- إمكانيات الحكومة لا تكفي لتنفيذ القرار
- فرصة لتهريب الحيوان وانتشار الوباء
- لعبة حكومية لتقليل تعويضات المربين
تحقيق- خالد عفيفي:
انتقد الخبراء البيطريون قرار الحكومة المصرية بذبح جميع الخنازير الموجودة في مصر للوقاية من انتشار فيروس إنفلونزا الخنازير (H1N1) القاتل، وأكدوا أنه قرار خاطئ بكل المقاييس، مطالبين بالاستجابة إلى نداءاتهم المتكررة بإعدام الخنازير في أماكنها ودفنها بالطرق العلمية السليمة.
وقال الخبراء: إن مصر لا تمتلك القدرة الاستيعابية لحفظ كميات اللحوم الناتجة عن الذبح، فضلاً عن العدد القليل للأطباء البيطريين المطلوب منهم توقيع الكشف الطبي على الخنازير، موضحين أن عملية الذبح سوف تستغرق وقتًا طويلاً يمكن من خلاله انتشار الفيروس بشكلٍ سريع إذا كان موجودًا، بالإضافة إلى مخاوفهم من تهريب أصحاب الحظائر للخنازير في مناطق مجهولة إلى الحد الذي توقع فيه أحد الخبراء إمكانية أن يذبح هؤلاء المهربون الخنازير ويبيعونها على أنها لحوم ماعز أو ضأن!.
ورأى الخبراء أن قرار الحكومة ما هو إلا لعبة جديدة لتقليل التعويضات المفروض دفعها لأصحاب "الزرائب" ومربي الخنازير والتي تُقدَّر بحوالي 500 مليون جنيه، ضاربةً عرض الحائط بحياة المصريين المعرضة للخطر لما أبداه الخبراء من أسبابٍ لرفض قرار الذبح.
(إخوان أون لاين) استطلع آراء الخبراء البيطريين حول قرار وزير الصحة والطريقة المثلى للوقاية من هذا الوباء المنتظر.
بدايةً يقول الدكتور محمد سيف أستاذ الطب البيطري بجامعة بني سويف: إن ذبح الخنازير في أماكنها أمر مستحيل؛ لأنه سوف يؤدي إلى تلوث لحومها بالقمامة ناهيك عن أن تلك اللحوم بها أمراض وأضرار بالأساس.
وأضاف أن الحكومةَ لا تمتلك الثلاجات اللازمة لاستيعاب كمية اللحوم المذبوحة، كما أن المجازر طاقتها الاستيعابية تقل كثيرًا عن تلك الكميات.
![]() |
|
د. محمد سيف |
ويشدد د. سيف على أن المسألة الأكثر خطورةً تكمن في إمكانية تهريب الخنازير إلى المناطق الصحراوية في المقطم ووادي النطرون؛ الأمر الذي يُهدد بانتشار الوباء وعدم إمكانية السيطرة عليه إذا كان موجودًا في خنزير أو أكثر؛ وذلك بسبب عدم القدرة على الوصول إليها وتوقيع الكشف الطبي عليها.
ويؤكد أن الأولى في التعامل مع الأزمة هو إعدام الخنازير، ودفنها في أماكنها بطريقةٍ علميةٍ صحيحة عن طريق ما يُسمَّى بـ"حقنة الرحمة"، ثم وضع طبقتين من الجير الحي تحت وفوق الخنازير الموضوعة في أكياس بلاستيكية قوية.
ويقترح عدة خطوات يجب أن تتخذها الحكومة في حال أصرَّت على ذبح الخنازير، وهي الكشف الطبي المشدد على جميع الخنازير؛ للتأكد من خلوها من الفيروس من عدمه، ثم توفير المجازر والثلاجات المناسبة للذبح والتخزين.
ويقول: إننا الآن في صراعٍ مع الزمن فكل يوم تظهر إصابات جديدة في أماكن متفرقة من العالم، وتضعنا تلك التطورات أمام تهديدين أحدهما داخلي وهو إمكانية تطور الفيروس داخل الخنازير دون علم أحد، وثانيهما الخارجي والمتعلق بدخول أحد من حاملي الفيروس إلى مصر من البلاد التي ظهر فيها.
ويشدد في هذه النقطة على ضرورة الرقابة الأمنية الحذرة على الموانئ والمطارات خشيةَ انتقال الفيروس عن طريق الوافدين، إضافةً إلى ضرورة التوعية الإعلامية للجماهير بحجم وخطورة الأزمة وكيفية التعامل مع الفيروس، وحثهم على المشاركة في التخلص منه.
فرصة للتهريب
ويؤكد الدكتور سامي طه عضو مجلس النقابة العامة للأطباء البيطريين أن الحكومة المصرية تصدر قراراتها دون اللجوء إلى المختصين في الطب البيطري؛ لمعرفة آرائهم باعتبارهم أهل اختصاص، مشيرًا إلى أن الحكومة اتخذت قرار ذبح الخنازير في لحظة انفعالية كأنها "تمشي على يديها".
د. سامي طه
ويستنكر د. طه ما قاله الدكتور مفيد شهاب في جلسة البرلمان بأن الحكومة ستبدأ بذبح جميع الخنازير وتجميد لحومها، ولكن إذا حدث وظهرت حالة بشرية واحدة سوف نقوم بالإعدام، مشددًا على أنه لا يجوز فنيًّا على الإطلاق ذبح الخنازير إلا في أماكن مخصصة لذلك.

