محاولة لإحياء الأمة. وهذا الأمر ينعكس على مجتمعاتنا نفسها، لدرجة تؤدي إلى عرقلة بناء البنية الاجتماعية السلمية، والتي تمثل أساسًا لعملية إحياء الأمة. وكأننا بصدد عملية هدم منظم تهدف إلى الحد من قدرة الحركات الإصلاحية الإسلامية على بناء الأسس السليمة للمجتمع التي تمهد ليقظة الأمة وتحركها نحو تحقيق الاستقلال والنهضة.
الأمة تختار هويتها
والمتابع لمسيرة عملية الإصلاح الحضاري عبر تاريخها الطويل، يلاحظ أن المجتمعات العربية والإسلامية تتحرك بالفعل نحو هويتها الحضارية، وتستعيد مرجعية الدين والحضارة في حياتها. مما يؤكد أن مشروع النهوض الحضاري الإسلامي، يمثل بالفعل القيمة المتفق عليها بين جماهير الأمة. ولكن ما يحدث من عرقلة مستمرة لهذا المشروع، يؤكد أن هناك عملية هدم منظم لكل ما يتحقق على أرض الواقع من نتائج إيجابية تقرب الأمة من حلم النهوض الحضاري. ومعنى هذا، أن القوى المعادية لمشروع النهوض الحضاري تدرك أن هذا المشروع يلقى اتفاقًا واسعًا بين أبناء الأمة، ولذا تراه خطرًا عليها، لأنه سوف ينهي سيطرتها على الأمة، وعلى نظامها السياسي، كما سينهي الاحتلال العسكري للأراضي العربية والإسلامية.
لذا يصبح من الضروري على حركة الإصلاح الإسلامي، أن تؤهل نفسها لمواجهة عملية الهدم المنظم التي تتعرض لها الأمة. حتى لا تدخل الأمة في حلقات مفرغة من البناء والهدم، تؤجل مرحلة الاستقلال والوحدة والنهوض لحد يلحق ضررًا تاريخيًّا بالأمة.
إستراتيجية المناعة الحضارية
لا يمكن أن نتصور حدوث إصلاح كامل لأحوال المجتمعات العربية والإسلامية، فما يحدث هو إصلاح تدريجي. ولكن أمام هذا الإحياء والإصلاح، نجد محاولات لإخراج جماهير الأمة من هويتها. وغالب المحاولات التي تهدف إلى إخراج الناس من هويتهم الحضارية، تتم من خلال ما يفرض عليهم من ظروف معيشية، أو ما يتعرضون له من غزو ثقافي خارجي. وهنا تبرز أهمية تكون نوع من المناعة الحضارية ضد محاولات الغزو الخارجي.
وتلك المناعة لا تتحقق إلا من خلال إدراك سليم لقيم حضارتنا وتميزها عن قيم الحضارات الأخرى؛ لدرجة تجعل غالب مجتمعاتنا يميز بين ما يميزنا وكل ما هو وافد وغريب عنا. حتى تستطيع جماهير الأمة التمييز بين ما يعبر عنا في واقعنا الراهن، وما يتعارض مع مرجعيتنا الحضارية. وهنا يجب الحذر من التشدد في غير موضعه، أو التطرف والغلو، لأن حماية الأمة وحماية هويتها، قد يدفع البعض إلى المغالاة في تعميق التمييز بين ما يعبر عن حضارتنا وما هو غريب عنا، خاصة التمييز الشكلي، لحد يجعل عملية استعادة هوية الأمة تؤدي إلى نوع من حماية الذات بالانغلاق. فالمطلوب هو معرفة تقوم على الثقة بالنفس، وقدرة على التفاعل مع الواقع المحيط، والاحتفاظ بقيمنا الحضارية التي تميزنا.
من جانب آخر، سنجد أن العديد من مظاهر الفساد أو الانحلال تضرب مجتمعاتنا، ورغم أنها تنحصر أحيانًا وتتزايد أحيانًا أخرى، إلا أن القضاء عليها يبدو صعبًا. والحقيقة أنه لا يمكن القضاء على الفساد والانحراف بصورة نهائية، كما أن في كل المجتمعات يوجد قدر من الخروج على قيم المجتمع، فلا يوجد مجتمع مثالي بالكامل، ولكن ما يحدث أن تغلل الفساد والانحلال، يحدث نتيجة الأوضاع السياسية الحاكمة والهيمنة الخارجية، وهو جزء من عملية الهدم المنظم.
وهنا نحتاج إلى استعادة المجتمع لعملية الضبط الاجتماعي، والتي تقوم على انتشار معايير محددة في المجتمع تميز بين ما هو إيجابي وما هو سلبي. حتى إذا زادت مساحة الفساد مثلاً، يظل هذا الفساد عملاً مرفوضًا وسلبيًّا، ولا يتم التكيف معه أو تبريره. نقصد من هذا، أن إدراك الشخص الذي يأتي بعمل لا يوافق قيم المجتمع، بأنه خارج عن قيم المجتمع، وأنه لا يمثل العضو الصالح في المجتمع، يعني أن انتشار المظاهر السلبية لا ينتج عنه تغير في قيم المجتمع، بل يظل المجتمع في عمومه يدين تلك المظاهر ويتمنى التخلص منها.
وكلما تحقق للأمة وعي عميق بقيمها واستطاعت التمييز بين السلبي والإيجابي حسب مرجعيتها، وأصبح غالب الأمة محصنًا ضد التشويه والغزو الخارجي، عندئذ يصبح من الممكن حصار المظاهر السلبية بحيث تظل منبوذة من غالب المجتمع، وبهذا يتم حصار عملية الهدم المنظم التي تتعرض لها مجتمعاتنا، لتظل في نطاق لا يمس وعي الأمة ولا يؤثر على إرادتها. وتتحول المظاهر السلبية إلى جزء من صورة الاستبداد السياسي الداخلي والعدوان الخارجي، أي تصبح جزءًا من توابع حالة التعدي على الأمة، وبالتالي تصبح مواجهة تلك المظاهر جزءًا من عملية إصلاح النظم السياسية الحاكمة، وجزءًا من مواجهة العدوان والهيمنة الخارجية.
فاكتساب الأمة للمناعة الحضارية، يعني قدرتها على الحفاظ على رؤية واضحة لهويتها وما يميزها، وفرز ما يناسبها وما لا يناسبها، ووضع حد فاصل يمنع تداخل الحدود بين مشروع الأمة الحضاري ومشروع الهيمنة الحضارية الغربية؛ مما يؤدي إلى تعميق قدرة جماهير الأمة على التعلم من الغرب دون اتباعه، والتعلم من تجربته السياسية دون تقليدها، وكلما ميز الناس بين قيمنا وقيم غيرنا، وعرفوا كيف يميزوا بين الأفكار المناسبة لقيمنا وتلك التي تتعارض معها، كلما استطعنا بناء تصور لمرجعيتنا الحضارية ومستقبلنا المنشود، بصورة تمنع أي محاولة لاختراق وعي الأمة.