عندما نتناول الحركة الإصلاحية الإسلامية، أو المشروع الحضاري الإسلامي، أو تيار الوسطية، نجد أننا بصدد عناوين ترفع شعار نهضة الأمة؛ وذلك الشعار يحتاج إلى مزيدٍ من التعمق، حتى يتحول إلى أفكار وأفعال، تكون حاضرةً في تيار الوسطية، والذي يمثل الإطار العام لأصحاب المشروع الحضاري الإسلامي، وللحركة الإصلاحية الإسلامية.

 

وبدايةً نؤكد أن العمل الديني التربوي، يمثل أساسًا مهمًّا في مجتمعات تقوم على المرجعية الدينية، كما تقوم حضارتها على أساس مرجعية الدين، فالعمل التربوي الديني، يمثل إعادة إنتاج لأسس مرجعية الأمة بين مختلف الأجيال. وهنا نؤكد أيضًا، على أن التربية الدينية تمثل عصب تشكل هوية الأمة، بالنسبة للمسلم وغير المسلم.

 

وعليه يكون العمل الدعوي الديني، هو أحد الأسس اللازمة لحفاظ المجتمعات العربية والإسلامية، على مركزية دور الدين في حياتها. ومن تلك المركزية يقوم وعي الأمة بمرجعيتها الحضارية، حيث يمثل الدين جوهر تلك المرجعية، أو المعيار الجوهري التي تقوم عليه المرجعية الحضارية.

 

وفي كل الأحوال، سنجد أن العمل الاجتماعي الخيري، يمثل ضرورةً من ضرورات الحياة لأمتنا، سواء وهي تمر بأزمات اجتماعية واقتصادية، أو حتى إذا بلغت مستوى جيدًا من التقدم الاقتصادي. والعمل الاجتماعي الخيري، يمثل ترجمةً عمليةً لقيم التضامن والتكافل والتراحم، ولذا فهو ليس مجرد عمل تعويضي لمواجهة الفقر أو البطالة، وليس مجرد نوع من المسئولية الاجتماعية على الأغنياء، ولكنه أحد الأفعال المهمة التي تحقق التضامن والتراحم بين أبناء الأمة، ولذا فهو يمثل فعلاً مركزيًّا في تحقيق تماسك الأمة وتضامنها. وقيمة التراحم، تمثل القيمة المركزية الاجتماعية في بناء أمتنا، وتلك القيمة تعطي لأمتنا تميزها الخاص، حيث يمثل التراحم رابطًا إنسانيًّا عميقًا، يربط كل أبناء الأمة معًا، ويجعل قواعد الترابط الأسري، هي المعيار الذي تقوم عليه العلاقات بين مختلف أبناء أمتنا.

 

ولا يغيب عنا أهمية الإصلاح السياسي، حيث إن إصلاح الأنظمة السياسية مهم لتحقيق مرجعية الأمة في المجال العام، واستعادة المرجعية الحضارية للأمة، بوصفها المعيار الأساسي الذي يقوم عليه النظام العام. كما أن محاربة كل أشكال فساد النظام السياسي، من الاستبداد إلى الفساد المالي إلى الاستغلال، تمثل ضرورةً من ضرورات تحسين أحوال الأمة، وتحريرها من كل سلطة تفرض عليها بغير رغبتها. وللنظام السياسي تأثيرات كبيرة على حياة الناس، لذا يكون إصلاحه ضرورة، حتى يتحقق إصلاح أحوال الأمة.

 

ما هي النهضة؟

قصدنا من الفقرات السابقة تأكيد بعض الجوانب المهمة، من عملية الإصلاح الشامل، والتي ينادي بها تيار الوسطية الإسلامية، والغرض من ذلك، التأكيد أولاً على تعددية الجوانب الضرورية واللازمة لعملية الإصلاح، وأيضًا تأكيد أن تلك الجوانب ليست بديلاً لبعضها البعض، ولكن يهمنا هنا التساؤل عن وضعية فكرة النهضة في مشروع الإصلاح.. فهل النهضة هي نتاج تلقائي لعمليات الإصلاح، أو نتاج تلقائي لعملية الإصلاح الشامل؟.

