- شيخ التجار: أفرزتهم الحرب العالمية الثانية، وأصبحوا مافيا لديهم سيولة تساعدهم
- خالد أبو إسماعيل: نفوسهم المريضة جعلتهم وحوشًا كاسرةً، هدفها النجاح المادي فقط
- جورج إسحاق: الفشل الحكومي في إدارة الأزمات فرض هذه الفوضى الخلاقة
- ممدوح الولي: السوق العشوائية تفتح المجال لاستمرار ظاهرة الربح السريع
- د. هاشم البحري: مع وجود الفساد والسلبية والتخلف ستزيد قائمة هؤلاء التجار
تحقيق- إسلام توفيق:
"تجار الأزمات" ناقوس خطر جديد يدق على أبواب مصر، تحت سمع وبصر الحكومة، وقد ظهر هؤلاء بقوة بعد قرار الحكومة إعدام آلاف الخنازير؛ حيث كشف بعض الأهالي عن تهريب لحوم الخنازير، وبيعها إلى مجموعة من التجار يبيعونها لمحلات الكباب والكفتة، على أنها لحوم ضأن أو ماعز!!.
وبالطبع تجار الأزمات لم يطلوا على مصر مع أزمة إنفلونزا الخنازير، بل كان لهم حضورهم القوي في أزمات سابقة كان أبرزها إنفلونزا الطيور؛ حيث كشفت الصدفة منذ عامين عن محاسب بمنطقة السيدة زينب استأجر مخزنًا، وقام باستغلاله في تجميع الدواجن النافقة من مزارع الدواجن والمجازر، وقام بشراء الفرخة بجنيه واحد، ثم قام بتنظيفها وتعبئتها، وإعادة بيعها مجمدةً بسعر 15 جنيهًا للفرخة!!.
كما اكتشفت أجهزة الأمن بالقاهرة مخزنًا بمنطقة المقطم، يحتوي على حوالي ألف دجاجة نافقة، ومعدَّة داخل أكياس لبيعها للمواطنين.
ليس الأمر فقط في الطيور ونشر مرضها، بل تعدى إلى الإسمنت والحديد، وانتشرت الشائعات التي يقوم بها بعض المستفيدين لرفع الأسعار، أو خفضها أو تقليل البيع أو زيادته.
(إخوان أون لاين) يفتح الباب لكشف حقيقة هؤلاء التجار الذين يستغلون الشعب المصري، ويحاولون وهمه بالسلع الفاسدة على أنها سلع ممتازة، ويكشف ألاعيب بعضهم دون مراعاتهم للأخلاق والآداب والقيم التي تحكم المجتمع.
قيود
تجار الأزمات يبيعون لحوم الخنازير على أنها لحوم ضأن!!
بدايةً تحفظ علي موسى رئيس مجلس إدارة غرفة القاهرة التجارية (شيخ التجار) على تسمية هؤلاء بـ"التجار"، وقال إنهم لا يتعدون أن يكونوا بعض المرتزقة، مؤكدًا أنهم موجودون من زمن بعيد، ففي الحرب العالمية الثانية، وفي ظل نقص المواد الغذائية والبضاعة ظهر هؤلاء المستفيدون لاستغلال المواقف، موضحًا أنهم فهموا لفظ "تحرير السوق" الفهم الخاطئ، مشيرًا إلى أن التحرير لا يعني أبدًا غياب الرقابة الإدارية والشعبية، بل إن له قواعد وأسس وأنظمة رقابية، لا بد أن يسير عليها.

وقال إنهم طالبوا دائمًا بغرف للتجار الشرفاء فقط، وهم الذين يتعاملون على أساس حسن الخلق، وعدم استغلال الجمهور، فضلاً عن حماية السوق من النواقص، مشيرًا إلى أن للأجهزة الرقابية على السوق عاملاً أساسيًّا لوأد هذه الظاهرة.
