على الرغم من الأهمية البالغة للحقيقة التي تقول إن للقرآن أثرًا بالغًا في تطوير لسان العرب، والارتقاء بالمعجم العربي، ولا سيما في شقِّه الاصطلاحي الحامل لمفاهيم جديدة ابتكرها الإسلام ابتكارًا، أقول على الرغم من كل ذلك وغيره، فإن الدراسات الكاشفة عن أثر الإسلام والهجرة النبوية الكريمة تعيينًا في تطوير اللغة العربية؛ يمكن أن توصف بأنها قليلة، وقليلة جدًّا بمعيار الإحصاء وبمعيار الربط بين التطور اللغوي والإسلام.
وهو الأمر الذي يفطن إليه الدكتور محمد الشرقاوي عندما يقرر في تصدير كتابه (التعريب في القرن الأول الهجري) الذي كتبه بالإنجليزية ابتداءً، ثم ترجمه هو نفسه إلى العربية، وصدر عن المشروع القومي للترجمة الذي يصدر عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر، يقول: "يعدُّ تطور اللغة العربية.. مرتبطًا ارتباطًا شرطيًّا بالهجرة والانتقال، فيستطيع القارئ أن يدرك أهمية الهجرة في صناعة ما يمكن أن نسمِّيَه مفهوم اللغة العربية؛ ففي القرن الأول الهجري كانت الفتوحات العربية التي مهَّدت للعرب في شمال إفريقيا والعراق والشام، فنشأت اللهجات العربية التي نعرفها الآن في تلك الأمصار بشكليها الحضري والريفي".
وهذا ملمح مهم جدًّا في قياس تأثير الهجرة والفتوحات على اللسان العربي تفصيلاً في كثير من البيئات التي تحوَّلت لتنطق به وتبدع به.
ومن هنا فإن كتاب محمد الشرقاوي الذي نقرؤه في هذه المقالة يستمد خطره من رصد التأثير الإسلامي السريع في انتشار العربية، ويستمد أهميته أيضًا من الفترة المبكرة جدًّا التي يعالجها، وهي القرن الأول الهجري، ولا سيما أن الدراسات السابقة عن تطور العربية كانت تعرضت لفترات زمنية متأخرة عن القرن الأول الهجري، على ما نلاحظه في دراسة يوهان فك: العربية، التي يرصد فيها ما أصاب الإعراب العربي في عصور بني أمية وبني العباس وما بعدهما، والكتاب معروف للقارئ العربي عبر ترجمتين، إحداهما للمرحوم الدكتور عبد الحليم النجار سنة 1951م، وإن شابها نقص كثير وتحريف ومخالفة لعدد من قواعد أصول الترجمة، وأخراهما للدكتور المرحوم رمضان عبد التواب 1980م عالج فيها نقص الترجمة الأولى، وزاد فيها تعليقات أستاذه أنطوان شبيتالر.
وعلى ما نلاحظه أيضًا في دراسات كيس كريستيج المتنوعة عن العربية، ولا سيما التهجين اللغوي واللغة العربية 1984م واللغة العربية تاريخها ومستوياتها وتأثيرها 1991م وغيرهما من مقالات ومراجعات.
كما يستمد أهميته دون وعيه بما قدم إلى النظريات التي سبقته في تفسير تطور العربية من انتقادات بصَّرته بالطريق الذي يدرس فيه عملية الانتقال إلى العربية في القرن الهجري الأول.
وكتاب محمد الشرقاوي (التعريب في القرن الأول الهجري) يتضمن ثمانية فصول تشكِّل هيكله وبناءه، وهي كما يلي:
1- موضوع الكتاب- ص 15- 20.
2- تطور العربية 21- 54.
3- الوضع اللغوي في شبه الجزيرة العربية في الجاهلية 55- 100.
4- العربية بعد الفتوحات الإسلامية 101- 182.
5- العربية لغة أجنبية 183- 197.
6- الظروف الاجتماعية السكانية للتعريب 197- 238.
7- التعلم الحر للغة الأجنبية وحديث الأجانب 239- 308.
8- أنماط حديث الأجانب في العربية 309- 334.
من مجموع هذه الفصول الثمانية يتكون واحد من أهم الكتب التي ترصد كفاءة العربية وقدرتها المعرفية والإدارية والاجتماعية في حقبة مبكِّرة جدًّا من عمر الحضارة الإسلامية، وهو ما يُعيد للكلام حول الخصائص النوعية المميزة للسان العربي ونظامه اعتبارَه وأهميتَه ووجاهتَه في الوقت نفسه.
