- "زرائب" الخنازير قد تتحول إلى معامل مجهزة لتحور كارثي جديد للفيروس

- نحن على أعتاب وباء عالمي ولا مجالَ للتلاوُم أو الاتهام

- مصر تستطيع إنتاج مصل لمكافحة المرض إذا أرادت

- فيروس المرض ينتقل عن طريق الجهاز التنفسي فقط

- أدوات الذبح لا تنقل عدوى مرض إنفلونزا الخنازير

- التصعيد الإعلامي واستخدام العناوين المثيرة خطأ كبير

 

حوار- إسلام توفيق:

"H1N1" هو الفيروس المنتشر في العالم والمسمى "إنفلونزا الخنازير".. انتشار ذلك الفيروس جعل منظمة الصحة العالمية ترفع مستوى تأهبها إلى الدرجة الخامسة من أصل ست درجات؛ خوفًا من تحوله إلى وباءٍ عالمي.. وهو الوباء الذي شهد أول ظهور له عام 1918م في إسبانيا، وراح ضحيته نحو 50 مليون شخص؛ معظمهم في إسبانيا والهند، واجتاح خمس سكان العالم، ثم تطور عام 1957م، وحصد الملايين فيما عُرف وقتها بـ"الحمى الأسيوية" لظهوره وانتشاره في أسيا، كما تحوَّر في عام 1968م وحصد الملايين في هونج كونج.

 

فيروس إنفلونزا الخنازير عاد من جديدٍ ليهدد العديد من دول العالم؛ حيث تجاوز عدد المصابين به المئات في 11 دولة- بحسب أحدث تقريرٍ لمنظمة الصحة العالمية- ومات ما يقرب من 15 شخصًا حتى الآن.

 

(إخوان أون لاين) التقى الدكتور محمود عزت، أستاذ علم الكائنات الدقيقة والمناعة بكلية الطب بجامعة الزقازيق، والأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين؛ في حديث حول طبيعة هذا الفيروس القاتل بصفته الباحث في مجال مقاومة عدوى المستشفيات في مصر وفي بريطانيا، فضلاً عن أبحاثه في الأمراض الوبائية في مصر، مثل الالتهاب السحائي الوبائي، ووباء الكوليرا.. فإلى تفاصيل الحوار:

* بدايةً د. عزت، إنفلونزا الخنازير، هل لها علاقة بإنفلونزا الطيور؟

** الحقيقة، تمثل إنفلونزا الخنازير تطورًا خطيرًا في الكائنات والفيروسات الضارة، وطوال السنوات الست الماضية كنا نتخوف من إنفلونزا الطيور وتحورها وتحول فيروساتها إلى كائنات تنتقل من الحيوان إلى الإنسان، ومن ثم انتقالها من الإنسان إلى الإنسان، والآن نحن في بداية احتمال وباء، وهي المرحلة الرابعة؛ وهو انتقال المرض من إنسانٍ إلى إنسان.

 

* وكيف تحور الفيروس من ميكروبات أقل ضررًا ليصل إلى (H1N1) الأكثر فتكًا؟

** حتى الآن لم تتحدد درجة ضراوة هذا الفيروس، وإن كان انتقاله من الإنسان إلى الإنسان تأكد؛ فالأخطر أن هذا الفيروس يمكن تكون دورة حياته من إنسان إلى إنسان على شكل وبائي من إنسان إلى الخنزير، ثم من الجنزير إلى الإنسان مرة أخرى، وهذا يوسع من دائرة الوباء فى كل البشر والخنازير.

 

الفيروس من الكائنات الدقيقة التي لا تتكاثر إلا داخل الخلية؛ حيث إنه لا يمكنه إنتاج الحمض النووي الذي يمكنه من عملية التحوُّر؛ مما يجعله ينقض على الخلايا، ويسيطر على الحمض النووي الموجود فيها، لينتج منه هذه الكائنات، وهذه الطريقة من التكاثر تعني أن هناك نوعين من الفيروس من الممكن أن يصيبوا الكائنات الحية.. أولها هي الفيروسات غير المحورة، وثانيها الفيروسات التي تُحدث نوعًا من التحور فى داخل جسم الإنسان أو الحيوان، وهذا ما دفعنا- منذ سنتين تقريبًا- إلى عقد مؤتمر صحفي، فضلاً عن تحذيرنا من أن تصل إنفلونزا الطيور إلى الخنازير؛ مما يسهل عملية التحور، خاصةً أنه سيخرج نوعًا جديدًا من الفيروسات؛ وهذا التحور قد حدث بالفعل.

