د. إيهاب فؤاد

لقد تحدثنا عن دور الفرد في التغيير، وأبرزنا دور العلماء، والآن جاء دور المجتمع، وهذا يقوم- بادئ ذي بدء- على أساس تقوية الحب بين أفراد المجتمع؛ لنوثق العُرَى، ولنسد الفجوات، ولنعيد التكافل بين المجتمع إلى تلك الصورة الجميلة البديعة التي بناها رسولنا العظيم- صلى الله عليه وسلم- في نفوس أصحابه، حين وضعوا أقدامهم لأول مرة في المدينة المنورة.
لقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم النفوس، وربَّى الرجال، فلما اكتمل بناؤهم غيَّر بهم وجه الأرض، لقد كان الحب في الله هو القاسم المشترك الذي جمع الصحابةَ جميعهم؛ لأن الحب إذا تملك القلوب وسيطر عليها فعل بأصحابه الأعاجيب، لم تكن هناك مفاصلة، ولم يكن هنا مفر من التحام الصف سوى بعقيدة سليمة يجتمعون عليها، وبحب يملأ قلوبهم جميعًا، ولعل أوضح مثال ما فعله النبي بمؤاخاته بين المهاجرين والأنصار منذ اليوم الأول، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين بعضهم مع بعض كمرحلة أولى، وبين المهاجرين والأنصار كمرحلة ثانية، كان المتآخون من المهاجرين والأنصار تسعين رجلاً؛ خمسة وأربعون من المهاجرين، وخمسة وأربعون من الأنصار، وفي رواية 150 من المهاجرين و150 من الأنصار.
والحب في الله أسمى معاني الحب التي يمكن أن يقوم على أساسها المجتمع المسلم, قال صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. وذكر منهم: ورجلان تحابا في الله، فاجتمعا عليه، وافترقا عليه", وجاء في الحديث القدسي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي، لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء", الحب في الله والبغض من أجله من أوثق عرى الإيمان، جاء في الحديث الذي رواه مسلم "أن رجلاً زار أخًا له في قريةٍ أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".
ولنا في سيرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام من الحب أجمل القصص، ومن الأخوّة الصادقة أروع الصور، عندما أراد عمر بن الخطاب الخروج للعمرة استأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يودعه: "لا تنسنا يا أخي".. قال عمر: كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا، أي: لو أن الدنيا معي ما فرحت وما يسرني كما فرحت بهذه الكلمة.
وجاء في السير أن عمر بن الخطاب – الذي تربي، وتعلم من معين يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الثر المدرار – صلى الفجر فقال: أين معاذ؟
فقال: ها أنا ذا يا أمير المؤمنين، قال عمر: لقد تذكرتك البارحة، فبقيت أتقلب على فراشي حبًا وشوقًا إليك، فتعانقا وهما يبكيان.
ولمّا سافر عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إلى الشام، قال: أين أخي؟
قالوا: كلنا إخوانك، قال: أين أخي أبو عبيدة؟ فأتى أبو عبيده على ناقةٍ ليس عليها قتب، وخطامها من ليف، فتعانقا.
قال صاحب الظلال رحمه الله تعالى: "ولقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله، والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة، فاستحالت هذه القلوب النافرة، وهذه الطباع الشموس، إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية الذلول بعضها لبعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض، بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ، والذي تتمثل فيه حياة الجنة وسمتها البارزة، ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)﴾ (الحجر)، إن هذه العقيدة عجيبة فعلاً، إنها حين تخالط القلوب، تستحيل إلى مزاج من الحب والألفة ومودات القلوب، التي تلين جاسيها، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباط وثيق عميق رفيق؛ فإذًا نظرة العين، ولمسة اليد، ونطق الجارحة، وخفقة القلب, ترانيم من التعارف والتعاطف، والولاء والتناصر، والسماحة والهوادة، لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب، ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب، وهذه العقيدة تهتف للبشرية بنداء الحب في الله; وتوقع على أوتارها ألحان الخلوص له والالتقاء عليه، فإذا استجابت وقعت تلك المعجزة التي لا يدري سرها إلا الله ولا يقدر عليها إلا الله".اهـ.
ولقد كان الهدف من هذه المؤاخاة هو توثيق عرى أفراد المجتمع ببعضهم البعض، والتغلب على الوحشة بين أفراده، وزيادة اللحمة، والتغلب على العوائق الاقتصادية، وغرس روح التكافل بين أفراد المجتمع وذوبان المجتمع بعضه في بعض، وهذا الذي نقصده، الكثير منا يذكر تلك المعاني الجميلة التي غابت عن المسلمين، كان الجيران يتواصلون فيما بينهم، فإذا طهى بيت من البيوت طعامًا أفاض على من حوله من الجيران، وإذا نزلت بجارٍ نازلةٌ هبَّ المجتمع بأسره يواسيه، ويتكافل معه ليتغلب على ما نزل به وحل، كان المجتمع على صغر حجمه على قلب رجل واحد، أما وقد تفسخت العرى، وانقطعت الأواصر بفعل ما ضرب المجتمع، وما نزل به من بلاء تمثل في الانسلاخ من الدين بدعوى المدنية، ضرب الغلاء كل شيء، واحتكر القادرون عن المحتاجين، وتسلط على السوق حفنة لا يرقبون في مؤمن إلاَّ ولا ذمة.
لقد كان التكافل بين أفراد الرعيل الأول من صحابة رسول الله غير مسبوق في التاريخ، ولم يعرف التاريخ له مثلاً، لقد مدح الله الأنصار، وأثنى عليهم بقرآن يُتْلَى بسبب إيثارهم لإخوانهم المهاجرين، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9)َ﴾(سورة الحشر).
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: "قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل؟ قال: لا؛ قالوا: أفتكفوننا المئونة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا".
وأخرج الإمام أحمد عن أنس قال: "قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كفونا المئونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله؛ قال: لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم".
وصورة أخرى رائعة، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: "إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم؛ فقالوا: أموالنا بيننا قطائع؛ قال رسول الله: أوغير ذلك؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟، قال: هم قوم لا يعرفون العلم، فتكفونهم وتقاسمونهم التمر؛ قالوا: نعم".
ولعلي أختم هنا بذلك الموقف الذي اطلع عليه الله سبحانه، ولفت إليه الأنظار في كتابه الكريم: إيثار أبي طلحة وأهله لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم.. خرَّج الشيخان عن أبي هريرة قال: "أتى رجل رسول الله، فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال: ألا رجل يضيفه هذه الليلة رحمه الله؛ فقال رجل من الأنصار- وفي رواية أبو طلحة الأنصاري-: أنا يا رسول الله؛ فذهب به إلى أهله، فقال لامرأته أم سليم -: أكرمي ضيف رسول الله، لا تدخري عنه؛ قالت: ما عندي إلا قوت الصبية؛ قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة لضيف رسول الله؛ ففعلت، ثم غدا الضيف على النبي فقال: لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة، وأنزل فيهما: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
إننا نريد أن نعود بالأمة إلى ذلك العصر التليد، نريد مجتمعًا مترابطًا، وأفرادًا يسطرون صفحات بيضاء في خضم يموج بظلام حالك أوشك أن يفسد علينا حياتنا.