في إطار الحملة الإعلامية الشرسة التي يتبناها ويلهب نارها كثير من كتاب الجرائد القومية، ويسير على منوالهم عدد من كتاب الصحافة المستقلة والحزبية، وكذلك بعض الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة؛  حيث تغلب على هؤلاء جميعًا خلفياتهم الفكرية وانتماءاتهم الأيديولوجية العلمانية منها واليسارية، وحيث لا همّ لهم إلا كيل التهم، وإلقاء الشبهات على كل من ينتمي إلى العمل الإسلامي الصحيح المستنير الوسطي بصلة.. سواء من يرفع رايته، أو يدعو إلى منهجه الشامل، أو يطالب بشريعته؛ لتكون واقعًا مُعاشًا في حياة المسلمين، في العبادات والأخلاق والقيم والفضائل والآداب والسلوك، وفي كل مجالات الحياة وأنشطة الناس، إذ هي المرجعية الحضارية.. التي تضبط وَقْع حركة المسلمين في كل شئونهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية.. إلخ، وذلك كله، وصولاً إلى مرضاة الله، وإلى حياة طيبة في الدنيا، ونجاة من عذاب الله في الآخرة.

 

وقد انسحب هذا الهجوم على المقاومة الباسلة والصامدة.. التي تنطلق من خلفية إسلامية لتحرير أرضها من المحتل الغاصب للديار والأوطان، سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق أو أفغانستان أو الصومال.. إلخ، وهم يقبلون هذه المقاومة إذا كانت الراية علمانية أرضية.. لأنهم يعلمون أن نفسها قصير.. وسرعان ما تنكسر شوكتها عند أول صدام أو مواجهة محتدمة.. أما إذا رفعت هذه المقاومة الراية "الإسلامية" فهذا هو الإرهاب بعينه.. كما يزعمون.. فتُوجَّه إليهم التهم الجزافية، وتُعلن عليهم الحرب من كل مكان وبمختلف الوسائل، ويتبارى الكثير في دق الطبول.. ورمي الأبرياء بالأحجار والنيران.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

ويحلو لبعض الكتاب أن يركزوا على نغمة عجيبة في هذه الأيام.. ويحاولون النيل من صف العمل الإسلامي.. ويبذرون بذور الشقاق والخلاف بين أبنائه، ويخترقون صفوفهم.. وينالون من الأخوة والوحدة التي جمعت القلوب.. وألفت النفوس ووحدت المشاعر.. وذلك بوسائل شيطانية عجيبة.. من إشاعات.. وشبهات.. ودس وخديعة.. ووعد ووعيد.. وأضاليل وأكاذيب وافتراءات وبهتان... إلخ ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: من الآية 43)، ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ (إبراهيم: من الآية 46).

 

ولا نستطيع في هذه العجالة السريعة أن نفند المزاعم الكثيرة التي يتذرع بها الخصوم المهاجمون، ولكن بحسبنا الآن أن نبرز أهم التساؤلات:

- هل في الإخوان: حمائم وصقور؟!

- وهل فيهم إصلاحيون.. ومحافظون؟!

- أو هناك حرس حديدي قديم.. وآخر جديد؟!

إلى غير ذلك من التصنيفات أو التقسيمات التي تدور في ذهن كاتبها أو قائلها.. وهي ليس لها نصيب في عالم الواقع ودنيا المحسوس.

 

ولا شك أن هذه أوهام تعبِّر عن خيال خصب.. أو آمال وأمانٍ وتمنيات تتفق مع رغبات مكبوتة عند بعض أصحابها.. وأحلام في اليقظة أو المنام تعبر عن لهفة نفسية ومشاعر داخلية.. تتمنى في قرارة نفسها أن ترى هذا الكيان الإسلامي.. تعصف به الخلافات.. ويتفرق رجاله إلى شراذم متناحرة وأحزاب متفرقة ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: من الآية 32).

 

ولا شك أن ذلك يحدث في عالم الأحزاب والهيئات والجماعات.. بالطبع في غير دائرة الإخوان؛ لأن المقاصد الدنيوية التي تجمع هؤلاء جميعًا، والأهداف القاصرة والمطامع النفعية كلها وما إليها؛ تفرق ولا تجمع.. تشتت ولا تؤلف.. ولذلك كان من السهل ضربها واختراقها وتفريق شملها.

 

أما بالنسبة للعمل الإسلامي الشامل المتكامل فإن الأمر يختلف.. فالفرد يتربَّى على الإسلام ويؤدي فرائض الله.. ويتخلق بالقرآن.. ويسعى أن تتحقق فيه هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 157).

 

فهو يقيم الإسلام على نفسه خُلقًا وعملاً وسلوكًا ودعوةً بين الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو يأخذ بكل آداب الإسلام ومحاسنه وقيمه وفضائله.. يصطبغ بها في واقعه وحياته وفي واقع المجتمع المحيط به كذلك..