 

 الصورة غير متاحة

خطر داهم يهدد سكان مناطق تربية الخنازير

* منظمة الصحة العالمية رفعت مستوى التحذير إلى الدرجة الخامسة.. هل تتوقع أن يتحول مرض إنفلونزا الخنازير إلى وباء؟

** ارتفاع مستوى التحذير في منظمة الصحة العالمية يؤكد أن الأمر خطير للغاية، خاصةً أن الفيروس بدأ ينتقل من إنسانٍ إلى آخر دون عائل، وأصبح من الأمراض الجديدة على الإنسان، التي لا تعرف كيف يتصرف معها أو يتعامل فيها، والتي لا تجعل أمامه إلا أن يجمع المعلومات حول هذا الفيروس، واستخراج مصل علاجي له، وأن يتوجه إلى الله عز وجل أن يكون هذا الفيروس محدود التأثير على الإنسان.

 

* هل تحريم الإسلام للحوم الخنزير بسبب ما يسببه من أمراض؟

** ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: من الآية 157) بالفعل، الله عز وجل يخبرنا أنه ما من شيءٍ حرَّمه إلا وهو خبيث ضار، سواء كان هذا الضرر كلي أم جزئي ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (البقرة: من الآية 219) ، فعلى الرغم من عملنا بالأمراض والفيروسات التي تنتقل من الخنزير، إلا أننا لم نكتشف هذا الفيروس الجديد والفتاك إلا هذه الأيام.

 

فكل يوم نرى آيات الله سبحانه وتعالى في حظر هذا الحيوان القذر، ولكن نحن منذ البداية على يقينٍ بأن الله سبحانه وتعالى لم يُرد لنا إلا الخير؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: من الآية 157)، فلا شك أن الشرع جاءَ ليعين البشرية كلها أن تحيا حياةً طيبة، ويبعد عنهم كل هذه الأمراض.

 

 
* يؤكد عدد من الأطباء البيطريين أنه سوف يموت ما يقرب من 18 مليون مواطن في غضون أيام قليلة إذا وصل إلينا هذا الفيروس.. فهل هذا صحيح؟

** هذه مسألة متوقفة على قدر الله سبحانه وتعالى في كون جسم الإنسان ذا طبيعة تستطيع أن تقف ضد هذا الفيروس وأن تواجهه، أم أنه لن يستطيع، خاصةً أن جسم الإنسان لم يتعرض إلى هذا النوع من الفيروس من قبل، وبالتالي فالأمر متوقف على المناعة الموجودة في الجسم، التي وهبها الله للإنسان، ثم على لطف الله بعباده.

 

وأحب أن أذكر أن الأوبئة التي حدثت في التاريخ من أمراض الفيروسات طالت أضعاف من قُتلوا في كل الحروب التي جرت في تاريخ البشر، وكثير من الناس ماتوا نتيجة الأوبئة، فمسألة هذا العدد يصعب تحديده، ونسأل الله اللطف.

 

ونحن لا نريد أن ينتشر بين الناس شيء يجعلهم في حالة قلق، وإنما نرجوهم أن يأخذوا حذرهم، وأن يأخذوا الإجراءات الوقائية، دون أن نسبب في حالة هلع؛ لأن هذه الحالة مضرَّة لكل من يصل إليها؛ مما يجعله يقوم بأعمال غير مسئولة تعود عليه بالضرر.

 

* معنى ذلك أن المناعة الموجودة في جسم الإنسان يمكن أن تكون مصدرًا لمقاومة هذا الفيروس؟

** مسألة المناعة متوقفة على قدر الله عز وجل في الوسائل التي يفتك بها هذا الفيروس بالجسم، وكلما كانت هذه الوسائل معقدة وكثيرة فسنجد أن عدد الوفيات يزداد؛ مما يعني أن المناعة لم تستطع مواجهة هذه الوسائل الشرسة، ونحن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون الفيروس من النوع الذي تستطيع مناعة الجسم التعامل معه والتخلص منه.

 

العدوى بالجهاز التنفسي

 

 الصورة غير متاحة

عمليات تطهير لإحدى مزارع الخنازير في مصر

* إنفلونزا الطيور لا تنتقل بأكل هذه الطيور بعد طهيها، فهل تنتقل إنفلونزا الخنازير إذا ذُبحت هذه الخنازير وطُهيت؟

** إنفلونزا الخنازير لا تنتقل إلا عن طريق الجهاز التنفسي فقط، وليس للجهاز الهضمي أي دخل في نقل هذه الإنفلونزا، ولكن أحب أن أنوِّه على أن تحريم أكل لحم الخنزير لا تتوقف على كثرة الأمراض التي يسببها لحمه فقط.

 

* هل إعدام الخنازير هو الحل؟

** الحقيقة أن التصرف حيال مزارع الخانزير كان من المفترض أن يحدث منذ زمن طويل، منذ أن بدأت إنفلونزا الطيور؛ حيث إنها بؤرة للوباء، وكان يجب وقتها اتخاذ الإجراءات السريعة؛ حتى لا يتطور الفيروس.

 

نحن نريد أن نتخلص من هذه الخنازير لأكثر من سبب، أولها أنه كلما زاد عدد الخنازير أعطينا فرصة لانتشار هذا الفيروس، سواء للخنازير أو للإنسان، فكلما قلَّلنا عدد المصابين بالفيروس استطعنا الحد من انتشاره، فضلاً عن أن الخنازير لا يجب اقتناؤها، ولا ينبغي تربيتها، فالتخلص من هذه الخنازير واجب؛ خصوصًا تلك التي تكون على مقربة من التجمعات السكنية.