موضوع الكتاب
يفتتح الدكتور محمد الشرقاوي هذا الكتاب المهم بمسألة منهجية، تتعلق بالتعريف العام بقضيته ومشْغَلته المركزية عندما يقول (ص 13): "يحاول هذا الكتاب إلقاء الضوء على آليات التعريب التي أدَّت لتعريب الأمصار الإسلامية عمومًا، ومصر خصوصًا في المرحلة الأولى من الفتوحات العربية. (إن) الفرضية الأساسية في هذا الكتاب أن عملية التحول اللغوي الواسعة، والتي تبدو كما لو كانت جماعيةً في اللغات المحلية العربية في تلك البلاد؛ إنما هي عملية تعلم للغة الأجنبية".
وهذه الزاوية التي يطرح من خلالها الدكتور الشرقاوي قضيةٌ تدخلنا إلى القلب مما يُعرف باللسانيات التطبيقية، وتوحي بميزة فائقة للسان العربي وبما قدَّمه ابن اللغة العربي للمتعلم الأجنبي، وهو ما يعكس أهمية ارتباط معلم اللغة ولو كان معلمًا هاديًا بمفهوم الرسالة المنبثق من الدين.
وهو الأمر الذي يؤكده الشرقاوي قائلاً: "من أهم العناصر في توجيه عملية التعلم تلك؛ هو المدخل اللغوي القابل للتعلم والذي قدمه ابن اللغة العربي للمتكلم الأجنبي الذي هو المصري أو الشامي أو الليبي في ذلك الوقت، القديم.
والشرقاوي وإن اعتمد في دراسته على ما كان يدور في معسكرات الفاتحين التي تحوَّلت فيما بعد إتمام الفتح إلى حواضر للبلدان التي فُتحت كالفسطاط وغيرها؛ فإن الرغبة الجامحة في التواصل بين ابن اللغة العربي وبين غير العربي وفَّرت حالةً فريدةً وغير نظامية لتقبل العربية وتعلمها.
مرونة العربية وتطورها!
في فصل تالٍ هدف الدكتور الشرقاوي إلى دراسة الوضع اللغوي في شبه الجزيرة العربية قبل بدء عصر الفتوحات، من خلال ما وصل إلينا من أدبيات النمو واللغة التي صنَّفها علماء العربية، وكان هذا السؤال بهدف الإجابة عن سؤال مهم، هو: هل كان في شبه الجزيرة العربية قبل الفتوحات العربية نمط واحد مستعمل في الجزيرة كلها؟ وهل كان هذا النمط كافيًا في التعبير والقيام بكل الوظائف اللغوية؟
ومن فحص ما وصل إلينا يظهر ميل الجزيرة العربية إلى التنوع اللهجي، بالإضافة إلى ظهور فواصل بين ما يمكن أن يشكِّل مجموعات مستقلة من اللهجات.
إن حركةً موَّارة يمكن الشعور بها كانت بدأت عملها قبل الإسلام لتهيئة الأرض لنزول القرآن الكريم؛ فيما سمِّي بالعربية المشتركة، فيما عُدَّ بمثابة الإرهاص والتمهيد للكتاب الجديد (وهو القرآن الكريم) بفعل عوامل متعددة.
وهو الأمر الذي سكت عن بيانه محمد الشرقاوي في غمرة انشغاله بدعم نظرية الدكتور أنيس حول البدوية والحضرية؛ باعتبارهما فكرتين صالحتين لتفسير مجموعات متناسقة من اللهجات، وهو ما كان بمثابة سطوة شهرة لم يستطع اللسانيون المعاصرون أن يواجهوها بسبب من قيمة أنيس الريادية على حدِّ تعبير الصديق العزيز الدكتور عباس السوسوة ومن قبله الدكتور حمزة المزيني!.
الإسلام يفجِّر طاقات العربية
وفي الفصل الثالث الذي خصَّصه الدكتور الشرقاوي لمناقشة الوضع اللغوي في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام؛ يصل إلى أن العربية في الجاهلية وإن اضطلعت بعدد من الوظائف ومنها الوظيفة الفنية (الشعرية)؛ فإن هذه الوظائف لا يمكن أن تقارَن بمدى ما أصابها من تطور وارتقاء في ظل الإسلام وبسبب مباشر من القرآن الكريم، وبسبب مباشر من الحركة العلمية والاجتماعية التي حرَّكها وأوجدها على الأرض.
