- التهويد مر بمراحل عدة كانت وتيرته تتسارع مع كل ضعفٍ عربيٍّ

- رئاسة السلطة الفلسطينية تقدم خدمات جليلة للصهاينة

- المفاوضات تخدم الصهاينة على حساب الشعب الفلسطيني

- الحكام العرب أصبحوا "غفرًا" على مصالح أمريكا وأوروبا

 

حاوره: إسلام توفيق 

عمليات التدنيس المستمرة للمسجد الأقصى، والتي تأتي ضمن سلسلة عمليات التهويد والطمس التي يمارسها الصهاينة في القدس منذ احتلالها في العام 1967م، تشكل جزءًا لا يتجزَّأ من مخططٍ شامل للسيطرة على فلسطين، والعالم العربي بأسره، يساعد اليهود فيه تخاذل، وتواطؤ السلطة الفلسطينية في رام الله والحكام العرب في إقليم الطوق.. هذه كانت هي خلاصة حديث المؤرخ والسياسي اليساري الفلسطيني عبد القادر ياسين، الذي أدلى به إلى (إخوان أون لاين).

 

وحذَّر عبد القادر ياسين من استمرار الحفريات أسفل المسجد الأقصى وباحاته، مع ما تهدف إليه لتدميره وإسقاطه، وإنشاء ما يسمى بـ"هيكل سليمان" محله، بعد أنْ أحاطت به الكنيسات والمغتصبات اليهودية من كل جانب.

 

وفي الذكرى الـ61 للنكبة، والـ30 لحريق الأقصى، أجاب ياسين على الكثير من الأسئلة، وأوضح الكثير من الحقائق المفزعة حول قضية العرب والمسلمين الأولى.. القدس.

 

 الصورة غير متاحة

مقدسي يشير إلى حي سلوان الذي هدم الصهاينة جزءًا كبيرًا منه

* بدايةً.. القادة الصهاينة كانت لهم كلمات مشهورة تقضي جميعها بأنَّه من واجب اليهود أنْ يُضيقوا الخناق على عرب فلسطين، حتى يضطروهم إلى الخروج منها.. كيف ترى تحقُّق هذه المقولات الآن؟! 

** لا شك أنَّ الوهن العربي الرسمي وبعثرة البيت الفلسطيني أغرت الصهاينة على أنْ يتوغلوا في محاولاتهم لتهويد القدس ومحو هوية أهاليها، ثم طردهم نهائيًّا منها، فهم يضيقون عليهم كل الخناق، فحتى الآن استولوا على 60 عقارًا منذ مطلع هذا العام وحده، ويدمرون البيوت بدعوى أنها بُنِيَت بدون تراخيص، والصهاينة لا يمنحون تراخيص لبناء البيوت، ويمنعون أيَّ تشييد منازل، ويأخذون البيوت عندما يغيب أصحابها، ويمنعون المقدسيين من العودة إلى بيوتهم، ثم يستولون عليها إذا تأخروا خارجها، ولو بضعة أشهر، ويسحبون بطاقاتهم الشخصية.

 

كل هذا والنظام السياسي العربي يغط في نومٍ عميقٍ، إلا في بعض كلمات تضع مشاعر حكام العرب تحت تصرف المقدسيين، ولا تقدم لهم شيئًا فيما عدا ذلك، فالاستيلاء على الأرض مستمر، والاحتلال المسلح لا يزال قائمًا، والتضييق على أهالي القدس العرب الفلسطينيين مستمرًّا، والصمت العربي الرسمي لم يتغير أيضًا.

 

* وكيف ترى مغالطات العدو الصهيوني؟! 

** قبل نحو 10 سنوات أو أكثر تم عقد مؤتمر في القدس دعا إليه الكيان الصهيوني، للاحتفال بمرور 3000 سنة على بناء القدس، في حين أنَّ القدس مضى على بنائها أكثر من 5000 سنة، وقد بناها العرب اليبوسيون، وهو دليل على أنَّ القدس عربية.

 

أما اليهود فلم يمروا بالقدس إلا لمدة 70 سنة، وقد كانوا غزاة، وهم الآن يطالبون بحق الغزو، وإنْ كانوا يرددون أنَّ لهم جدارًا من هيكل سليمان موجود في القدس، فالمسلمون لهم مساجد في السويد ولندن، وكانت لنا حضارة كبيرة في الأندلس (إسبانيا والبرتغال حاليًّا).. هل نطلب أنْ يخلو لنا لندن أو مدريد أو السويد؟!، هذا كلامٌ ليس معقولاً.

