كثير من العمال يعتبرون الوصول إلى سنِّ المعاش من اللحظات الفارقة في حياتهم؛ لما يترتب عليها من مآسٍ ومعاناة؛ حيث يقل الدخل وتزداد المشكلات، في الوقت الذي يكون فيه العامل أحوج إلى أي قرش أو مليم؛ حيث الأبناء في التعليم، وبعضهم في سنِّ الزواج، وكثرة المشكلات الصحية التي تظهر مع تقدم السن، وهذا يحتاج إلى الكثير من الأموال، وزاد الأمر صعوبة قوانين المعاش المبكر، التي أطاحت بكثير من العمال دون مراعاة لظروفهم واحتياجاتهم، وهو نتاج لسياسات الخصخصة التي تتبعها الحكومة.
أصبحت لحظة المعاش كابوسًا يتمنَّى العمال ألا يصلوا إليه وألا يدركوه؛ حيث يعيد كل منهم حساباته حتى تتماشى مع المستجدات الحديثة.
وتتعدد شكاوى العمال ومشكلاتهم بعد المعاش، والتي رواها لنا بعضهم..
المعلمون والإداريون بالتربية والتعليم يشكون من تدني الأجور
يقول محمود السيد (من عمال المعاش بقطاع التربية والتعليم) إن معاشه الأساسي 380 جنيهًا، وهو لا يكفيه حوالي أسبوعين فقط، ولولا وجود دخل خارجي من أرض زراعية لم يكن يدري كيف يعيش، مشيرًا إلى أن الوضع في البلاد يزداد سوءًا عامًا بعد عام؛ فقديمًا كان الخبز كثيرًا والبركة كثيرة، وكنا نعيش في فترة الحرب، ومع ذلك كنت أجد ما أنفقه على بيتي وأسرتي وأدخَّر مبالغ.

ويضيف عم محمد أحمد (عامل بالمعاش بقطاع الصحة) أن المعاش الذي يتقاضاه 400 جنيه، مؤكدًا أن ما يتقاضاه لا يكفي لصرف روشتة من روشتات طبيب القلب الذي "يعالجه"، ويشير إلى أنه لولا وجود مصادر دخل أخرى لما كان المعاش يكفيه أكثر من أسبوع، وأوضح أن كيلو اللحمة الآن وصل إلى 40 جنيهًا، وكل الأسعار قد ارتفعت، والمعاش كما هو فكيف نعيش؟!.
ويؤكد عم محمد أن الأوضاع قديمًا لم تكن جيدة جدًّا، إلا أنها أفضل كثيرًا من الآن؛ فلم يكن هناك صراع على رغيف الخبز، ولم نسمع عن وجود أطعمة فاسدة أو لبن مغشوش، وقال: أصبحت أخاف من أكل أي شيء؛ مما أسمعه عن وجود أطعمة مسرطنة ولبن به بودرة!.
ويطالب الحكومة بزيادة المعاشات مقابل زيادة الأسعار، وأن تنظر باهتمام إلى شريحة العمال الأكثر عناءً ومشقةً في المجتمع، وأوضح أن كثيرًا من العمال ليس له دخل آخر إلا المعاش فكيف يعيشون؟!
ويقول عم هنيدي شاهين العامل بقطاع السكك الحديدية أن معاشه حوالي 300 جنيه، وهو مبلغ لا يكفيه مواصلات شهريًّا إذا انتقل لزيارة بناته المتزوجات في قرى أخرى، وأوضح أنه يقبض المعاش باليمين وقبل أن يصل البيت ينفقه بالشمال، وأكد أن 300 جنيه شهريًّا لا تكفي ابنه عبد المولى الطالب بكلية التجارة مصروفًا للمواصلات فقط، غير الكتب والملابس والمذكرات والدروس الخصوصية!.