يقول الدكتور محمد الشرقاوي ص 89: إن نظرة عابرة على تراث الجاهلية كله تبيِّن لنا أن جلَّ الإنتاج الثقافي العربي في تلك المرحلة كان من الشعر، ولكنَّ هناك بعض التسجيلات التاريخية التي تداولها المؤرِّخون العرب دون تمحيص في مصداقيتها التاريخية.
وفي سياق القضية نفسها لا يوافق الشرقاوي على أن النحاة العرب أهملوا تراثًا كبيرًا انتصارًا لما جمعوه من الشعر؛ باعتباره من العربية الأول من دون منازع، وهو يقول في هذا السيل إنه لا يستطيع أن يقبل تلك الفكرة؛ إذ لو كانت هناك مادة نثرية لما أحجم النحويون عن جمعها واستثمارها، والحق قاضٍ بأن الاعتماد على ما يسمَّى (بالحجة الصامتة) في تفسير ما حدث من الإحجام عن تعددية النثر؛ أي أننا لا نستطيع أن نخمِّن تفسيرًا لما حدث في ضوء حالة الصمت والغموض التي تحيط بالقضية.
على أنه من جانب آخر فإن ما وصل إلينا من تراث نثري يُعدُّ إلى حدٍّ كبير مقبولاً، ولا سيما فيما يسمى بالنثر الفني متعدد الأنواع من مثل: الأمثال العربية والوصايا والخطب والأسجاع الدينية، ونصوص الكهانة، وتلبيات الجاهلية، ومنافرات العرب وغيرها.
فإذا ما قورن هذا الوضع بالوضع الذي فجَّره الإسلام، ولا سيما فيما تلا عصر الفتوحات وكان من ثماره ونتائجه، وهو الأمر الذي بدا واضحًا جدًّا وفارضًا نفسه بقوة في مفتتح الفصل الرابع، الذي خصَّصه المؤلف للحديث عن العربية بعد الفتوحات؛ حيث يقول: (ص 101): "كان الإسلام عاملاً أساسيًّا في تطور اللغة العربية تركيبيًّا (أي على مستوى بناء الكلام ونظاميته، ووظيفيًّا (فيما أوجده من وظائف أخرى كثيرة، لم يكن للعرب بها سابق معرفة)، وكانت الفتوحات العربية أداة مهمة في هذا التطور".
ويقول أيضًا: لقد أصبح للعرب بفضل القرآن نموذجٌ لغويٌّ مثاليٌّ يُحتذى، لقد كان القرآن نصًّا فارقًا في تاريخ اللسان العربي، وبفضله تحقق لها ظرف استثنائي لم يتحقق لغيرها، وهو الأمر الذي صاغه المرحوم رمضان عبد التواب في عبارة جامعة، تمثل قانونًا جامعًا منضبطًا، عندما قال: لولا القرآن ما كانت العربية.
وأصبح من نتائج هذا أن صارت العربية علامةً دالةً على الهوية والانتماء للإمبراطورية الإسلامية ثقافيًا وحضاريًا بفعل سيطرة النموذج اللغوي للقرآن على الإنتاج اللغوي لمن يعيشون في كنفه.
وقد قبلت الأوساط الاجتماعية بسبب من التداخل السكاني بشيء من التهجين اللغوي الذي ظل غير ضارٍّ بطبقة النموذج الأعلى الذي أنزله القرآن الكريم إلى الواقع، وإن كان هذا التهجين لم يأخذ شكلاً ثابتًا ولا منمَّطًا.
اللسان العربي لا يمارس ضغوطًا
ومن المهم جدًّا أن نبيِّن أن الفاتحين العرب المسلمين لم يمارسوا أيًّا من الضغوط لفرض لغتهم، وهو ملمحٌ مهمٌّ جدًا في هذا السياق، عليه أدلة كثيرة من خارج هذا السياق، والمهم هنا إلحاح الدكتور محمد الشرقاوي على أن تعلم العربية في الأمصار المفتوحة ظلَّ تعلمًا حرًا وغير نظامي، يقول ص 196 إن ثمة ظروفًا اجتماعيةً وسكانيةً أدَّت إلى تعلم العربية باعتبارها لغةً ثانيةً بشكل حرٍّ وغير منظم في المناطق الحضرية في الأقاليم العربية الجديدة.
وهو واحد من الملامح الحضارية الجبارة بين عالمية الإسلام والعولمة التي تمارسها المرحلة الأمريكية المعاصرة التي تمارس قهرًا في تمرير لسانها، وتضغط في اتجاه أمركة الشعوب المختلفة!.