وأضاف أن هؤلاء السماسرة والمستفيدين ليس لديهم أخلاق؛ مما جعلهم يتحولون إلى مافيا لديها سيولة مادية، تستطيع من خلالها عمل أي شيء مهما كان، ضاربًا المثل بالغشاش الذي يحاول الكسب فقط دون التعب، والاستغلال فقط دون الجهد، والعيش فقط دون البذل، مؤكدًا أن هؤلاء المرتزقة إذا دخلوا أي مجال أخربوه وجعلوا أعزة أهله أذلة، فإذا دخلوا مجال لحوم الخنازير أصابوا الشعب بالمرض، وإذا تلاعبوا في الإسمنت ستهدم البيوت على رءوس أصحابها، وإذا تدخلوا في الطعام سمموا الشعب!!، مشددًا على ضرورة وجود قيود ومقاومة صلبة، وإجراءات صعبة، وتحذيرات شديدة اللهجة؛ حتى لا يتسبب هؤلاء المرتزقة في انهيار الوطن.
واختتم كلامه قائلاً: "على المستهلك والجمهور أن يعرفوا على أي شيء يُقدمون، وإلى أي طريق يسيرون، وأنه يجب عليهم أن يعوا ماذا يفعلون؟!؛ حتى لا يكونوا ضحيةً من ضحايا هؤلاء المرتزقة".
كما أكَّد عز الدين أبو عوض رئيس رابطة منتجي الإسمنت أن هناك معركةً كبيرةً بين التجار الحقيقيين، ومجموعة السماسرة والمستفيدين الممثلين في "تجار الأزمات"؛ تسببت في خسارة كبيرة للعديد من الجهات، مشيرًا إلى أنهم يرددون الشائعات، ويحاولون إثبات أي التباس عند الجمهور لخداعهم، والسيطرة على قراراتهم.
وقال إن الأزمة الحقيقية التي تواجه الإسمنت، وانتشار الشائعات حول ارتفاع أسعاره، ليس له سبب إلا تصريحات المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة، الذي يستنبط قراراته من مستشاريه الذين يعتبرون أول المستفيدين من هذه الأزمة، خاصةً أنه ليس في مصر دراسات حقيقية وواقعية لحل المشكلات والأزمات التي قد تواجهها في أي مجال.
وأشار إلى أن هناك قطارًا كبيرًا يسمى: "المحتكرين والسماسرة"، متخفين في زى تجار مهنتهم الحقيقية هي استغلال مصائب المصريين وأزماتهم لجني الأرباح.
نفسية سيئة
خالد أبو إسماعيل
الأمر نفسه أكده خالد أبو إسماعيل رئيس اتحاد الغرف التجارية السابق؛ حيث رفض إطلاق اسم "تجار" على هؤلاء المرتزقة والمستفيدين، مشيرًا إلى أن نفسياتهم السيئة، وعدم قدرتهم على النجاح في أعمالهم الشخصية، جعلت منهم وحوشًا كاسرةً، لا يهمها إلا النجاح المادي فقط، دون النظر عن إذا كانت الطريقة أخلاقية أم لا.

وقال إن هؤلاء المرتزقة إذا كانوا بالفعل يستثمرون أموالهم في بضائع سليمة ومحددة السعر، لن يستطيع اللعب فيها، وأنه إذا كانت بالفعل هناك رقابة رادعة على السوق المصرية، خاصةً في الأزمات التي يستغلها هؤلاء المرتزقة لما وصلوا إلى هذا الإجرام.
ووصف هؤلاء المرتزقة بالحرامي الذي يسرق الشعب ويقضي عليه، خاصةً أنه يبيع للمستهلك والجمهور إسمنتًا مضروبًا أو لحوم خنازير على أنها لحوم ضأن أو ماعز، أو أن يبيع دجاجًا نافقًا مصابًا بمرض إنفلونزا الطيور على أنها طيور مجمدة صحيحة.
واختتم كلامه قائلاً: "الأزمة الحقيقية ليست في التجار؛ ولكن في هؤلاء المستفيدين الذين يستطيعون العبث بعقول المصريين من أصحاب الضمائر الضعيفة، والعقول الصغيرة؛ خاصةً عندما يجدون سعر السلعة قد قلَّ الكثير عن السعر الطبيعي له".
فساد
جورج إسحاق
وأرجع جورج إسحاق عضو حركة كفاية ظهور هؤلاء المستفيدين إلى الترهل والفساد والتعجل في اتخاذ القرارات الصادرة عن الحكومة، خاصةً أن مصر ليس لديها أي أسلوب علمي لمواجهة الأزمات؛ مما يسمح لهؤلاء المرتزقة العيش والتربح على حساب الشعب المصري.