 

على كل حال باطلهم لا يقف على قدميه، وحقنا لا يمكن أنْ نسترده إلا بتحرير كل فلسطين، وفي قلبها القدس، وفيما عدا ذلك يظل كلامًا في كلام، وسنظل نردد فقط "حقنا المسلوب"، ونتباكى على ماضينا التليد، ونفتخر بتراثنا وحضارتنا السالفة ليس إلا.

 

* تاريخيًّا.. كيف وصلت قضية تهويد القدس إلى المرحلة الأخطر الآن؟ 

** في حرب 48 طلبت القيادة العسكرية الصهيونية من "بن جوريون" الرجل الأول في القيادة، أنْ ينقلوا بعض قواتهم من وسط فلسطين ومن حول القدس، للدفاع عن النقب، ولكنه قال لهم "لا دولة صهيونية بدون القدس، ولكنها يمكن أنْ تكون بدون النقب"، وبالتالي هم يعرفون أهمية موقع القدس وإستراتيجيته.

 

والتهويد مر بمراحل عدة كانت وتيرته تتسارع مع كل ضعفٍ عربيٍّ يتجلى أمام الصهاينة واليهود، بمعنى أنه أثناء تعملق العمل الفدائي الفلسطيني منذ العام 1967م، وحتى العام 1970م، كانت خطى التهويد بطيئة حذرة جدًّا، فقد كان العمل الفدائي والاستشهادي شديد، فضلاً عن أنَّه كانت هناك حرب استنزاف على جبهة قناة السويس، لكن ما إنْ ضُرب العمل الفدائي في الأردن، وما إن وقفت حرب الاستنزاف في منتصف عام 70، حتى توسع الصهاينة في عمليات التهويد المختلفة، بالاستيلاء على الأراضي، والتوسع في الاستيطان لتطويق القدس العربية والبلدة القديمة.

 

ثم كانت حرب أكتوبر التي جعلت الصهاينة يتمهلون مرةً أخرى في خطى التهويد، وإنْ كان الصلح الذي عقده السادات معهم ابتداءً من زيارته المشئومة إلى الكيان الصهيوني في 19 نوفمبر عام 1977م، أغرى الصهاينة في أنْ يتوسعوا أكثر فأكثر في عمليات التهويد.

 

أما اتفاق أوسلو سيئ الصيت، فقد أطلق يد الصهاينة تمامًا في التهام القدس وهضمها، ولكننا نعلنها أنَّنا لن ننساها.

 

* لماذا الآن تحديدًا هذه الهجمة الشرسة على القدس والأقصى ومحاولة تهويدهم بقوة؟! 

** الوضع الرسمي العربي متهاوٍ لدرجةٍ كبيرةٍ، فضلاً عن أنَّ رئاسة السلطة الفلسطينية تقدم خدمات جليلة للطرف الصهيوني عن طريق مطاردة أي فدائيٍّ يفكر في التصدي للكيان في الضفة الغربية، وعن طريق احتلالها أي مخزنٍ لسلاح المقاومة، ناهيك عن أنَّها تقدم أسماء من يتعهدون بعدم التعرض للكيان من الفدائيين، حتى يأخذوا عفوًا ويُطلق سراحهم من السجون الصهيونية، وهؤلاء وصل عددهم إلى 300، وقُتل بعضهم رغم تعهداتهم.

 

ولا ننسى أنَّ الرئاسة تُجري بعض المفاوضات التي لا تقدم خدمات إلا للطرف الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، فهذه المفاوضات تجرى أولاً في القدس، وهذا يعني أنَّه تسليم من أبو مازن بأنَّ القدس عاصمة أبدية موحدة للكيان الصهيوني كما يزعمون، فضلاً عن أنَّه يُجري ما يسميه تفاوضًا في بيت أولمرت رئيس الوزراء السابق، مما يعني أنَّ الجلسة مرفوعة التكليف، وليست جلسة رسمية، لذلك فهي حفلات تحفل بالأحضان والقبلات وموائد الطعام، هذا كله غير الصفقات التي يتم الاتفاق عليها لابن محمود عباس، وهو الكلام المثبت بمحاضر جلسات التفاوض هذا.

 

 الصورة غير متاحة

الكيان ماضٍ في مخططاته الإجرامية لتهويد القدس!!

