- د. سيف عبد الفتاح: الانشغال بكراسي الحكم أضاع هيبتنا

- د. عبد المنعم المشاط: أهملنا الصومال حتى وصلتنا خسائره

- العميد الزيات: النظام لا يدرك أبعاد الأمن القومي لمصر

- اللواء الصالحي: الصهاينة مستفيدون من اشتعال الأزمة

 

تحقيق- خالد عفيفي:

حشد العالم قواه لمواجهتها وتمركزت 11 سفينة بقيادة بريطانية من القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي، و7 سفن تابعة لحلف شمال الأطلنطي "الناتو"، بضع سفن للتحالف البحري لمكافحة الإرهاب "قوة العمل تاسك فورس 151"، بالإضافةِ إلى مساهمات صغيرة من الهند والصين وروسيا وإيران وكوريا الجنوبية، في خليج عدن لمكافحة أعمال القرصنة دون أي وجود لقوات عربية أو مصرية أو إفريقية.

 

ويرى المحللون أن مصر قصرت بشدة في حماية أمنها القومي المهدد، وتعاملت بهامشية مع أزمة القراصنة رغم كونها من أكثر الدول المتضررة من تلك العمليات بل أكثرها على الإطلاق.

 

ويتجه القائلون بذلك إلى أبعد من حدود التأثير الاقتصادي الناجم عن تحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس، ويؤكدون أن أعمال القرصنة تهدد الأمن القومي المصري تهديدًا مباشرًا باعتبار الصومال عمقًا إستراتيجيًّا لمصر، فضلاً عن الوجود الصهيوني في المنطقة، والذي يعززه استمرار تردي الأوضاع الأمنية في البلاد وانتشار أعمال القرصنة.

 

ويرون أن الوجود العسكري الغربي في المنطقة هو بداية ومقدمة لتوغل أكبر وانتشار أوسع يضرب أمن مصر القومي في مقتل، ناهيك عن تهديد حصة مصر من مياه النيل عن طريق السيطرة على منابعه، ويطالبون الحكومة المصرية بالمشاركة بفاعلية في القوات الدولية الموجودة في المنطقة للدفاع عن مصالحها وحماية أمنها القومي.

 

في حين يرى مخالفون لذلك أن أمن مصر القومي لا تتهدده مخاطر، وأن تأثير عمليات القرصنة محدود جدًّا ولا يرقي لمستوى التهديد، إلا أن الجميع اتفق على ضرورة دعم الاستقرار السياسي في المقام الأول.

 

وبعد هذا هل الدور المصري في الأزمة قد أصابه الخلل وجاء متأخرًا ولم يكن على القدر المطلوب؟ أم أنه جاء في وقته؟ وما هي حقيقة تأثير الأزمة على أمننا القومي؟ وهل مصر مطالبة حاليًّا بالتدخل العسكري للحفاظ على مصالحها؟ أم أن هذا يُشكِّل نوعًا من المغامرة غير المحسوبة العواقب؟

 

(إخوان أون لاين) طرح تلك الأسئلة وأكثر منها على الخبراء السياسيين والعسكريين في التحقيق التالي:

كرسي الحكم

 الصورة غير متاحة

 د. سيف الدين عبد الفتاح

   عاد الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية بالذاكرة إلى الوراء قليلاً لتشخيص الوضع الحالي في الصومال قائلاً: "بعد سقوط نظام سياد بري في الصومال عام 1993م حدث ما يُسمَّى بالفراغ في السلطة أدَّى إلى تأليب القوى السياسية على بعضها فتدخلت أمريكا ثم انسحبت وسيطرت المحاكم الإسلامية ثم غزت إثيوبيا البلاد وخرجت وجاءت حكومة منتخبة، ولكن الوضع استمرَّ على ما هو عليه من عدم استقرار في الأوضاع".

 

وأشار إلى أن الفكرة كلها تقوم على قاعدة أنه حينما تستبيح مكانًا فإنك تفتحه للجميع، ومن ثَمَّ يدخل كل شارد ووارد وتتشكل قوى معينة على هيئة عصابات أو قوى مقاومة أو أى شيء "كل ذلك لأن المكان صار إقليمًا مستباحًا".

 

وأرجع هذه القاعدة إلى ما أسماه "بالتشوهات" الموجودة في العلاقات الدولية ونظر العالم إلى القرن الإفريقي كمنطقة حيوية أرادوا جعلها مستباحةً، ولكنهم لم يكونوا يتخيلوا أن الوضع سوف يسوء إلى هذه الدرجة فبدأت القوى الغربية حشد قواها سياسيًّا وعسكريًّا لمواجهة مجموعة مسلحة غير معروف أعدادهم ولا أماكن وجودهم.

 

ويرى أن مصر تحركت في أزمة القرصنة بعد أن تراكمت، كعادتها في معظم القضايا التي تخصها وتعلق بأمنها القومي كالسودان، وغيرها من القضايا والمشكلات.

 

ويحلل الدور المصري في الأزمة قائلاً: إن مصر أقامت علاقات غير متوازنة في المنطقة، وأبرزها علاقاتها مع إثيوبيا إلى الحد الذي دفع رئيس وزرائها عند زيارته لمصر في أعقاب غزو بلاده للصومال إلى سماع رأي النظام المصري بأنه يتفهم أسباب ذلك الغزو".

 

وأضاف د. عبد الفتاح أن القوى السياسية في الصومال صارت معبئة ضد مصر نتيجة تآكل دورها واستيقاظها متأخرًا، وقال: "إن تصل متأخرًا كأنك لم تصل".

