وصلتني رسالة في ساعة متأخرة من مساء أمس الأحد تخبرني باستشهاد صديقي المهندس وائل عقيلان، وأنا بالطبع لستُ فلسطينيًّا ولا هو مصري، ولكننا التقينا معًا خلال وجوده بالقاهرة منذ أكثر من عامٍ إبَّان أزمة العالقين الفلسطينيين على الحدود المصرية مع غزة.

 

وقد تعرفتُ عليه عن طريق زوجته الزميلة أمية جحا التي عُلقت معه بعد عودتهما من البحرين التي كرمتها على أعمالها الكاريكاتيرية المتميزة، وخلال وجوده في القاهرة لفترة استمرت لأشهرٍ دار بيننا حوارات عديدة؛ عن الحصار والحسم العسكري، وحياة المجاهدين في أرض الرباط.

 

وفي البداية لم أكن أتخيل أن عقيلان مجاهد بل قائد قسامي، خاصةً أن هناك صورةً ذهنيةً محددةً عن هؤلاء المجاهدين رسمتها مخيلتي نتيجة ما نقرأه ونسمعه عنهم في وسائل الإعلام، إلا أن عقيلان أو أبو حمزة غيَّر كثيرًا منها؛ حيث برع مع زوجته في إنشاء شركة إنتاج أفلام كارتونية، وكانت باكورة إنتاجهما هذا الفيلم الذي يحكي مأساة الشعب الفلسطيني واسمه "مفتاح"، وعندما سألته عن عمله قال إنه يعمل مديرًا لشركته، فقلت ليس هذا مقصدي، ولكني أسأل عن عمله في حماس وتحديدًا في القسَّام، فأجابني إجابةً لم أنساها حتى الآن؛ حيث قال لي بتواضعٍ كبير "أحاول أن أكون مجاهدًا".

 

ومع حلول عيدي الفطر والأضحى كان كل منا حريصًا على الاتصال بالآخر لتهنئته، وفي عيد الأضحى الماضي كلمته لأسأله عن أحواله وأحوال زوجته وابنته، فقال لي إني مشتاقٌ لمصر، سألته: لماذا؟، فقال: لأني أحبها وأحب أهلها كأنها وطني وكأنهم أهلي.

 

وكانت آخر مرة تحدثنا فيها معًا بعد العدوان الصهيوني على غزة، وكان سعيدًا جدًّا ليس باتصالي به للاطمئنان عليه، ولكن لالتفاف الشعب المصري حول أهل غزة، مؤكدًا أن هاتفه وهاتف زوجته وصلتهما اتصالات كثيرة ورسائل بالمئات من أشخاصٍ مصريين لا يعرفهم؛ ولكنهم حرصوا على مشاركة أهل فلسطين محنتهم، وعاد ليكرر أنه مشتاقٌ إلى مصر، وانتهت المحادثة على وعدٍ باللقاءٍ في أُمِّ الدنيا بعد انتهاء الحرب.

 

إلا أن مصرَ غير الشعبية ضنَّت عليه، وبخلت في تقديرها له، فمنعته من تلقي العلاج العاجل واللازم؛ ليس فيها ولكن في أي مكانٍ آخر، إلا أن مصرَ الرسمية رفضت عبوره ضاربةً عرض الحائط بحالته الصحية الحرجة، وغير مصغية لحبه وعشقه لأرضها وأهلها.

 

رحم الله صديقي الشهيد، وجعل جهاده وصبره ومرضه في ميزان حسناته، وتحيةً لزوجة الشهيدين زميلتنا أمية جحا على صبرها وفوزها بشفاعةِ شهيدين كانا في الدنيا صديقين وصاحبين، وإن شاء الله في الآخرة قرينان في الفردوس الأعلى.