الكيان يكسب من هذه المفاوضات تقديم رسالة لكل العالم أنَّه لا يقتل إلا "الإرهابيين"، ولا يعتقل إلا "الإرهابيين"، وأن الاستيلاء على المزيد من الأرض وتوسعه في الاستيطان ومده في جدار الفصل العنصري يُقابَل بالمباركة من قِبَل رئيس السلطة الفلسطينية ومن حوله، وفي هذا كله يخسر العرب والمسلمون، وتخسر القضية الفلسطينية كلها.

 

ولا ننسى أنَّه بقدر تساهُل أبو مازن مع الطرف الصهيوني، بقدر تشدده مع العناصر الوطنية الفلسطينية، وهذا وضعٌ لا يدعو للاستهجان؛ لأنَّه يتماشى مع الخط السياسي الذي اختاره عباس لنفسه، خاصةً أنَّه من وقع مع يوسي بيلين عام 1996م، وثيقة "عباس- بيلين" التي تنازل فيها عن القدس، وعن حق العودة، الأمر الذي عززه في ديسمبر 2004م، ياسر عبد ربه أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية، عندما وقع وثيقة جنيف مع بيلين أيضًا، وتنازل فيها كذلك عن حق العودة وعن القدس.

 

* ما مخاطر الدعوات المتكررة لبناء الهيكل الثالث المزعوم من قِبل الجماعات اليهودية المتطرفة؟! 

** بعض حكام العرب توعد الصهاينة بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا هم أقدموا على هدم المسجد الأقصى، وأنا أعتقد أنه بالفعل على وشك أنْ يُهدم، حينها سيقول حكام العرب كما قال عبد المطلب قبل 1400 سنة "للمسجد ربٌ يحميه".

 

وأؤكد أنَّ الصهاينة لن يهدموا المسجد الأقصى، ولكنهم فرغوا الأرض من تحته، بحيث أنَّ أصغر هزة أرضية تتولى هي هدمه، ويقولون وقتها إنَّ الطبيعة هي السبب، وأنَّهم ليس لهم دخل!!.

 

واليهود حفروا أنفاقًا تحت كل مدينة القدس القديمة، وهذا يعني أنَّهم يريدون بناء مدينة تحت المدينة، وأذكِّر في هذا الصدد أنَّه في محادثات كامب ديفيد الثانية بين ياسر عرفات وإيهود باراك وبيل كلينتون، رفض عرفات أنْ يأخذ الصهاينة الأرض من تحت المسجد الأقصى، بينما أصر باراك على طلبه؛ مما دفع كلينتون لاقتراحٍ هزليٍّ يقضى بأنْ يُزحزح المسجد الأقصى إلى منطقةٍ لا يأخذ الصهاينة تحتها شيءٍ، وهو الأمر الذي رفضه عرفات، وهو على الرغم من عيوبه، يبقى رجلاً وطنيًّا وهي ميزةٌ غير متوفرةٍ الآن في السلطة الفلسطينية.

 

عدو واحد

* هل من الخطأ أنْ نصوِّر هذه المخططات، وكأنَّها محصورة فقط بمجموعات يهودية متطرفة؟! 

** هناك إجماعٌ صهيونيٌّ بين كل ألوان الطيف هناك، لا يمكن أنْ نستثني أحدًا، الفرق الوحيد في الأساليب أو التوقيت، فالبعض يقول بأنْ يضرب اليوم، والبعض يقول أيضًا إنَّه يريد أنْ يضرب، ولكن بعد أنْ يضعف العرب أكثر وأكثر، وعندما نجد شعوبًا أو حكومات أكثر تقف معنا وتساندنا.

 

دعنا نضرب مثالاً ففي الحرب الصهيونية على لبنان في 2006م، كان هناك تضامنٌ عربيٌّ مع الكيان الصهيوني، ولكنه كان حييًا وخجولاً، أما في الحرب الشرسة ضد غزة، بعد سنتين ونصف السنة كان هذا التضامن الرسمي العربي مع الكيان، وقحًا.

 

* هناك ميزة للمرحلة الجديدة في الكيان الصهيوني تكمن في الانسجام الكامل والتام بين المواقف السياسية للحكومة اليمينية والجماعات اليهودية المتطرفة.. كيف ترون ذلك؟! 