ويضيف أن وضعه أفضل بكثير من غيره؛ لأن لديه طالبًا واحدًا في التعليم الجامعي، في الوقت الذي يوجد لدى زملائه أكثر من واحد في مراحل التعليم المختلفة، وأكد أنه لو وصل معاشه إلى ألف جنيه فإنه يكفيه بالكاد حتى يحيا حياةً فقيرةً.
ويؤكد أن غلاء الأسعار الجنوني جعل المعاش لا يكفيه أكثر من أسبوع؛ فكل شيء قد ارتفع سعره حتى السجائر والمعسّل، المضرَّة بالصحة، قد تضاعفت أسعارهما، وأوضح أنه من الزهق والمشكلات والمآسي يلجأ إلى التدخين لينفق فيه همومه ومشكلاته.
ويدعو عم هنيدي الحكومة إلى الالتفاف إلى معدوم الدخل؛ الذي أصبح يشكِّل القطاع العريض من الشعب؛ حيث انتهت منه فئة محدودي الدخل، وحلَّت بدلاً منها فئة معدومي الدخل.
يضيف محمود أحمد سليمان (الطالب بمعهد السياحة والفنادق) أن معاش والده المتوفَّى حوالي 385 جنيهًا، وأوضح أنه اضطر إلى التحويل من كلية الحقوق إلى معهد سياحة؛ حتى يجد وقتًا يستطيع فيه العمل لإيجاد دخل له ولوالدته وأخته، وأضاف أنه لا يذهب إلى المعهد إلا أيام الامتحانات؛ حتى يستطيع الإنفاق على نفسه وأسرته، وقال: المعاش لا توجد به بركة؛ فأمي تصرفه صباحًا، ولا يأتي عليه العصر.
ويشير محمود إلى أن الوضع سيِّئ جدًّا، وعبَّر عن حزنه بأنه يذوق كل يوم المشقة والتعب في الوقت الذي يتمتَّع فيه زملاؤه ولا يعانون مثل ما يعاني، وأضاف أن معاش والده لا يكفي لصرف روشتة دكتور إذا أُصيب أحد أفراد الأسرة بأي مرض.
ويوضح أن أخته اضطرت للعمل بعد إنهائها الدراسة الجامعية لتساعد معه في الإنفاق على البيت، وأكد أن والدته أرادت أن تجد عملاً لتساعده، إلا أنه رفض وطلب منها الجلوس في البيت، وعبَّر عن حزنه ومن كون أخته تعمل معه، إلا أنه قال لولا أننا مضطرون لهذا ما تركتها تعمل.
ويضيف محمد عبد الحميد (العامل بالزراعة) أنه اضطر إلى الخروج على المعاش قبل الوصول إلى السن القانونية لظروفه الصحية، مؤكدًا أنه في الوقت الذي يحتاج فيه الآن إلى كل مليم لينفق فيه على مرضه؛ انخفض راتبه الذي كان يتقاضاه، حيث يتقاضى معاشًا حوالي 400 جنيه، في الوقت الذي كان يصل راتبه حوالي 550 جنيهًا!!.
ويقول إن حياته أصبحت مليئةً بالهموم؛ فهو يريد الإنفاق على مرضه، ولديه 3 أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، غير المصاريف المنزلية المطلوبة يوميًّا من طعام وشراب وخلافه، كل هذا ودخله الشهري 400 جنيه، ولا يوجد دخل غيره، وأوضح قائلاً: إن راتبي الشهري وأنا بصحتي لا يكفيني؛ فما بالكم الآن وأنا مريض والدخل قد انخفض؟!
وأكد محمد أنه على ثقة بأن الله لن يتركه، وأنه لم يعد له إلا الشكوى إلى الله؛ لأن الشكوى لغيره مذلة، وأضاف: كل ما أتمناه أن تكمل بناتي تعليمهن، وألا تضطر إحداهن إلى الخروج من التعليم لكي تنفق على البيت.
