إن الفزع والهلع الذي ينتاب العالم أجمع بكل قاراته نتيجة انتشار وباء إنفلونزا الخنزير؛ دفع العديد من دول العلم إلى رفع حالة الطوارئ القصوى لتطويق الوباء، الذي أوقع أكثر من مائة حالة وفاة في المكسيك وحدها، وبدأنا نسمع ونرى إجراءات وقائية في الكثير من الدول، سواء في المطارات أو في حظر إعداد وتناول الأطعمة في المطاعم العامة، وإغلاق جميع المؤسسات العلمية؛ الجامعي وما قبل الجامعي، كما في المكسيك ومئات المدارس في أمريكا، وإصدار أوامر بأن تكون مباريات كرة القدم مغلقة أي بدون جمهور، وحظر نزول الناس إلى الشوارع في بعض المدن، وإعدام الطيور والخنازير، كما نشاهد جميع الأعمار السنية؛ أطفالاً ونساءً ومسنين، يلبسون الكمامات الواقية، وإعلان حالة الطوارئ في المستشفيات ومراكز البحث العلمي، للوصول إلى إنتاج تطعيم مضاد للفيروس.
هذا المشهد المرشح للتصاعد؛ حيث إن كل مكان على ظهر الأرض بل كل فرد مرشح لأن يطاله هذا الوباء.. هذا المشهد يذكِّرنا بعدة حقائق وواجبات:
أولاً: بعض المعلومات عن هذا الوباء:
- قبل إبريل 2009م كان يتم انتقال العدوى بشكل محدود في أشخاص لديهم تاريخ مخالطة بالخنازير المصابة.
- بعد إبريل 2009م ظهرت أعداد كبيرة من الحالات لم تكن لها تاريخ مخالطة بالخنازير؛ مما يعطي مؤشرًا خطيرًا أوليًّا، وهو انتقال العدوى من إنسان إلى إنسان.
- تتراوح فترة العدوى من يوم- قبل بداية ظهور أعراض المرض- إلى 7 أيام بعد ظهور الأعراض.
- أعراض المرض مشابهة لأعراض الأنفلونزا العادية، مثل: حمى (ارتفاع درجة حرارة الجسم)، سعال، التهاب بالحلق، آلام بالجسم، صداع، ضعف عام، قيء وإسهال.
- تسوء حالة المريض سريعًا مع وجود مرض مزمن أو خلل في الجهاز المناعي للإنسان.
ثانيًا: الخنزير لعب دورًا خطيرًا؛ حيث إنه أصيب بفيروس الإنفلونزا العادية، وفيروس إنفلونزا الطيور، فحدث تزاوج بين الفيروسين داخل جسم الخنزير؛ مما أدَّى إلى تمحور الفيروس، وأنتج فيروسًا جديدًا، له القدرة على إصابة الإنسان، بل الانتقال من إنسان إلى إنسان، وهذا هو مكمن الخطر في تحويل المرض إلى وباء.
ثالثًا: يقول الله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ (المائدة: من الآية 3):
فما حرم الله عز وجل شيئًا على الإنسان إلا وفيه تحقيق لمصلحة الإنسان وحفاظ على حياته وصحته.
فالخنزير يحمل في جسده مسببات لأكثر من 450 مرضًا؛ أخطرها الدودة الشريطية التى تصيب القلب.
الخنزير من الحيوانات الدنيئة التي لا تتغذى إلا على القاذورات، بل تأكل فضلاتها، بل تأكل ميتتها أي تفعل ما يأنف فعله سائر المخلوقات.
والعجب ثم العجب أن يسمح بتربية هذا الحيوان في بلاد إسلامية مع العلم أنه محرم عند المسلمين والمسيحين واليهود.
رابعًا: ألا نستطيع أن نلمح ترابطاً بين هذا الظلم والطغيان الذى يحدث من الإنسان لأخيه الإنسان؛ ما حدث من قتل وتدمير في العراق وأفغانستان وفلسطين وآخرها ما حدث في غزة من قتل وجرح لأكثر من ستة آلاف إنسان، وكذلك الحصار الظالم لخمسة ملايين من البشر تحت سمع وبصر الجميع..
هذا العالم الذي رق قلبه لقرار إعدام الخنازير ولم يرق قلبه لحصار خمسة ملايين من البشر!! ولم يرق قلبه لقتل وجرح ستة آلاف من الأطفال والنساء والشيوخ!!.. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 133).
قد يستغرب هذا الطرح الكثيرون ويقولون: إن إنفلونزا الطيور أصابت دولاً إسلامية! وأقول: كأننا بذلك ننأى بأنفسنا عن الأمر، ونردد ما قاله اليهود والنصارى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ (المائدة: من الآية 18).
فنحن أيضًا لسنا بمنأى عن هذا العقاب، ونحن الساكتون على الظلم والظالمين؛ تصادر أموال الأبرياء ويسجنون، وتسلب حرياتهم ونحن صامتون.. بل يصل الأمر بالبعض لتبرير أفعال الظالمين.