** عملية تهويد القدس مرهونةٌ بنا نحن العرب والمسلمون؛ لأنَّه كلما أبدينا ضعفًا أوغل الصهاينة في عملية التهويد، فإذا تابعت منحنى عملية تهويد القدس، تجد أنَّه ليس هناك فرقٌ بين اليمين ومَن يسمونهم يسارًا، بمعنى ما الذي يثبت أنَّ باراك وحزبه، العمل من اليسار..؟!!.. إذا كان هو مَن شن كل الحروب عدا الحرب اللبنانية عام 1982م، فمن أين أتوا بصفة اليسار هذه؟!.

 

أقول إنَّه قد يكون أقل يمينية من أقصى اليمين، ولكنه يمينٌ أصلاً، فليس موجودًا داخل الجسم الصهيوني ألوان الطيف السياسي الموجودة في الأقطار الأخرى بالمعنى الصحيح، فليس لديهم يسار ووسط ويمين، بل كلهم يمين، وهذا أمرٌ لا بد أنْ يُوضع في الاعتبار.

 

* هل العدوان الصهيوني على الشعبين الفلسطيني واللبناني، يمكن أنْ يشكل غطاءً لتنفيذ سياساتٍ معينةٍ في القدس المحتلة؟ 

** الكيان الصهيوني يعمل بصورةٍ عمليةٍ بعيدة عن العرب قليلاً، فهم يرون أنَّ الضفة وغزة والأقصى والقدس كلها قضية واحدة، ومن أين وجدت الجزء الأضعف تقوم بضربه، فهي رأت أنَّ ضرب غزة قد يرد للجيش الصهيوني كرامته التي بعثرتها قوات حزب الله في لبنان في 2006م، وبالتالي قامت بضربها.

 

اليهود والكيان الصهيوني لا يغلقون جبهة لفتح جبهةٍ أخرى، بل إنَّ كل الجبهات في مقامٍ واحدٍ؛ لذلك تجدها تسير في خط التهويد في نفس خط سيرها في الحصار على غزة، في الوقت الذي ترفض فيه عودة اللاجئين، ويساعدها في ذلك الهوان العربي وبعثرة البيت الفلسطيني، وأقول إنَّه في حال بلورة موقفٍ عربيٍّ موحدٍ كما كان في حرب 73، لاستطعنا أنْ نكبح جماح غول التهويد عن القدس، بل وتحرير فلسطين كلها، فمن هنا تكون نقطة البداية، وهي ألا نمزق القضية ونفرقها بين الضفة وغزة واللاجئين والمغتصبات، وأنْ نجعلها شيئًا واحدًا هو "القضية الفلسطينية".

 

وإنْ كنا كعربٍ أو كمسلمين أو كفلسطينيين لا نستطيع وضع القضية الفلسطينية في حزمةٍ واحدةٍ، أو أنْ نضع حلم التحرير كهدفٍ لنا الآن، فمن الواجب ألا نسقطه كهدفٍ إستراتيجيٍّ حتى لا نقع فيما وقعت فيه منظمة التحرير الفلسطينية، عندما رضيت بأيِّ جزءٍ من فلسطين لإقامة السلطة.

 

محاولات تدنيس

* هل تتوقعون محاولات اليهود مرةً أخرى لاقتحام القدس؟ 

** اليهود لن يتوقفوا عن محاولاتهم في تهويد القدس، ونحن لن نتورع عن التصدي من أجل إنقاذ القدس، ولكننا نتصدى بصدور عارية نيابةً عن كلِّ العرب والمسلمين حكوماتٍ وشعوبًا، حتى وإنْ لم يقدم لنا الحكام العرب والمسلمين شيئًا حتى الآن.

 

* وصف بعض المحللين والخبراء المخطط الصهيوني لتهويد القدس بأنه يمرُّ بأخطر مراحله.. كيف ذلك؟! 

 الصورة غير متاحة

المخططات الصهيونية تأخذ أشكالاً عدة لتغيير معالم مدينة القدس المحتلة

** بالفعل، فاليهود طوقوا القدس الشرقية والبلدة القديمة من كل النواحي، وأغرقوها في بحرٍ من المغتصبات، وأهلنا في الضفة يقفون ويتصدون لهذا التوغل وحدهم، حتى إنَّ السلطة الفلسطينية لا تُقدِّم ولا تؤخر لهم شيئًا، بل إنَّها عندما تريد أنْ تصدر احتجاجاتٍ، تصدرها بلغةٍ خجولةٍ، بينما عباس يُصدر تصريحاتٍ أشد كثيرًا ضد الوطنيين الفلسطينيين، الذين ينجحون في تنفيذ عمليةٍ فدائيةٍ واستشهاديةٍ، ويسميها "عملية حقيرة"، وعندما تطلق المقاومة صاروخًا ولا يصيب أحدًا، يُسميه "صواريخ عقيمة"، وهو الأمر يدعو للاستغراب، فإذا أصابت المقاومة يقول عليها "حقيرة"، وإذا لم تصب يقول "عقيمة"!!.

