في تجربة جماعة الإخوان المسلمين، يقوم التنظيم بدور محوري في تاريخ الجماعة، كما يقوم بدور مؤثر في المراحل الفاصلة من تاريخها، ومنذ اللحظة الأولى تصور الإمام حسن البنا أن دعوته والفكرة التي يريد نشرها بين الناس، لن تنتشر بينهم بدون وجود التنظيم، ولذا قدَّم الإمام المؤسس فكرةً وتنظيمًا يحملان هذه الفكرة، لذا يصبح فهم دور التنظيم مسألة محورية، في مشروع، تأسس على وجود تنظيم منذ اللحظة الأولى.
والتنظيم ليس غاية بل هو وسيلة؛ مما يعني أن الإمام المؤسس رأى أن التنظيم هو الوسيلة الأساسية لتحقيق الغاية التي تبشر بها جماعة الإخوان المسلمين، وظل اهتمام جماعة الإخوان المسلمين بالتنظيم وعملية تطويره مكونًا مهمًّا من تاريخ الجماعة، وعنصرًا أساسيًّا في كل الجماعات التي أسست في الدول العربية والإسلامية، وغيرها من الدول؛ حتى بات التنظيم من الأسس التي تميز المنتمون لمدرسة الإخوان المسلمين، مع الأساس الآخر المهم، وهو الفكرة والرسالة.
حتمية التنظيم
هل بناء تنظيم مسألة حتمية لنشر فكرة؟
إذا تابعنا تاريخ انتشار الأفكار، سنجد أن هناك أفكارًا تنشر من خلال الدعوة إليها، ولكن بدون تنظيم يدعو لها، فبعض الأفكار تنشر من خلال المفكرين والدعاة الذين ينشرونها بين الناس، ولذا فالعمل الدعوي أساسي لنشر فكرة ما؛ سواء في المجال الديني أو في غيره من المجالات، ولكن عملية نشر فكرة قد تحدث من خلال تنظيم أو مؤسسة أو تيار غير منظم أو مفكر أو داعية.
لذا نرى أن ضرورة التنظيم لدى الإمام المؤسس، لم تكن بسبب أن التنظيم ضرورة لنشر الفكرة، ولكن لأسباب أخرى أهم.
والمتابع لفكرة التنظيم لدى الإمام حسن البنا، يرى أن التنظيم قام لتحقيق عدد من الأهداف، وهي، أولاً: نشر الفكرة وترسيخها وضمان استمرارها بين الناس، وهذا هو الغرض الأول، أي بقاء الفكرة وترسخها في المجتمع عبر العقود، ومن هنا ظهرت أهمية بناء تنظيم تربوي، وليس مجرد تنظيم؛ لأن التنظيم التربوي يحول الفكرة إلى واقع في حياة مجموعة من الأفراد، وتنتقل الفكرة منهم إلى الأعضاء الجدد، ثم تنتقل عبر الأجيال المختلفة التي تنتمي للجماعة، وبهذا تتحول كوادر الجماعة إلى تجسيد واقعي للفكرة، يتحقق في المجتمع كنموذج للفكرة على أرض الواقع؛ لهذا نقول إن التنظيم قدم منهجيةً تطبيقيةً لنشر الفكرة، وترسيخها، وضمان استمرارها، وانتشارها وبقائها.
الجانب الآخر لأهمية التنظيم تمثلت في جانب مهم من دعوة الإمام حسن البنا، وهو جانب التطبيق؛ لأنه لم يكتفِ بدعوة الأمة إلى الفكرة التي يؤمن بها؛ بل أراد أن يؤسس التنظيم الذي يقوم بتنفيذ هذه الفكرة على أرض الواقع، فإذا كانت فكرة الإمام البنا الأساسية هي استعادة الأمة لمرجعيتها الإسلامية، لتبني على أسسها حياتها ومستقبلها ونهضتها، فقد أسس الإمام التنظيم من أجل أن يقوم بالدور الرئيسي في تلك المهمة، ولا نقول بأن يقوم بكل الأدوار الرئيسة، فهذه مهمة الأمة كلها؛ بمعنى أن التنظيم أقيم من أجل الاضطلاع بالدور المركزي والمحوري في عملية تنفيذ مشروع استعادة المرجعية الحضارية الإسلامية للأمة، فإذا افترضنا أن تركيز الإمام حسن البنا انصبَّ على نشر الفكرة بين الناس فقط، في هذه الحالة لم يكن ليفكر في بناء تنظيم، ولكن لأنه أراد ضمان بقاء واستمرار الفكرة بين الناس، وأراد ضمان تطبيقها في نهاية الأمر، لهذا بنى تنظيمًا يتحمل تلك المسئولية.