إني أسطر هذه الكلمات، وأخشى على نفسي عقاب الله، فأرفع كفي بالضراعة متبرِّئاً من الظلم والظالمين ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 165).
خامسًا: كل هذا الفزع وهذا الهلع الذى أصاب الإنسان من فيروس، لا يُرى إلا بالمجهر بعد تكبيره آلاف المرات.. وكأني أذكر جنديًّا بإحدى الدول الغربية مدججًا بسلاح آلي ويلبس الكمامة، وهو يوقن أن سلاحه الآلي بل طائرته إف 16 أو دبابته الميركافا لا تستطيع أن تدفع عنه هذا الفيروس.. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام: 18).
والنبي صلى الله عليه وسلم حينما قال فيما رواه البخارى ومسلم "لا عدوى ولا طيره"، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فمن أعدى الأول؟".. لو أن الجمال عداها جمل بينها ورجعنا إلى الوراء إلى أول جمل أصيب.. من أصابه؟ إن الذي إصابة هو الله.
فهذه الفيروسات مخلوقات الله يسلطها على من يشاء من عباده.
إن الله سبحانه وتعالى قد يبتلي العباد ويمتحنهم؛ ليعلموا فقرهم إليه وحاجتهم إليه, وأنه لا غنى لهم عنه, على الرغم مما تقدموا فيه من العلم, وعلى الرغم مما تقدموا فيه من الطب, وعلى الرغم مما عندهم من المال , إلا إنه يبقى حائلاً دون كشف الكربات والاضطرار, فلا يكشف الضر إلا الله, ولا يدفع البلاء إلا الله ولا يشفي من المرض إلا الله ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾ (الشعراء).
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (62)﴾ (النمل)، إذاً فما العمل وما الحافظ لنا؟ إنه العودة إلى الله والدعاء.. فعن عثمان بن عفان رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من عبد يقول في كل صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات؛ فلن يضره شيء" (رواه الترمذي).
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة رضي الله عنه أنه قال لأبيه: يا أبت، إني أسمعك تدعو كل غداة: اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت.. تقولها حين تصبح ثلاثًا، وثلاثًا حين تمسي! فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهن.
سادسًا: إن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لا عدوى ولا طيرة, ولا هامة ولا صفر, وفرَّ من المجذوم فرارك من الأسد".
وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي هريرة أيضاً: لا يوردن ممرض على مصح.
وروى البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتهم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها".
ولما قدم وقد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يبايعوه، وبينهم رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا:ً "إنا قد بايعناك فارجع".
* وهذه هي قواعد وقوانين الحجر الصحي يدلنا عليها ويأمرنا بالعمل بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ما سبق من أحاديث يحثنا فيها النبي صلى الله عليه وسلم مع العلم واليقين أن الفيروس بذاته غير قادر على إحداث المرض بإنسان أو حيوان إلا إذا أراد الله، ولكننا مأمورون شرعًا بالأخذ بالأسباب؛ فكل ما يرشدنا إليه أهل العلم والاختصاص ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (النحل: من الآية 43)، هي واجبات شرعية واجب علينا تنفيذها، ومنها:
1- النظافة الشخصية للأيدي والبدن والطعام:
* غسل الأيدي دائمًا، وخاصة بعد المخالطة بالماء والصابون، وقد قال صلى الله عليه وسلم "الوضوء على الوضوء نور على نور"، ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم غسل الأيدي قبل الأكل وبعده.
2- قم بتغطية فمك وأنفك بالمنديل عند العطس أو السعال، وهذا من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.
3- تجنبْ لمس عينيك وأنفك أو فمك بعد ملامسة أى شيء ملوث، وقُم بغسلها بالماء والصابون.
4- تجنب العادات السيئة غير الصحية، مثل البصق على الأرض، السلام بالقبلات، إلقاء القمامة في غير أماكنها المخصصة.
5- تجنب التعامل مع الأشخاص المرضى، وإن كنت مريضًا فابتعد عن الآخرين لحمايتهم من الإصابة بالمرض.
6- الحفاظ على النظافة العامة بالمنازل والمدارس والتهوية الجيدة والأماكن العامة، وخصوصًا إذا كان من المستطاع دخول الشمس.
7- عدم تربية الدواجن والطيور بالمنازل، وخاصةً في هذه الأيام.
8- التبليغ عن أي طيور نافقه وأى إصابة بالمرض في أقرب مركز طبي أو مستشفى.
9- المبادرة بالعرض على الطبيب المتخصص، إن لاحظت أي عرض من أعراض الإنفلونزا، وغالبًا ما تكون إنفلونزا عادية ولكن الأخذ بالأحوط واجب.
10- المستوردون عليهم أن يتقوا الله، ولا يقوموا باستيراد الدواجن من المناطق الموبوءة.
11- أكثر الأشخاص عرضةً هم المخالطون للدواجن والطيور وأسواق الطيور، والفريق الصحي المتابع لحالات المرضى؛ هؤلاء لا بد لهم من الكشف الدوري وإجراء الفحوصات اللازمة.