 

واجب مؤثر

* لو تحدثنا عن دور فلسطينيي 48 في وجه المخططات الصهيونية المستهدفة للمسجد الأقصى.. فما صور هذا الوقفة، وما تأثيرها؟ 

** أول مَن يقف بصدره ضد عمليات التهويد هم أهالي القدس بالدرجة الأولى، ولأنَّ فلسطيني 48 لا تستطيع شرطة الكيان الصهيوني منعهم من زيارة القدس بسبب هويتهم، فهم يحملون على أكتافهم هذه المهمة.

 

ومن هنا أحب أنْ أوجه التحيةَ للشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 1948م، والأب عطا الله حنا المتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين؛ لوقوفهم على رأس مقاومة تهويد القدس، ودائمًا ما يدقون أجراس إنذار التهويد، ولكن دون أنْ يسمعهم أحد.

 

كما أحب أنْ أؤكد أنَّ ما يقوم به هؤلاء ليس كافٍ، خاصةً أنَّني لا أحب أنْ أفصل بين قضية القدس وقضية فلسطين عامةً، فأنا لا أستطيع أنْ أدعو إلى تحرير القدس بـ"البارشوت" دون تحرير فلسطين كلها، فالقدس هي تاج القضية الفلسطينية، ولكنها ليست القضية الفلسطينية كلها.

 

تنازلات

* هل تأتي المفاوضات وراء إطلاق يد اليهود في عملية تهويد القدس، خاصةً منذ أوسلو؟! 

** للمفاوضات أسسٌ وقواعد، وبعض الذين يُفرِّطون في الحق الوطني الفلسطيني يقول "ها هم الفيتناميون فاوضوا أعداءهم"، ولكنه تغافل عن أنَّ الفيتناميين لم يلجئوا إلى المفاوضات إلا بعد أنْ حققوا توازن القوة في القتال؛ مما جعل هذا الميزان ينعكس على المفاوضات، وأذكر في هذا الصدد أنَّ الفيتناميين عندما بدءوا في مفاوضة الأمريكان في باريس، وكان يسقط موقع واحد للفيتناميين، كانوا يتصلون بهم ويقولون لهم "أوقفوا المفاوضات حتى نسترجع الموقع الذي سقط"، وما أن يسترجعوه، حتى يعودوا مرةً أخرى إلى المفاوضات؛ لأنَّهم يرون أنَّ هذا التراجع للقوات الفيتنامية سينعكس على دائرة المفاوضات؛ مما قد يضعف موقف المفاوض الفيتنامي.

 

وهناك اختراعٌ- وأقولها من باب السخرية- لمحمود عباس قد يأخذ عليه جائزة نوبل، وهو أنَّه يقول إنَّنا نكسر بندقيتنا قبل أنْ ندخل المفاوضات، وأقول له إنَّك لن تستطيع أنْ تأخذ من الأرض إلى أبعد ما تصل إليه دانة مدفعك، وللأسف ليس هذا كلام عباس وحده، بل هو كلام العرب كلهم الآن.. فعباس ذاهبٌ إلى الصهاينة مستسلمًا، ولن ينال في المفاوضات أكثر من ما يريده اليهود.

 

* إذن.. ماذا تقترح على المفاوض الفلسطيني فعله في الفترة الحالية لإنقاذ القدس والأقصى؟ 

** أنا أقترح عليه أنَّه يتخلى عن المفاوضات، ويترك الشعب يعود إلى خط المقاومة، وأنْ يتخلى عن إدانته العلنية للمقاومة والكفاح المسلح، لكني أعتقد أنَّه لن يتركنا في المقاومة لحالنا؛ لأنَّه لا يراهن على المفاوضات، بل هو رهينة لهذه المفاوضات، وأصبح منذ زمنٍ، أداةً من أدوات المشروع الأمريكي الصهيوني.