فما هو التنظيم؟
أساسًا يمثل التنظيم مؤسسة، وكل من أراد تحقيق فكرة على أرض الواقع بنى لها مؤسسة تتبنى تلك الفكرة، وتستمر من بعده، والإمام حسن البنا كان من البناة العظام في مجال بناء المؤسسة الاجتماعية الجماعية، فمن المهم تأكيد أن المؤسسية هي الإطار الطبيعي لأي مشروع يهدف إلى تحقيق إنجازات على أرض الواقع، ولكن لأن فكرة الإمام البنا كانت تتمحور حول إصلاح الأمة وتأهيلها لاستعادة مرجعيتها الحضارية وتحقيق النهضة؛ لذا فقد بنى مؤسسة اجتماعية جماعية، وهذا النوع من المؤسسات يمثل في الواقع مؤسسة لحركة اجتماعية، أي بناء مؤسسي ينتظم الأعضاء بداخله، وينظم نشاطهم الديني والاجتماعي والسياسي، أي أن المؤسسة الاجتماعية الجماعية، هي إطار منظم للفعل الجماعي التطوعي الذي يحمل مشروعًا مجتمعيًّا ينشره ويطبقه بين الناس.
ولعله من المهم أن تأكيد بناء مؤسسة الحركة الاجتماعية، كان أحد أهم أسباب بقاء مدرسة الإخوان المسلمين، بوصفها المدرسة الرئيسية في تيار الوسطية الحضارية الإسلامية، والمؤسسة الرئيسية في مشروع استرجاع المرجعية الإسلامية في حياة الأمة وتحقيق وحدتها ونهضتها.
حتى يبقى التنظيم وسيلة!
البعض يتصور تأكيد أن التنظيم وسيلة وليس غاية يتأكد من خلال احتمالين، الأول هو التضحية بالتنظيم من أجل إصلاح حال الأمة، والثاني هو التضحية بالتنظيم إذا كان عائقًا أمام حرية نشر الدعوة.. وأظن أن هذين الاحتمالين، ينفيان أساسا ضرورة وجود التنظيم، فهذه الرؤى تقوم أساسًا على أن التنظيم ليس فقط وسيلة، بل هو في الواقع قد لا يكون الوسيلة المناسبة أساسًا.
وفي تاريخ الأمم والشعوب، بل في تاريخ الحركات الاجتماعية، وأيضًا في تاريخ دعوات التجديد الديني خاصة، كانت التنظيمات هي المحضن الرئيسي الذي يبنى المشروع ويقيمه على أرض الواقع، وفي الكثير من دعوات التجديد الديني، كانت التنظيمات الرئيسية في عملية نشر الفكر، هي التي تتحول بعد ذلك إلى المؤسسات الأساسية التي تحمي الفكرة وتدير حركتها على أرض الواقع، حتى بعد تحققها التاريخي الواقعي.
نقصد من ذلك، أن التنظيم يمثل المؤسسة المركزية لنشر الفكرة وتطبيقها وضمان استمرارها، وهو يقوم بهذا الدور في كل المراحل، حتى بعد انتشار الفكرة بين الناس، وحتى بعد تحولها إلى الفكرة الغالبة في المجتمع.
لذا نرى أن التنظيم وسيلة وليس غاية، ويجب الحفاظ على الفارق بين الوسيلة والغاية، ولكن تأكيد أن التنظيم وسيلة وليس غاية، لن يتأتى بحل التنظيم، لأن معنى حل التنظيم هو الاستغناء عمليًّا عن تحقيق الغاية.. ونقصد من هذا أن استمرار بقاء جماعة الإخوان المسلمين بوصفها حركة اجتماعية لها تنظيم؛ هو من ضرورات استمرار مشروع استعادة المرجعية الحضارية الإسلامية في حياة الأمة، وبقاء التنظيم حتى بعد تحقق استرجاع الأمة لمرجعيتها ووحدتها ونهضتها ضروري أيضًا؛ لأن التنظيم يظل مؤسسة اجتماعية جماعية، تعمل من أجل نشر وتطوير وتعميق المشروع الحضاري بين الناس، وتعمل أيضا على نقله بين الأجيال.. والمشروع الحضاري يحتاج في البداية إلى نشر فكرته، ثم إلى تنفيذ أسسه على أرض الواقع، ثم بعد ذلك يستمر تطور المشروع.
لذا نرى أن الوسيلة الجيدة هي التي تحقق غايتها، والتنظيم يقوم بدوره بفاعلية عندما يحقق على الأرض إنجازات تُقرِّب الحركة من تحقيق غايتها، وإذا توقفت عملية تحقيق الأهداف والإنجازات المرحلية، هنا يلزم إعادة تطوير التنظيم حتى يقوم بدوره بفاعلية، فكل ما يؤثر على فاعلية التنظيم في تحقيق أهدافه، يمثل مشكلات يمر بها التنظيم، وتحتاج إلى إعادة تطوير التنظيم.
والتنظيم يتحول إلى غاية في حد ذاته، إذا أصبح مكتفيا بذاته، وإذا أصبح يمثل نموذجًا بديلاً عن الأمة، وإذا أصبح أعضاؤه يكتفون بأن يكونوا نموذجًا للفكرة التي يبشرون بها، وتوقف دور التنظيم في إصلاح الأمة ونشر الفكرة بينها؛ لذا فإن استمرار نضال التنظيم من أجل إصلاح الأمة، وإصلاح النظم السياسية، هو العامل الفاعل لبقاء التنظيم وسيلة لغاية تتجاوزه، وهي تحقق فكرته في حياة الأمة.