 

وأرجع ذلك إلى أن السياسة المصرية الخارجية وإستراتيجياتها في الاهتمام بدوائرها العربية والإفريقية والإسلامية كلها ضاعت هباءً؛ نظرًا لعدم وجود رؤية إستراتيجية للأمن القومي لدى صانعي القرار في ظل انشغالهم بتثبيت كراسي الحكم؛ الأمر الذي تضاءل معه دور مصر وتآكلت مكانتها وتباطأت حركتها، وخاصةً فيما يتعلق بالأمن القومي.

 

ويشدد سيف عبد الفتاح على ضرورة أن يوجد في تلك الأماكن الحساسة أشخاص على مستوى مهني عالٍ لبلورة سياسة خارجية مصرية تحفظ الإستراتيجيات الأساسية، وتحافظ على دوائر الأمن القومي والمجال الحيوي لها.

 

متأخرًا ومفيدًا

 الصورة غير متاحة

د. عبد المنعم المشاط

   ويوجه الدكتور عبد المنعم المشاط مدير مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة لومًا شديدًا إلى جامعة الدول العربية من ناحية والدول العربية مجتمعةً من ناحيةٍ أخرى متهمًا إياها بإهمال الأوضاع السياسية والإستراتيجية بالصومال إلى أن أصبحت أكبر نموذج في العالم لما يسمي بـ"الدولة الفاشلة" ومعها تناسى العرب أن هناك دولةً عربيةً تُسمَّى الصومال.

 

ويشدد على أن العرب تركوا الصومال في بداية التسعينيات للتدخل الأمريكي، ثم تركوها ثانيةً للغزو الإثيوبي، مشيرًا إلى فترة الهدوء التي شهدتها البلاد أثناء تولي قوات المحاكم الإسلامية للحكم إلى حدِّ تلاشي ظاهرة القرصنة.

 

ويؤكد أن مصرَ لم تقم ولو بمبادرة واحدة في خضم الأحداث السابقة، وتحاول الآن القيام بهذا الدور، واصفًا خطوة زيارة الرئيس الصومالي إلى مصر بـ"المتأخرة ولكنها مفيدة".

 

ويتوقع د. المشاط أن يترتب على تلك الزيارة دعمًا مصريًّا سياسيًّا وعسكريًّا وفنيًّا لحكومة الرئيس شريف لمواجهة أعمال القرصنة، رغبةً منها في عدم تدويل القضية؛ لأن ذلك ليس في مصلحة مصر، على حدِّ تعبيره.

 

نظام فاشل

 الصورة غير متاحة

 العميد أركان حرب صفوت الزيات

   ويرى العميد صفوت الزيات الخبير العسكري أن الحكومة المصرية مرت بالعديد من مراحل عدم التفاعل وعدم إدراك خطورة عمليات القرصنة على أمنها القومي منذ سقوط نظام سياد بري عام 1993م مرورًا بسيطرة قوات المحاكم الإسلامية على الصومال وصولاً إلى الغزو الإثيوبي، متهمًا النظام بالتقوقع داخل الحدود والاكتفاء بالمراقبة من بعيد.

 

ويشدد على وجود قصور لدى المسئولين عن الأمن القومي المصري وتصوروا أن تدخل مصر في أزمة القراصنة يحملها أعباء والتزامات إضافية يجعله مغامرة، قائلاً: "إذا لم تتواجد خارج حدودك وتدرك أن أمنك القومي يبدأ من شمال منطقة الشام والقرن الإفريقي فإنك لا تدري مفهوم الأمن القومي وأدوات حمايته".

 

ويدعو العميد الزيات الحكومة المصرية إلى تكوين قوة بحرية عربية إفريقية والتدخل لمحاولة السيطرة على الأوضاع وعدم ترك الساحة للقوات الغربية تفعل ما تشاء، متسائلاً عن دور الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في القضية باعتبار الصومال دولة تنتمي إلى هاتين المؤسستين.

 

وحول فاعلية التدخل العسكري في حلِّ الأزمة قال: إنه مهما كان الحشد البحري مكثفًا فلن ينجح في إيقاف عمليات القرصنة، معللاً ذلك بأن الدول المشاركة بقواتها لن تتحمل التكاليف الباهظة وستقارن بينها، وبين الفديات التي تدفعها للقراصنة نظير تحرير السفن والأشخاص، وطالما وجدتها أقل فلن تدخل في مغامرات عسكرية.

 

وبناءً على تلك المعطيات أكد الزيات أن حل مشكلة القرصنة لن تكون في البحر إنما على البر عن طريق دعم الحكومة الصومالية لإعادة الأمن والاستقرار، بالإضافة إلى محاولة إصلاح ذات البين للحركات والفصائل المتنازعة، وحل مشاكل البلاد المجاورة للصومال مثل جيبوتي وإريتريا.

 

الصهاينة في قلب اللعبة

ويختلف اللواء سعيد الصالحي الخبير العسكري مع الرؤية السابقة إذ يقول إن القوات المصرية تُؤمِّن حدود مياهها الإقليمية بشكلٍ تام، مستبعدًا أي تقصيرٍ من جانبها في حماية أمننا القومي، مؤكدًا أن العمل على دعم استقرار الصومال هو الأساس في المشكلة ثم يأتي بعدها تأمين الحدود البحرية.

 

وحذر الصالحي من دور صهيوني واضح في المنطقة عن طريق قاعدتها العسكرية في إريتريا، مشددًا على أن الكيان يهدف إلى استمرار اشتعال الأوضاع وعدم استقرارها باعتبار أن ذلك سوف ينعكس بالسلب على مصر.

 

ويشير الصالحي إلى أن الكيان الصهيوني يسعى لتأمين خطوطه الملاحية على البحر الأحمر والسيطرة على مضيق باب المندب، مستفيدًا في ذلك من الدرس الذى لقنته له القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر 1973م عندما أحكمت الخناق حول الأراضي المحتلة.