وهو ما افتتح به الشرقاوي الفصل السادس كذلك، الذي خصصه لدراسة تأثير الظروف السكانية والاجتماعية على تعريب المجتمعات المفتوحة عندما قرر مؤكدًا أنه يصر على فرضيته الطموحة عن أهمية التعلم الحر للعربية باعتبارها لغة ثانية.
وقد كان للتوزيع الجغرافي الذي مثل أغلبية عربية في الأمصار التي كانت في أصلها معسكرات لقيادة حركة الفتوح أثرٌ مهمٌّ في الإسراع بعمليته، فضلاً عن أثر التواصل اللغوي بالعربية في عملية إدارة الدولة من غير إقصاء للغات الوطنية حتى تم التعريب.
ومثلما ألحَّ على فكرته عن انتشار العربية انتشارًا حرًّا؛ يعود فيقرر في الفصل السابع الذي عنوانه (التعلم الحر للغة الأجنبية) قائلاً (239): لقد "تبين أن تعلم العربية في المدن العربية في الأقاليم المفتوحة بداية الفتح لم يكن منظمًا أو معدًّا بحسب منهج تعليمي دراسي خاص".
وقد أشار الدكتور محمد الشرقاوي إلى مجموعة من العوامل الداعمة لهذا التقدم في انتشار العربية في الأوساط الجديدة، يمكن إجمالها فيما يلي:
1- توافر عوامل نفسية داعمة لعملية تعلم العربية في الأقاليم الجديدة، وهي عوامل نفسية دينية وحضارية وإنسانية، ظهرت في سلوك الفاتحين العرب المسلمين.
2- توافر عوامل اجتماعية داعمة لعملية التعلم الحر للعربية في الأقاليم المفتوحة جديدًا، تتمثل في إرادة تحقيق قسط كبير من الإسراع في التواصل مع العناصر العربية الفاتحة، ولأسباب تتعلق في أحيان أقل بأهداف إدارية، وساعد فيها حالات الانصهار المتزايدة عبر التعامل الاقتصادي والتعامل بالمصاهرة والزواج بهذا التعريب.
صحيح أن هذا التعريب أنتج أنماطًا لغوية وسمات جديدة ولو على المستوى التواصلي الشعبي، لكنه لم ينَل من عربية النموذج الذي كرسه القرآن الكريم.
هذا كتاب جاء في توقيت مهمٍّ جدًا، داع لحركات المواجهة للعولمة الأمريكية التي تسعى إلى اقتلاع الثقافات واللغات غير الأمريكية، وهو الأمر الذي حاول بعض المثقفين الغربيين أن يماهوا بينه وبين الحالة الإسلامية القديمة، وهو بعض الذي صرَّح به (لوكلير) الفرنسي الذي اتهم العالمية الإسلامية قديمًا، والذي نراه الآن في بعض نتائج هذا الكتاب الصامتة التي لم يصرح بها مؤلفه هي أن الإسلام في انسرابه وتحركه بين الأقاليم الجديدة المفتوحة لم يمارس قهرًا ينص به على لغات هذه الأقاليم أو يسعى إلى اغتيالها.
ملاحظات عامة
ويزيد من قيمة هذه الدراسة أنها في أصلها دراسة علمية تعتمد على مستوى متقدم من التوثيق والتحليل، وإن وقع بها بعض المؤاخذات التي يُرجى أن يتجنبها المؤلف في قابل الأيام عندما يضطر إلى طبعها مرةً أخرى من مثل:
1- وقوع بعض الأخطاء التي يبدو أنها بسبب الطباعة ولا شك من مثل ص 13 (عملية التحول اللغو الواسعة)، والصواب (اللغوي).
2- قوله في عنوان الفصل الثاني في المحتويات ص 5 (تطوير العربية) والصواب (تطور العربية).
3- عدم متابعة ما قدم لبعض ما اعتمده من مقولات علمية في تفسير التقدم الذي تحقق للعربية، من مثل الاعتماد على نظرية البداوة والتحضر التي ركن إليها الدكتور إبراهيم أنيس رحمه الله في قياس الفوارق اللهجية المتمايزة بين عدد من القبائل العربية تأثرًا بشيوع النظرية الجغرافية في الدرس اللهجي، وهي الانتقادات التي ظهر ما ينال منها في الواقع اللغوي، وقد قدم أمثلة ضافية نال منها اثنان من أشهر اللغويين المعاصرين، هما الدكتور حمزة المزيني (السعودية) والدكتور عباس السوسوة (اليمن)، ولكن ذلك لا يقلل بحال من قيمة هذا الكتاب المفيد.
-----------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية.