لقد مَنَّ الله على شعبنا الفلسطيني بشيوع ثقافة الجهاد والاستشهاد بين أبنائه، فلمسنا نماذج للتضحية والفداء لا تكاد تجد لها مثالاً سوى في الرعيل الأول بين الصحابة والتابعين، وقد تضاعفت هذه الروح الجهادية في سنوات انتفاضة الأقصى بصورة كبيرة، حتى لم تعد جماعات المقاومة تلاقي صعوبةً في العثور على من لديه استعداد للتضحية بنفسه، بل صار الهمّ الأكبر هو كيفية السيطرة على الرغبة الجامحة لآلاف الشباب والرجال والنساء بالاستشهاد.
وتكفي نظرة سريعة إلى بعض نماذج التضحية على أرض فلسطين لترسيخ الانطباع بمدى شيوع هذه الثقافة، ومدى امتلاء القلوب بحب التضحية في سبيل الله وتفضيلها على الحياة وملذاتها؛ فتجد أُمًّا ترسل ابنها لتنفيذ عملية ضد المحتل، وتُوصيه بإلحاح ألا يعود إلا وهو محمولٌ على الأعناق، وعندما يأتيها خبر مقتله تزغرد فرحةً بأنْ تُقبِّل منها، وتقف أمام الناس بكل عزيمة وإصرار لتعلن استعدادها للتضحية ببقية أبنائها فداءً للدين، كما تجد من يُقتل كل أفراد عائلته ويبقى وحده صابرًا محتسبًا لا يشكو ويتذمَّر، بل يحمد الله على قضائه ويدعوه أن يتقبلهم ويلحقه بهم، والأمثلة على ذلك تعد بالمئات.
إن قيمة هذه الروح الاستشهادية- حين تدبُّ في أمة من الأمم- أنها تحررها من أغلال الخوف والوهن، فتسري فيها قوة روحية هائلة، تفوق كل أشكال القوة المادية؛ وذلك لأن نقطة ضعف الإنسان الأبرز هي حرصه على الحياة، وخوفه من الموت، فإذا استرخص إنسان حياته، وتحوَّل الموت إلى غاية مناه، فمن أي شيء يخاف بعد ذلك؟! وهنا نستطيع أن نفهم القول المأثور: "اطلبوا الموت توهب لكم الحياة"، فطلب الموت يجعل الإنسان شجاعًا مقدامًا، عزيزَ النفس، لا يرضى حياة الذل والهوان، ولا تؤرِّقه عقدة الموت، فينعم بالأمن والطمأنينة، وبذلك يكسب حياةً كريمةً ومضاعفة.
والشعوب التي تسري فيها روح التضحية والشهادة تكتسب مناعةً وتحصينًا في وجه الضغوط الخارجية؛ لذا فإن الشعوب التي تؤمن بهذه المعاني هي أقل الشعوب خضوعًا للابتزاز السياسي والاقتصادي، والعكس صحيح، وهذا ما يفسِّر لنا صبر الفلسطينيين في غزة وثباتهم في مواجهة الحصار القاسي المفروض عليهم.
لكنَّ هذه الصورة المشرقة لثقافة التضحية بكل تفاصيلها الرائعة لا تَسْلم من آثار جانبية؛ إن هي خرجت عن إطارها الصحيح ولم تجد من يوجهها لخدمة الأهداف العليا للأمة، هكذا اقتضت سنة الله أن يخلق كل شيء بقدر، فإذا زاد عن حدِّه انقلب إلى ضده، والخطورة هي أن يصير الموت في سبيل الله هدفًا قائمًا بذاته، يسارع إليه المخلصون ويتعجَّلون نيله، ولسان حالهم كالصحابي الجليل عمير بن حمام في غزوة بدر وهو يقول: "لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة".. وهو مشهدٌ معبِّر جدًّا لشاب اشتد اشتياقه للقاء ربه وللجنة، لكن ما ينبغي تأمله في هذا المشهد هو أنه لو فعل جميع الصحابة ما فعل عمير، لما وجدنا فيما بعد نماذج مثل أبي بكر وعمر وعلي، وكثير غيرهم ممن عاشوا حياةً طويلةً قادوا خلالها الأمة ونشروا الإسلام وادَّخروا لأنفسهم مزيدًا من الثواب عند الله قبل أن يُستشهدوا بدورهم.
ولو أن جميع الدعاة اختاروا الموت على الحياة لما قام أمر الدين بين الناس، ولاستفرد أصحاب الضلال بالدعوة إلى ضلالهم، وواقعنا مزدحم بالأزمات التي تنتظر دور الدعاة وقضايا، مثل الإصلاح بين الناس والفقر والبطالة والظلم المتفشي وفساد الحكام، لا يُحْسِن التعامل معها سوى الصادقين.. فالمطلوب قبل الموت في سبيل الله هو الحياة في سبيله، وفي هذا المعنى تحضرني كلمة للشيخ العلاَّمة يوسف القرضاوي بأن هناك كثيرين يحسنون الموت في سبيل الله، لكن القليل من يُحْسِن الحياة في سبيل الله، فالحياة في سبيل الله قد تكون أشقَّ على نفس المؤمن؛ لأنها تقتضي تضحياتٍ دائمةً وصبرًا طويلاً وتحمُّلاً للأذى من الناس، ولكنها أعظم أجرًا بإذن الله، وفي الحديث: "خيركم من طال عمره وحسن عمله".
فالعمر فرصة لفعل الخيرات وليس عبئًا ينوء به صاحبه، والشهادة هي مشروع حياة قبل أن تكون مشروع موت، والإطار الصحيح لها هو أن يعيش المؤمن مشتاقًا لها، لكنه في ذات الوقت ينطلق بكل قوة إلى مجتمعه يصلح فيه قدر استطاعته، ويسعى لنشر دينه في الأرض، يخالط الناس ويعيش حياتهم، لكن دون أن يلهيه ذلك عن غايته السامية؛ فهو على الأرض لكنَّ قلبه معلَّق بالسماء، وبذلك تصير الشهادة حافزًا لمضاعفة العمل، وليس مبررًا للعزوف عنه، وما أروع ما سمعته عن الشهيد المفكر إبراهيم المقادمة؛ أنه كان يقول إننا بحاجة إلى السياسي الذي يعيش بروح الاستشهادي، فهذا الصنف الذي تمنَّاه المقادمة هو الذي يجمع بين الكفاءة والتقوى، أو بين القوة والأمانة، فروح الاستشهادي مطلوبة؛ لأنها الضمانة لنقاء السريرة ونزاهة اليد، والسياسي مطلوب لكفاءته ودرايته، وهذه القاعدة لا تنطبق على السياسي وحده ولكننا بحاجة إلى روح الاستشهادي لدى العاملين في كل ميدان؛ في الدعوة والتربية والإعلام والمال والقانون والعمل الاجتماعي وغيرهم.
وبذلك لا تكون الشهادة شأنًا روحيًّا داخليًّا بين الإنسان وربه وحسب، ولكنها ذات أبعاد اجتماعية مهمة، ولها آثارها الطيبة الملموسة في الدنيا قبل الآخرة، وبهذه النظرة تكون الحياة بروح الشهادة أهمَّ للمجتمع في بعض الأحيان من الشهادة ذاتها، فهي تنقي السرائر وتمنع الفساد وتفجِّر طاقات الإنتاج وتضاعف جهود العاملين، وبعد ذلك كله تأتي الشهادة تتويجًا لحياة حافلة بالبذل والعطاء، وتحقيقًا لأمنية العاملين براحة أبدية في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
------------
* كاتب من فلسطين- ahmedabdallah104@gmail.com