معاش السادات
وتقول الحاجة هدى حسن ناجي إنها تتلقى معاش السادات حوالي 80 جنيهًا، وهو مبلغ لا يكفي لشراء 2 كيلو لحم فقط، وأكدت أن لديها ولدًا يعاني من مشكلات إعاقة ذهنية وجسدية، وأنها مطالبة بالإنفاق عليه شهريًّا أكثر من ألف جنيه لجلسات العلاج.
وتضيف أنها لا تمتلك أي دخل غير معاش السادات، حتى الأرض التي كانت لديها أخذها صاحبها في قانون المالك والمستأجر، وأكدت أنه لولا أهل الخير ما استطاعت أن تحيا أو تنفق على ابنها المريض، الذي يحتاج كل شهر إلى مبالغ طائلة، وهي لا تقدِر على العمل لكبر سنها، وعلى الرغم من إعاقة ابنها؛ إلا أنه لم يتم توظيفه كما تم توظيف غيره بسبب الإعاقة؛ الأمر الذي يزيد من المشكلات التي تواجهها.
وتقول إن كل ما تطلبه هو أن تستمر جلسات علاج ابنها التي تتكلف كثيرًا، وأكدت أنها مستعدة لعمل كل شيء في سبيل أن يستكمل ولدها العلاج.
مصيبة المعاش المبكر
![]() |
|
احتجاجات عمالية ضد المعاش المبكر |
ويوضح أن كلاًّ منا يرتِّب حياته على الراتب الذي يحصل عليه، والذي لا يكفي!!، وعندما يصل إلى المعاش يفاجأ بانخفاض في الدخل؛ الأمر الذي يسبِّب كثيرًا من المشكلات والصعوبات، وأضاف أن قانون المعاش المبكر لا بد أن يتم إلغاؤه لأنه يزيد من معاناة العمال.
ويضيف أن وضع العمال في الحقبة الناصرية كان أفضل كثيرًا منه حاليًّا؛ حيث اهتمت الثورة بالعمال واعتنت بهم عنايةً خاصةً، وبعدها جاء عصر السادات الذي اهتمَّ بالإصلاح الاقتصادي في البلاد.
ويشير أبو زيد إلى أن ثورة العمال كانت تهز كيان الحكومة، وضرب المثل بثورة يناير في السبعينيات على السادات، وأكد أبو زيد أن شريحة العمال لا تلقى أي اهتمام حاليًّا، وأن التركيز كله على رجال الأعمال فقط حتى تحوَّلت البلد إلى طبقتين: أغنياء جدًّا، وفقراء، واختفت الطبقة الوسطى في المجتمع.
ويطالب الحكومة بإعادة النظر إلى فئة العمال التي تشكِّل أغلبيةَ الشعب وعموده الفقري، وهي التي ستُحدث التغيير في المجتمع.
ويدعو إلى ضرورة إعادة النظر في قوانين المعاشات التي تسبِّب كثيرًا من المعاناة والمشكلات للعمال، وألا يتم خصم كل هذه المبالغ من راتب العمال؛ لأن كلاًّ منهم يرتب ظروف حياته على المبلغ الذي يتقاضاه شهريًّا.
ويبقى كلُّ ما تم عرضه من مشكلات ومعاناة لعمال المعاشات لا يمثل صفرًا على الشمال مما يعانيه العمال في الحقيقة، ويزيد الأمر صعوبةً سياسات الحكومة في برنامج الخصخصة، الذي أدَّى إلى طرد كثير من العمال من وظائفهم.
ويطالب العمال الحكومة بضرورة الالتفات إليهم، والنظر إليهم بعين الرحمة، وإعادة النظر في قوانين المعاشات التي تظلم العمال، وألا تركز الحكومة على الطبقات العليا التي لا تحتاج إلى مساعدة، وأن توجِّه مساعدتها إلى القطاع الكبير من الشعب، وهو قطاع العمال.