وقال إن عدم وجود إدارة لمواجهة الأزمات جعلت هناك نوعًا من الفوضى الخلاقة في الشارع المصري؛ مما أدَّى بالحكومة إلى تسيير خطتها في إرضاء بعض قياداتها، أو فتح المجال أمام العديد من النصابين؛ لنهب خيرات الشعب المصري، دون النظر عن الضرر الذي قد يلحقونه بالشعب.
وأضاف إسحاق: "عندما لا تكون هناك دولة، لا بد أن تجد من يسرق وينهب، خاصةً أن الأخلاق قد انعدمت هي الأخرى، ولم تبق إلا نتيجة التربح على حساب صحة ومستقبل الشعب".
عشوائية
ممدوح الولي
ومن الناحية الاقتصادية أكَّد ممدوح الولي الخبير الاقتصادي بالأهرام أن السوق العشوائية المصرية هي السبب الرئيسي لظهور مثل هذه الظواهر، التي تجعلها مرشحةً للنمو، والظهور المتكرر، بين وقت وآخر، وبين أزمة وأخرى.

وقال إن مصر تعاني منذ أكثر من 50 عامًا من عشوائية التجارة الداخلية والخارجية؛ حيث إن كل الوزارات التي تكلمت عن تنظيم التجارة كان كلامها لا يتعدى إلى التنفيذ الواقعي؛ وحتى عندما قامت وزارة التجارة بإنشاء هيئة للتجارة الداخلية المصرية، وضعت على رأسها رجالاً، ليس لديهم خبرة في التجارة!!.
وقال إن من يسمون أنفسهم تجارًا، يعتمدون على المضاربة، والبحث السريع عن الربح والعمل في كنفه، مشيرًا إلى أننا نجدهم في البورصة يضخون الأموال؛ حتى يحققوا ربحهم الذي يريدونه ثم يتركوها، ويدخلوا في مضاربة العقارات حتى ينالوا منها ما يريدون لينتقلوا إلى مجال آخر.
وأضاف: "وليس هناك مانع أن يدخلوا في تجارة غير مشروعة"، ضاربًا المثل بالصينيين الذين ينتجون بضائع ذات جودة عالية، يصدرونها لكل دول العالم، ويرفضها التجار المصريون، ويطلبون السلع والبضائع ذات الجودة المنخفضة؛ لتدني سعرها، وليضحكوا بها على المصريين.
واختتم كلامه بأن الحل في إعادة هيكلة منظومة التجارة الحقيقية، من إعادة تأهيل الشعب المصري وتثقيفه؛ حتى لا يضحك عليه أحد، وحتى لا ينخدع في ظل هذه السوق وهذه البطالة.
ضد المجتمع
علماء النفس كان لهم رأي واضح في هذه الظاهرة؛ حيث وصف الدكتور هاشم البحري أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر هؤلاء التجار بأنهم "شخصيات ضد المجتمع"، وهي الشخصيات التي لا تهدف إلا لمصلحتها الشخصية، ومكاسبها دون النظر إلى المجتمع الذي تعيش فيه، فهو يلجأ لخدمة مصلحته الشخصية؛ لأنه يعرف جيدًا أنه لن ينال شيئًا بالطرق السوية والسليمة في هذا المجتمع المليء بالفساد؛ نتيجة لاضطرابات شخصية أو اجتماعية لزيادة مشاعر الخوف لديه، في ظل قلة التنظيم والابتكار والبحث والتفكير.
وشدَّد على أن المراحل الهشة الداعية إلى عدم التفكير التي تسيطر على شخصية هؤلاء التجار، جعلتهم مستغلين لأزمات الشعوب دون النظر إلى الضرر الذي قد يوقعونه.
وأشار إلى التجربة اليابانية في إدارة الأزمات، والتدريبات التي تقوم بها وقت الرخاء لمواجهة الأزمات، وقال إن هذا الإعداد غير موجود في مصر؛ مما يجعل استغلال الشعب أمرًا هينًا.
وأوضح البحري أن "شخصية ضد المجتمع" تستجمع 80% من سلوكها وآرائها وأهدافها من نشأتها في المجتمع، وأنه ما دام المجتمع المصري بهذا الكم من الفساد والسلبية والتخلف؛ ستجد قائمة هؤلاء المرضى يزدادون يومًا بعد آخر.
واختتم كلامه قائلاً: "هؤلاء المرضى يعيشون بالمثل الشعبي الخاطئ (إذا لقيت حمار ومركبتوش.. تبقى حمار)"!!.