مع استمرار تداعيات الأزمة المالية العالمية، وتفاقم أزمة تسريح العمالة المصرية في عددٍ من الدول العربية والأجنبية، ومع تأزم الموقف الاقتصادي والصناعي المصري.. عاد الحديث عن أهمية دور التعليم الفني والتدريب المهني في توفير المهارات والقدرات المتناغمة مع متطلبات التنمية، ورفع الوضع المتردي لمتطلبات سوق العمل في مصر.
ورغم ازدياد معدلات التضخم والفشل الاقتصادي المستمر الناتج عن غياب الدور الصناعي المؤثر في العملية التنموية، إلا أن التعليم الفني لم يحظَ بالاهتمام المناسب لفترات طويلة، لانشغال المجتمع بصورة أكبر بالتعليم العام سعيًا وراء وضعٍ اجتماعي أوجه من الناحية الشكلية دون الواقعية في ظل التخبط الحكومي المستمر في التعامل مع الأزمات سواء كانت اجتماعيةً أو سياسيةً أو اقتصاديةً.
ويأتي الاهتمام بالتعليم الفني في هذه الآونة استجابةً للضرورات الحتمية التي تفرضها التحديات العالمية المعاصرة، ومجتمع المعرفة، الذي غيَّر طبيعة سوق العمل ووضع شروطًا جديدةً.
وينقسم التعليم الفني إلى ثلاثة أقسام هي: الصناعي والزراعي والتجاري، وتنقسم تلك إلى تخصصات فرعية تصل إلى أكثر من 110 تخصصات في الصناعي وحده، ويبلغ الطلاب الملتحقون بالتعليم الفني في مصر ما يقرب من ضعف أعدادهم في التعليم العام، فبينما يلتحق بالتعليم العام مليون وثلاثمائة ألف طالب، يبلغ عدد الطلاب بالتعليم الفني مليونين وربع المليون طالب، أي أن نصيب التعليم العام هو 36% من العدد الإجمالي مقارنة بـ64% للتعليم الفني مقسمةً إلى 30% صناعي و8% زراعي و26% تجاري.
وكشفت الدراسات الميدانية أن حوالي 7.11% من العاملين واجهوا صعوبات عند مزاولة المهنة من حيث التعامل مع التجهيزات والمعدات وغيرها من متطلبات العمل، وأن الغالبية العظمى منهم هم مَن حملة الشهادة الجامعية، وما يعلوها بنسبة 9.60% ويليها دبلوم ما بعد الثانوية 7.26% والثانوية الفنية والمهنية 5.7%، وأخيرًا مراكز التدريب المهني بنسبة 9.4%.
وتعتبر صعوبات تشغيل الأدوات والمعدات واستخدام الحاسب الآلي على المستوى الإجمالي من أكثر الصعوبات التي واجهت على التوالي 8.39 % و1.26% و3.13% من العاملين عند مزاولة المهنة مع تفاوت نسبي لبقية الصعوبات الأخرى.
ويتوزع العاملون في سوق العمل بين تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية والتربوية بما في ذلك الثانوية التجارية بنسبة 42% والتخصصات المهنية والتقنية 9.30%، ولا تتجاوز نسبة العاملين في تخصصات العلوم التطبيقية 7.10% تليها العلوم الطبية والصحية 8.7% والعلوم البحثية (طبيعية وحياتية) بنسبة 7.5%، بينما تتركز أعلى نسبة من العاملين في مهن الاختصاصيين 4.39%، يليها الفنيون والمهنيون المساعدون 5.28%، والمشرعون وكبار المسئولين والمدراء 4.9%، والحرفيون 2.2%، في حين يُشكِّل عمال تشغيل وتجميع المصانع 7.2%، وتتوزع بقية النسبة على المهن الأخرى مع الأخذ بعين الاعتبار أن 93.6% من مجموع الإناث العاملات يرتكزن في الأقسام المهنية الثلاثة الأولى.
ويشير توزيع العاملين الذين لا يعملون في مجال الدراسة والاختصاص بحسب المؤهل إلى أن أعلى نسبة كانت بين حملة شهادة مراكز التدريب المهني 8.19% يليها حملة الشهادة الجامعية 4.18% ثم دبلوم بعد الثانوية 9.16%، والثانويات الفنية 9.14% من مجموع غير العاملين في مجال الدراسة ضمن كل مستوى تعليمي.
وتشير نتائج مسح الطلب للقوى العاملة لعام 2003م إلى أن غالبية المنشآت تعاني فجوات في المهارات، ويعني ذلك أن مستوى المهارة لدى العاملين غير ملائم؛ لأن إجمالي عدد العاملين الذين يحتاجون إلى تدريب يبلغ 42 ألفًا، ويمثل هذا العدد حوالي 4.16% من إجمالي العاملين في المنشآت، كما تشمل الاحتياجات التدريبية التي تختلف من مهنةٍ إلى أخرى أكثر من 10% من العاملين.
ويتسم الجانب الآخر من فجوة المهارات بالتفاوت بين المؤهل التعليمي والمهنة، فحوالي 7.17% من العاملين رجالاً ونساءً يعتقدون أن مؤهلاتهم وتخصصاتهم لا تتلاءم مع متطلبات مهنهم الحالية ونسبة 7.18% ترى أن ليس لها سوى علاقة متوسطة والعاملين من ذوي التخصصات في المجالات المستهدفة مثل علوم الملاحة والطب والصيدلة والتجارة والهندسة والعلوم التطبيقية والتدريب المهني أفادوا أن مستوى التباين متدنٍ نسبيًا، بينما مَن تخصصوا في العلوم الإنسانية والاجتماعية أو النظرية مثل الفيزياء وعلوم الأحياء البحتة فقد ذكروا معدلاً أكبر في التباين فيما يتعلق بمهنهم.
(إخوان أون لاين) طرح سؤالاً على الخبراء، وأعضاء مجلس الشعب حول ضرورة التعليم الفني والصناعي والتجاري في ذلك الوقت، بالتحديد، وما تأثير ذلك إيجابيًّا على سوق العمل، وما المعوقات لتنفيذ مشروع قومي ينهض بالتعليم الصناعي؟، وما سبب تراجع الإنتاجية على الرغم من تزايد المخزون التعليمي؟، ما هو الدور الأساسي للتعليم الفني؟:
تعليم "فالصو"
يقول رمضان مصلحي عبد العزيز الأمين العام للنقابة العامة للتعليم والبحث العلمي: الموضوع يبدأ مبكرًا حين يفتقد الطالب البوصلة التي تدله إلى أي مجالٍ دراسي يتجه ثم تزداد المشكلة حين يتلقى تعليمًا غير مرتبط بمستجدات الواقع خارج أسوار معهده العلمي، وتتفاقم حين يتخرج فيكتشف أن تخصصه غير مطلوب في سوق العمل، ويجد نفسه في ركب طابور العاطلين من حملةِ الشهادات.
ويشير عبد العزيز إلى وجود افتقارٍ في الإمكانيات داخل المعامل التي من المفترض أنها مجهزة لتدريب الطلاب في مجالِ تخصصهم حتى يتخرجون في المدرسة مدربين ثم يقومون بالانخراط في سوق العمل مباشرةً مثلهم مثل غيرهم في الدول الأجنبية.
ويؤكد أنه من الضروري، وكما هو معمول به في الدول المتقدمة أو الصناعية أن تحسب بدقة مسألة "ارتباط السياسة التعليمية باحتياجات خطط التنمية من القوى البشرية"، ويأتي ذلك باتباع سياسة تخطيط للتعليم متوافقةً مع هذه الاحتياجات، مع مراعاة إمكانات البلد ونوعية البرامج التنموية المطلوبة.
ويرجع المصلحي سبب هذه الفجوة في التعليم وممارسة العمل إلى عدم وجود تخطيط سليم من المسئولين وتوجيه الاهتمام لمثل هذه التخصصات التي تحمل على عاتقها العملية الإنتاجية في المستقبل القريب، مشددًا على ضرورة توجيه الاهتمام بالتعليم الفني حتى يتخرج جيل متعلم بمعنى الكلمة وليس جيلاً متعلمَ القراءة والكتابة فقط.
الحكومة السبب
![]() |
|
عادل حامد |
ويشير عادل حامد عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، عضو لجنة القوى العاملة بمجلس الشعب إلى أن سوق العمل يعتمد اليوم بشكلٍ كلي على القطاع الخاص، خاصةً بعد بيع خصخصة معظم شركات القطاع العام؛ الأمر الذي يتطلب أيادي عاملة مدربة للعمل في قطاعاته المختلفة بكفاءات عالية، موضحًا أن الخريجين من المدارس الفنية يعانون من تدني مستوى التعليم الذي يؤهلهم إلى العمل الفعلي، وهو سبب الكارثة.
