الصورة غير متاحة

شعبان عبد الرحمن

 

كأنَّ الحصارَ الملعون قد انكسر عنها، وكأن بيوتها ومساجدها ومستشفياتها ومدارسها لم تدمر، وكأن مزارعها ومصانعها لم تخرب.. وكأنها لم تتعرض لأبشع محرقة أصابت الحجر والشجر قبل البشر.

 

وهكذا تعيش غزة اليوم في بحار الصمت، تئن تحت الحصار؛ وبينما يستميت المحاصِرون في إحكام الحصار أملاً في إسقاطها انكفأ أهلها على أنفسهم وهم يستمدون مئونة الصبر والصمود من المنتقم الجبار، بعد أن شبعوا احتجاجًا ومناشدة بفك الحصار فلا مجيب، اللهم إلا تلكم القوافل القادمة من الغرب!.

 

لقد انعقدت إرادة الحلف الصهيوني على مواصلة الحصار؛ بل وتشديده على البوابات والأنفاق، وتوسيع ذلك الحصار في البر والبحر والجو حتى لا تفلت قنينة مياه، أو كيس طحين، أو كوب حليب، ولو تمكنوا من منع الهواء لفعلوا.

 

وانعقدت إرادة الحلف الصهيوني على بقاء الوضع على ما هو عليه.. غزة مدمرة.. جائعة.. تموت في صمت؛ حتى يرضى قادة الصهاينة، وتسلم غزة إلى السيد محمود عباس ليعيد إعمارها وفق الخريطة التي هندسها الصهاينة، ثم يفك عنها الحصار بالتوافق مع أصدقائه مقابل إدماجها في معسكر الذل والهوان والاستسلام.

 

فك الحصار مقابل الخروج من المعركة.. وبناء ما تم تدميره مقابل نسيان بقية الوطن.. والحياة الطبيعية مقابل التطبيع مع العدو!.

 

لقد تابعنا عقب انتهاء المحرقة الصهيونية المؤتمر الدولي لإعمار غزة الذي انعقد في شرم الشيخ (2/3/2009م)، وتابعنا كمّ المليارات التي تم الإعلان عنها من العالم العربي والدول الأوروبية حتى بلغ إجمالي المبالغ المرصودة خمسة مليارات دولار، بينما تشير التقديرات إلى أن الإعمار يحتاج إلى ثلاثة مليارات فقط، لكن مؤتمر شرم الشيخ كان كريمًا جدًّا.. ولم لا.. ما دام الكلام في الهواء؟.. ولم يتمخض جبل شرم الشيخ حتى عن رِجْل فأر.. لم يصل غزة دولار واحد من هذه المليارات، وما وصل هو مزيد من الحصار، والتجويع، والمساومة على أرض الوطن، والتخلي عن المقاومة، وما زال الموقف ثابتًا عند ذلك الحد دون تحرك.

 

لقد تفاءلنا كل شر من مؤتمر شرم الشيخ، ولم يتطرق إلى نفوسنا بصيص أمل من أن يقدم خيرًا لغزة، فقادة ذلك المؤتمر ومقاعده الرئيسة هم الذين صنعوا محرقة غزة.. منهم من حرَّض، ومنهم مَن ساند الصهاينة سياسيًّا وعسكريَّا، ومنهم من لزم الصمت حتى تتم الجريمة الشنعاء.. فلما لم تنهزم غزة بـ"النار" عقدوا العزم دون كللٍ أو مللٍ على هزيمتها "بالدولار"، فكان ذلك المؤتمر كصفقة مغرية لشرائها بأهلها وأرضها وإنجازاتها ومقاومتها، وكان الإغراء بتحويلها إلى "عروس الشرق" شريطة أن تكون في يد "عباس" أي في جيب الصهاينة.. فارتدت الصفقة الفاسدة إلى صدور أصحابها.. وفضلت غزة العيش جوعًا على أن تفرط في شرفها ووطنها "فلسطين".. وما زالت الحرب والمحرقة مستمرة بصورة أبشع.. ولكن في صمت.. ونحن معشر الشعوب الإسلامية لا نتحرك إلا عندما نرى النار عيانًا بيانًا، أما إن كانت بعيدة عن الأنظار حتى وإن كانت أشد لهيبًا فلا حراك.

 

يقولون: إن كل شيء جاهز لإنقاذ وتعمير غزة؛ ولكن علينا الانتظار لما سيسفر عنه حوار القاهرة بين فتح وحماس.. وكل ذلك تضييع للوقت، فالمرسوم لحوار القاهرة أن يصب في خانة إضعاف حماس وإزاحتها ولو جزئيًّا، والتمكين لفريق التطبيع من العودة إليها أكثر قوة.

 

بالطبع فنحن نتابع حوار القاهرة، وكلنا أمل في ألا تؤول نتائجه إلى الفشل، وأن يحقق أي خطوة جديدة على طريق المصالحة، لكن كيف يتسق ذلك الأمل مع ما نشرته صحيفة (هآرتس) الصهيونية عشية جولة الحوار الأخير؟.. كاشفة أن أجهزة الأمن "الإسرائيلية" راضية عن أداء أجهزة الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية، ومؤكدةً أن التعاون والتنسيق الأمني والمدني بين الجانبين مستمر مع حكومة "نتنياهو"، كما كان في عهد سلفه "إيهود أولمرت".

 

وأشارت الصحيفة إلى تكثيف أجهزة أمن السلطة من عملياتها في الأسابيع الأخيرة ضد الفصائل الفلسطينية المقاومة؛ وفي مقدمتها حماس؛ حيث كشفت معامل للمتفجرات، ولاحقت الخلية التي نفذت عملية "غور الأردن"، التي أدَّت إلى مقتل 2 من الشرطة الصهيونية.

 

ترى.. هل يمكن أن يتمخض الحوار عن شيء حقيقي يفيد القضية الفلسطينية ما دامت السلطة غارقة في الخندق الصهيوني، حيث تقوم بالنيابة عن الصهاينة بمطاردة واعتقال المجاهدين ومصادرة سلاحهم.. وكل ذلك مجانًا دون أي مقابل.. اللهم إلا الإشادة والتصفيق الإعلامي لأجهزة السلطة المغوارة!!.

--------------------

* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية Shaban1212@gmail.com