وندد بكلام الوزير قائلاً: "المسألة ليست مرتبطة بحالة إصابة أو حالتين؛ لأن وجود حالة إصابة واحدة يعني بؤرة مرضية شديدة الانتشار".
ويرد د. طه على الدعاوى التي تشير إلى أنه لا توجد أي دولة في العالم أعدمت الخنازير بأن "زرائب" الخنازير في مصر عشوائية وغير مراقبة بيطريًّا، ولا يوجد لها مثيل في العالم، بالإضافةِ إلى أن تلك "الزرائب" تشكل منظومة تلوثية تختلط فيها الخنازير مع الكلاب والطيور والذباب الذي يمكنه نقل الفيروس بسهولة.
ويضيف أنه من الناحية الجغرافية فإن القاهرة الكبرى محاطة بتسع نقاط تُشكِّل حزامًا من حظائر الخنازير العشوائية، كاشفًا النقاب عن وجود أعداد من الخنازير في محافظات المنيا والسويس وكفر الشيخ "وما خفي كان أعظم".
ويحذر د. طه من خطورة أن يقوم أصحاب "الزرائب" بتهريب الخنازير إلى الجبال والمناطق الصحراوية بعد سماعهم قرار الحكومة وذبح خنازيرهم في السر وبيعها على أنها لحوم ضأن، مشيرًا إلى اكتشاف مديرية الطب البيطري بالقاهرة في مايو 2008 لجزارٍ بمنطقة منشأة ناصر يذبح الخنازير ويبيع لحومها على أنها لحوم ماعز وضأن.
خدعة حكومية
عدد من أصحاب مزارع الخنازير

ويقول الدكتور حامد عطية أستاذ أمراض الباطنة بطب بيطري الزقازيق أن الحكومة لجأت إلى قرار ذبح الخنازير بهدف تقليل التعويضات لأصحاب "الزرائب"؛ لأنهم في هذه الحالة سوف يستفيدون من لحومها، وبدلاً من 1000 جنيه تعويضًا عن كل خنزير سيكون التعويض 100 جنيه فقط.
ويشير إلى أن عملية الذبح نوع من التخلص من الفيروس والحيوان في نفس الوقت، مؤكدًا أن تلك العملية تستغرق وقتًا طويلاً؛ حيث سيكون من الضروري توفير الثلاجات اللازمة لتجميد اللحوم المذبوحة؛ مما سيضاعف من مدة التخلص من الفيروس؛ الأمر الذي قد يترتب عليه انتشار الفيروس.
ويضيف أن مخلفات الذبح يجب دفنها في حفر كبيرة بالمناطق الصحراوية على 3 طبقات كالتالي (ربع متر جير حي، ثم المخلفات، وربع متر جير حي، ثم متر تراب.
ويؤكد د.عطية أن عملية تهريب الخنازير متوقعة خلال تلك الفترة، مطالبًا الدولة باستخدام كل طاقتها ووسائلها المتاحة في الجيش والشرطة لمحاصرة وتتبع ومراقبة السيارات التي من الممكن أن تهرب الخنازير.
وحول المشكلة الناتجة من القمامة التي كانت تتغذى الخنازير عليها يطالب د. عطية بتدوير القمامة أو حرقها في أماكن واسعة، كما يحدث في مدينة الزقازيق ومحافظات أخرى، حيث لا تتعدى هذه القمامة نسبة 1/100 من القمامة الموجودة في مصر، وطالب الأجهزة الإدارية في كل محافظة تشغيل الـ10 آلاف العاملين في تربية الخنازير في جمع القمامة وتدويرها، أو تعويضهم ماديًّا أو حتى توفير فرص عمل مناسبة لهم.
معايير غائبة
ويؤكد الدكتور عادل عبد العظيم أستاذ الأمراض المعدية بكلية الطب البيطري جامعة القاهرة أنه من الصعب تنفيذ عملية ذبح الخنازير، مشيرًا إلى مجموعة من الأسئلة والمعايير كان من الواجب على صانع القرار أن يضعها أمامه قبل اتخاذه.
وأوضح أن أماكن ذبح الخنازير محدودة جدًّا؛ حيث لا يوجد سوى مجزرين مخصصين في القاهرة والإسكندرية، فضلاً عن الطاقة الاستيعابية لكميات اللحوم المذبوحة، والتي لا يوجد ثلاجات كافية لوضعها فيها.
![]() |
|
إحدى مناطق تربية الخنازير في مصر |
ويضيف د. عبد العظيم أن عددَ الأطباء الذين سيقومون بتوقيع الكشف الطبي قليلون وإمكانية ذبح أعداد كبيرة يوميًّا مفقودة، مشددًا على أن كل العوامل السابقة من شأنها أن تؤخر من عملية التخلص من الخنازير؛ مما يهدد بانتشار الفيروس لو ثبت إصابة أي حيوان بها.
ودعا إلى السرعة في تنفيذ إعدام الخنازير في أماكنها بالطرق العلمية السليمة قبل تهريبها إلى أماكن أخرى يصعب على الجهات التنفيذية العثور عليها، مؤكدًا توافر إحصائية دقيقة عن عدد الخنازير في مصر، وأماكن وجودها، مشيرًا إلى وجود خنازير تُربى في المنازل جنبًا إلى جنب مع الطيور.
ويطالب د. عبد العظيم الحكومة بتوفير وسيلة للإعدام الآمن للخنازير؛ كالحقن التي تقتل الخنزير في دقائق، وكذلك الوسيلة التي سوف تستخدمها في نقل الخنازير الميتة وأماكن دفنها أو حرقها، وكيفية تطهير الحظائر بعد الإعدام.