ويؤكد النائب أن هناك خللاً واضحًا في كل قطاعات التعليم الفنية، فمناهج التعليم غير صالحة للتعلم بشقيها "النظري- العملي"، وبالتالي يتخرج الطالب ولا يتعلم ما يؤهله للالتحاق بسوق العمل، وهم ما يظهر في امتحانات المعادلة بين الشهادات الصناعية والفنية لدخول كليات الهندسة حيث يرسب الآلاف من المتقدمين لتلك الامتحانات لعدم قدرتهم على استيعاب مواد "المعادلة" رغم ارتباطها بدراستهم في التعليم الفني أو الصناعي.
ويضيف أن مصر تفتقر إلى وجود "وحدات قياس معينة" تجريها على الخريجين حتى تتمكن من معرفة العامل من الدرجة الأولى أو الثانية، مستشهدًا أن إيطاليا كانت تحتاج إلى 40 ألف عامل فني للعمل بشركاتها، وعندما بدأت في تطبيق وحدات قياس خاص بها على العمال الفنيين الموجودين بمصر لم تجد الخبرات التي تمكن العامل من العمل فلم تأخذ أحدًا.
ويقول: إنه على سبيل المثال عندما يريد الجانب الأوروبي عقد صفقة مع الجانب المصري في الزراعة يرسل بعمالة متخصصة من بلادهم لاختيار نوعية الزراعة وحجم الثمار ونوعيتها، رغم أننا أول مَن بدأ الزراعة في التاريخ البشري، وهو الأمر الذي يمكن أن نطلق عليه "مصيبة".
انخفاض الأجور
![]() |
|
د. حمدي عبد العظيم |
ويشير الدكتور حمدي عبد العظيم الخبير الاقتصادي ورئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية السابق إلى أن سوق العمل حاليًّا يعاني من بطالة كبيرة، بينما الطلب على العمالة منخفض جدًّا بسبب الأزمة العالمية الراهنة، وبالتالي هناك تسريح عمالة في العديد من الشركات مثل "شركات السياحة، والبورصة، والعقارات"، وغيرها كل ذلك يؤثر تأثيرًا سلبيًّا على حركة سوق العمل.
ويوضح أن الظروف الحالية شهدت انخفاضًا شديدًا من جانب الأجور؛ حيث بدأ المؤشر في الانخفاض، وقل الدخل والحوافز الخاصة بالعاملين تكاد تنعدم وبدأ "عنصر ضغط" من العاملين يزداد؛ وذلك بالنسبة للقطاع الخاص أما القطاع العام فتحكمه قوانين خاصة بزيادة الأجور.
ويشدد د. عبد العظيم على ضرورة أن ينمي كل شاب مهاراته بنفسه سواء كانت مهارات كمبيوتر أو لغة أو غيرها من المهارات التي تؤهله للدخول في سوق العمل الذي يشترط الخبرة والمهارة، وهذه المهارات تساعده على اكتساب فرصة عمل، موضحًا أن التعليم بمفرده لا يكفي لإيجاد فرص عمل.
مناهج مضروبة
ويؤكد ياسر إبراهيم خبير المناهج بوزارة التربية والتعليم أن المناهج الحالية تعاني من تدهور شديد؛ وذلك لأنها لا ترتبط باحتياجات سوق العمل الحالي.
ويشير إلى أن الوزارة حاليًّا تتبنى خططًا لتطوير مناهج التعليم في كل المجالات والنواحي التعليمية، مطالبًا بضرورة أن ترتبط الدراسة بالتدريب في المصانع لكي تمكننا من تخريج عمالة مدربة تدريبًا يؤهلها إلى الانخراط مباشرةً في سوق العمل.
ويضيف أن ذلك يحتاج إلى وقت طويل وإلى صبر، بالإضافةِ إلى وجود المتخصصين الذين يقومون بتدريب الطلاب، موضحًا أن هناك برامج للتدريب تُقدمها الدول الأجنبية كمنحٍ بالاشتراك مع الحكومة المصرية مثل مشروع أوركل ومايكروسوفت وغيرها، ويجب أن تتبنى الدولة مثل هذه المشاريع من أجل مساعدة الشباب في الالتحاق بسوق العمل ورسم إستراتيجية واضحة للتعليم؛ للارتقاء بالتعليم والاستفادة بالدول المتقدمة في ذلك.
ويختتم كلامه قائلاً: "مَن يرد أن يعمل فلا ينتظر الفرصة تأتيه، بل يحاول أن يحصل عليها بكل الطرق".