 

وثاني هذه الأسباب أننا لا نريد أن نفاجأ بتحور جديد للفيروس يبدأ من مصر، فقد يكون هذا التحور الذي يصيب الإنسان، نسبة الوفيات به قليلة، فقد نفاجأ أن التحور الجديد يفتك بالبشر.

 

أما ثالث هذه الأسباب فهو وجوب قطع حلقة الصلة بين الخنازير والمواطنين، فقد ارتبطت تربية الخنازير ارتباطًا وثيقًا بالقمامة وعمال القمامة المنتشرين في كل البيوت، فهم يحتكون بالخنازير احتكاكًا مباشرًا ويحتكون بالمواطنين احتكاكًا مباشرًا، أثناء مرورهم على البيوت؛ وهو الأمر الذي يجعلهم موصلاً للمرض في حالة إصابتهم.

 

* هل فَشَلُ مصرَ وتماطلها في القضاء على إنفلونزا الطيور يعرضها لخطر جديد، اسمه إنفلونزا الخنازير؟

** مصر معرضة مثل أي بلد أن يصلها هذا المرض الخطير؛ ولذلك يجب علينا أن نتكاتف معًا؛ حتى نواجه هذا المرض، فهناك إجراءات مطلوبة من السلطة التنفيذية، وإجراءات أخرى في الناحية الشعبية، ولا بد أن يتكاتف الجميع حتى نقف أمام هذا الخطر، فلا تلقي الحكومة العبء كله على الشعب، ولا يلقي الشعب الكرة في ملعب الحكومة ويقف متفرجًا.

 

نحن الآن أمام خطر، يجب أن نعلم أنه في قدر الله عز وجل، ولكلٍّ دور أساسي في مواجهة هذا الخطر، فليس الآن وقت التلاوم أو نقل العبء على أحد، ولكنه وقت العمل معًا لمواجهة الأزمة، سواء في توعية الشعب أو تطوير وسائل وأمصال المقاومة.

 

 الصورة غير متاحة

إنفلونزا الخنازير مرض يهدد أغلب البشر على ظهر الكرة الأرضية

كما أننا نتصور أن كل مَن له صلة بعموم الناس، عليه واجب وطني بتوعية الشعب، فأئمة المساجد وأساتذة الجامعات والمدرسون في المدارس، وكل من هو صاحب توجيه، واجب عليه أن ينشر هذه التوعية.

 

كما أن هذا ليس وقت التصعيد الإعلامي ونشر العناوين التهويلية والمثيرة، والمهولون هم الذين يتسببون في إصدار قرارات غير معقولة وغير مسئولة؛ مثلما حدث في إنفلونزا الطيور، حتى إن بعض المفسدين تاجروا بمآسي الناس حتى يستفيدوا منها.

 

* الأفضل مواجهة هذا الفيروس بمصل أم بإعدام الخنازير؟

** حتى الآن ليس لدينا مصل يقي الإنسان من هذا التحور الجديد للفيروس، وأحسن أنه لن يكون لدينا هذا المصل قبل 4 أشهر، وما بيدنا الآن هو مصل للنوع الذي يصيب الخنازير، ولكن نسأل الله ألا يتحور هذا الفيروس ويكوِّن مناعة ضد هذا المصل.

 

* ذبح الخنازير في مجازر آلية مع المواشي هل يمكنه نقل المرض؟

** استخدام آلات الذبح لا تنقل الفيروس، ولكن عمومًا كثرة حركة الخنازير تجعل من المكان الموجود فيه مكانًا مُعَرّضًا لانتشار الفيروس.

 

* هل تستطيع مصر إنتاج مصل لمكافحة فيروس إنفلونزا الخنازير؟

** هذا يحتاج إلى جهد كبير، ونحن في مصر لدينا علماء ورجال لديهم العلم والمثابرة والقدرة على إنتاج هذه الأمصال، ولكنهم في حاجةٍ إلى التشجيع والمد بالمستلزمات والأموال لإنتاج هذه الأمصال.

 

* التحور الجديد لإنفلونزا الخنازير ماذا يمكن أن يكون؟

** لا أحدَ يستطيع التوقع، فقد يتفاقم ويهدد البشرية وقد يتحول بالعكس ويصبح مرضًا عاديًّا يمكن السيطرة عليه.

 

* كيف يمكن الوقاية من هذا الفيروس الفتاك؟

** يجب أن يتكاتف الجميع لمواجهة هذا الفيروس، بدايةً من الجهة التشريعية إلى الجهات التنفيذية والأمنية إلى الإعلام مرورًا بالسياسيين، ونهايةً بالشخص العادي الذي يجب أن يتحلى بالنظافة الشخصية، ولا ننسى اللجوء إلى الله عز وجل أن يُبعد عنا كل شر وكل خطر.