 

وعلى ذلك فإن نوعية هذا الفرد تكون فريدة، فهو لا يريد من الناس على عمله وسعيه جزاءً ولا شكورًا.. ويبتغي به القبول عند الله، والإصلاح في عالم الناس.. وهو يتوازن في كل شئونه.. فلا يوغل في أمور الدنيا.. ولا ينقطع لشئون الآخرة.. إنما هو يتوازن بين هذه وتلك ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: من الآية 77).. ولذلك كان هتاف "الله غايتنا" كفيلاً- بإذن الله تعالى- أن يعصم الفرد من الزلل أو الشطط، ولا يسقط أسير الإفراط والتفريط.. أو الغلو والترخص.. فهو يحدد الوجهة.. ويعين مصدر التلقي والتوجيه.. ويركز على مرضاة الله في كل شأن من الشئون.. وهو بذلك ومع إخلاص القصد والنية.. يستحيل أن يكون أسيرًا لوساوس شياطين الإنس والجن.. فلا يستطيع أحد أن ينفذ إلى قلبه وضميره.. ويصبح العمل الإسلامي بكل مناهجه وبرامجه ورموزه ذا قيمة كبرى في نفسه ومستقرًا في وجدانه، فلا يتغير إذا تغير الناس ولا ينحرف إذا انحرف الآخرون.

 

هل الإخوان في أزمة؟!

يدَّعي الأستاذ وائل عبد الفتاح في عموده بعنوان (مفترق الطرق) في جريدة (الدستور) بتاريخ 9/5/2009م، يدَّعي أن "الإخوان في أزمة" ويبدو أن الكاتب لا يعرف الإخوان على الحقيقة ولم يعايشهم.. ولم يذق طعم وحلاوة حبهم للإسلام.. الذي يأتي من حبهم لله ورسوله والجهاد في سبيله.. وهو لا ينظر إليهم إلا بلون منظاره الفكري.. وتصوره الأيديولوجي اليساري العلماني.. وربما يكون له بذلك العذر في حكمه الخاطئ عليهم.. يعادي ما يجهل.. ويهرف بما لا يعرف كما يقولون.

 

فالدعوة ربانية.. تتخذ من منهج الإسلام غايةً لها.. وتسعى لأخذ الأمة كلها برفق ولين إلى الاصطباغ بالإسلام وتحكيم شرعه عن طواعية واختيار.. وبفهم ويقين.. فيتغير حال الناس من السلبية إلى الإيجابية، ويومها يتحول الحال إلى ما يرضى الله عز وجل ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

 

وإذا كان الأمر كذلك فكيف يشعر المسلم أنه في أزمة.. أو أنه في ضيق وشدة.. إن أمره كله له خير.. وهو يسعى لتحقيق أمر الله.. فلا يأس ولا قنوط ولا أزمة.. وهو في حالة أمن وسكينة ما دام يشعر أن خطواته متوافقة ومتوازنة مع منهجه.

 

وأخطر ما في هذا المقال وغيره ممن يدمنون الكتابة في هذا المجال بمنظور علماني يساري.. أن يتم التلميح بل التصريح أن عند الإخوان إصلاحيين ومحافظين، أو أن هناك صراعًا بين الأجيال.. مع أن هذه التفرقة خاطئة من أساسها.. ودائمًا ما يذكرون أسماء بعينها؛ مثل د. عبد المنعم أبو الفتوح، ود. عصام العريان، للدلالة على الاتجاه الإصلاحي في الإخوان.. وصارت هذه الدعوى ممجوجة، بل مستهجنة لدى عموم الإخوان: الشباب منهم والكبار.. إذ إنهم وحدة واحدة فيهم التنوع والتكامل.. حيث غايتهم واحدة.

 

سلامة الصدر

إن مصدر القوة الحقيقي أن يلتقي الناس على الله عز وجل.. ويعملون ما وسعهم العمل على نصرة دينه وإعلاء كلمته.. في عالم يتكالب على المسلمين.. ويتجمعون عليهم من كل حدب وصوب.. ويشنون عليهم الهجمات في كل مكان فيحطمون قوتهم وينهبون ثرواتهم.. ويزرعون الفرقة والشحناء بينهم؛ فتتفرق كلمتهم وتزول قوتهم.. وتَهِن عزائمهم.. وليس لهم إلا الوحدة والعودة إلى مصدر قوتهم، وهى الإسلام.. فنحن أمة أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

 

ولقد حرص مؤسس الدعوة الإمام البنا رحمه الله.. أن يكون الحب في الله هو أساس البناء، وألا يستجيب الصف إلى عوامل التشكيك.. أو التفرق وأن يحرص الجميع على سلامة الصدر.. وقوة الوحدة..

 

إن هؤلاء الكتاب يظنون أن في العمل الإسلامي صراعًا وحقدًا بين الأجيال، وكذلك الطبقات الاجتماعية المختلفة.. وهذا حكم أو تفكير ساقط لا أساس له في ثقافتنا الإسلامية.. فنحن بالتزامنا بالإسلام إنما يسودنا الحب والتراحم، والإيثار والتكامل، وكافة القيم التي تجعل من الصف كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا .. ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (10)﴾ (الحشر).

 

نموذج رائع لسلامة الصدر

إن ما جرى من خلاف في الكلام عن "الشيعة" بين كل من المهندس يوسف ندا.. والدكتور محمود غزلان.. وهما رمزان لهما وزنهما وقدرهما عند الجميع.. قد انتهى تمامًا.. ببركة سلامة الصدر؛ حيث أنهى المهندس يوسف ندا مقاله المنشور في (المصري اليوم) في 2/5/2009م بالآتي: "... أما عن نفسي فأنا قريب من القبر، ولعل الشيطان نزغ بيني وبين أخي، ولا أريد أن أبوء بإثمي وإثمك، وأعتذر لك عما يمكن أن تظن أني أخطأت فيه، وأسألك الصفح والمغفرة، وإن تكرمت عليَّ بهما فأسألك الدعاء..." وهكذا الإخوان.

والحمد لله رب العالمين