 

ضعف

* بدأ الاتحاد الأوروبي اتخاذ المشروع الصهيوأمريكي ضد الإسلام والمسلمين لتهويد القدس.. لماذا؟ 

** الأوروبيون كانوا يأخذون قديمًا قراراتٍ متوازنةً تجاه القضايا العربية والإسلامية، وخاصةً القضية الفلسطينية، لكن كان هذا عندما كان للعرب وزن مثل عام 73، لكن بعد ذلك، أصبح الحكام العرب "غفرًا" على مصالح أمريكا وأوروبا في الشرق، وكل ما يتمنونه أن ييسروا للغرب مصالحهم في سبيل بقائهم.

 

أنا لا أقول لهم اقطعوا على الغرب مصالحه في الشرق الأوسط، ولكن ساوموه عليها، فالغرب لا يقيم لك وزنًا أنت العربي؛ لأنَّه لا يرى منك تقدمًا، بينما المشروع الصهيوني أكثر تأثيرًا، فما تقوله هي ينفذه الغرب.

 

وأضرب مثال بسيط، ففي شهر سبتمبر 2006م اتخذ وزراء الخارجية العرب قرارًا في الجامعة العربية قضى بكسر الحصار عن الشعب الفلسطيني، وتبعه قرار موازٍ لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي في الشهر نفسه، ومر عامان ونصف ولم يحدث شيئًا، ولم يتحرك أحد.

 

* هل ترى أنَّ اختلاف الفصائل الفلسطينية كان له أثره إزاء ما يحدث في القدس والمسجد الأقصى من محاولات هدم؟! 

** أحد أسباب اختلاف الفصائل الفلسطينية هي عملية تهويد القدس، وهي خلافاتٌ غير معلنةٍ، فعلى الرغم مما ذكرناه حول تخلي عباس عن القدس ورضاه الضمني عن التهويد، إلا أنَّك إذا جلست معه تجده ينادى بأعلى صوته على أنَّ القدس عاصمة فلسطين، بل تجده ينادي بحدود الـ67، مع تأكيد أنَّه وقَّع اتفاقًا مع أولمرت بتبادل الأراضي، فاليهود يأخذون أراضي القدس القديمة الشرقية ليقيموا عليها مغتصبات، والفلسطينيون يأخذون أراضٍ صحراويةً قاحلةً في النقب.

 

إمبريالية صهيونية

* هل يمكن تناسي قضية الأقصى في خضم الأحداث الجسام التي يمر بها لبنان وفلسطين والعراق والسودان.. هل تتخوفون فعلاً من تهميش هذه القضية أكثر من ذلك؟! 

** أرى أنَّنا إزاء عدوٍ واحدٍ وقضيةٍ واحدةٍ، ولئن كانت فلسطين جزءًا ذات يومٍ، فأفغانستان كانت الجزء الثَّاني، ومن بعدها العراق كانت الجزء الثالث، وهكذا.. في مسلسل أزمة العرب والمسلمين.. أنا كفلسطيني قضيتي هي قضية العراقي وعدوي هو عدو أخي السوداني واللبناني والأفغاني، فعدونا الرئيسي كأمةٍ إسلاميةٍ عربيةٍ هي الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية، فإذا كان عدونا المباشر كفلسطينيين هو اليهود والصهاينة فمن خلفهم أمريكا، وهو العدو المباشر للعراق وأفغانستان وسوريا.

 

* يتم جمع ملايين الدولارات من أثرياء اليهود في العالم لتهويد القدس، ما المطلوب من العالمين العربي والإسلامي شعوبًا وحكومات؟! 

** الشعوب بالفعل تستطيع، ولكن الحكومات العربية تقف حاجزًا أمامهم، وتحول دون تحقيق ما يريدون، أمَّا من الناحية الثانية، فالمال ليس كل شيءٍ، بل لا بد أنْ يسبق المال إرادةٌ سياسيةٌ، وإرادة المقاومة تُتَرجَم في البحث عما يريده الفلسطينيون ويقومون به.

 

* ماذا تتوقعون أنْ يحدث شعبيًّا ورسميًّا في حال تعرض المسجد الأقصى للهدم- لا قدّر الله-؟! 

** رد الفعل الرسمي لا أتوقع منه أكثر من أنْ يقومون بعمل مؤتمراتٍ وضجيجًا لا فائدةَ منه، وينتهي كل هذا بما ذكرته وما ذكره عبد المطلب "للمسجد رب يحميه"، أما الشعوب فستقوم بمظاهرات واعتصامات واحتجاجات، ولكن ستقف الحكومات حائلاً بينهم وبين نصرة الأقصى؛ لأنها مغلوبة على أمرها.