 

وفي البداية يلزم وضع تعريف محدد للنهضة، فهي تمثل حركة نمو وتقدم بمعدلات كبيرة، وهي تمثل ابتكار أفكار وأنظمة ومؤسسات ومنتجات، كما تمثل تطورًا في العلم والمعرفة والفكر، كما تمثل تقدمًا في الحركة الأدبية والفنية، كما تمثل تحسنًا ملحوظًا في حياة الناس، وتمثل أيضًا ارتفاعًا ملحوظًا في رضا الناس عن حياتهم. أي أن النهضة، هي التقدم في كل المجالات، بما يحقق للناس جميعًا أو أغلبهم، الحياة التي يرضون عنها، ويعتقدون أنها تعبر عنهم، ويظنون أنها تمثل أحلامهم.

 

ولهذا يمكنا البحث عن العلاقة بين العمل في مجال التربية الدينية والدعوة الدينية، والعمل الاجتماعي الخيري، وبين تحقيق النهضة، مما ذكرنا، يمكن القول بأن عملية التربية والدعوة والعمل الاجتماعي، تمثل الأنشطة الأساسية لبناء المجتمع القوي، أي المجتمع الذي يدرك مرجعيته وقيمه العليا، ويستطيع مواجهة ما يعانيه من مشكلات مثل الفقر والبطالة والمرض؛ مما يجعله أكثر قوةً، وأكثر إدراكًا لهويته. ولهذا نقول: إن العمل الديني والاجتماعي، يمثلان معًا مرحلة التأسيس للمجتمع القوي، لكن إدراك المجتمع لهويته ومرجعيته لا يؤدي حتمًا لتقدمه بصورة تحقق نهضته؛ فالنهضة فعل موجه نحو غاية، والنهضة لا تتحقق إلا بقدر ما يتكون تصور لدى الناس، عن تلك الحالة التي يمكن أن تصف فيها الأمة أحوالها، بأنها تحقق نهضتها.

 

وحدة الأمة

من أهم التصورات التاريخية عن أمتنا، أن وحدتها أساس نهضتها. أي أن الأمة العربية والإسلامية حتى تحقق النهضة، يجب أن تتوحد أولاً. فهل الوحدة شرط للنهضة، أم أنها غاية في حد ذاتها؟ الحقيقة التي نراها واضحة في التاريخ، أن وحدة الأمة كانت أساسًا لنهضتها وشرطًا لها، ووسيلة لتحقيقها. فكل شعب من الشعوب أو أمة من الأمم، له مصادر قوة تمكنه من تحقيق النهضة، وهي أمور تختلف بين الشعوب والحضارات.

 

ومن أهم مصادر القوة في الأمة الإسلامية، أنها أمة تحوي العديد من المكونات الثقافية والاجتماعية بداخلها، فعبر كل التاريخ، شهدت الأمة الإسلامية تنوعًا داخليًّا كبيرًا، وهذا التنوع في تصورنا أحد مصادر قوتها، وبالتالي يعد من أهم موارد الأمة لتحقيق نهضتها. فهي تحقق تلك النهضة، بما تحويه داخلها من تنوع، بين العربي وغير العربي والمسلم وغير المسلم، وغيرها. وهذا التنوع، يعدد مصادر الفكر والفعل والرؤى داخل الأمة، ويجعلها أكبر من أن تكون مجرد مجتمع أو مجرد شعب، فهي مجتمعات وشعوب.

 

غاية النهضة

تلك مسألة مركزية في حقيقة الأمر، فليس كل النهضات تعمل من أجل غايات واحدة. وعندما نتصور أننا بصدد تكرار النهضة الغربية، سنجد أنفسنا أمام تحدٍ قد يشعرنا بالفشل، لأن النهضة في هذه الحالة ستكون انعكاسًا لحجم المال والرفاهية والسلاح. ولكن أمتنا لا تقوم سعادتها ورضاها على حجم الأشياء أو كميتها، بل نوعها وكيفها، وليس مطلوبًا منا أن نبارز الآخرين فيما حققوا، وكأننا في حلبة سباق، حدد فيها الآخرون الغاية النهائية.

 

وهذا لا يعني بالطبع أنه يمكن تحقيق نهضة بدون التقدم العلمي والتقني والإنتاجي، ولكن نوعية هذا التقدم وغاياته تختلف من حضارة إلى أخرى؛ ولذا يصبح من المهم أن نتصور ما هي الحياة الأفضل بالنسبة لنا، ويصبح من الضروري على تيار الوسيطة، وعلى الحركة الإصلاحية، بناء تصور أمتنا عن تلك الحياة الأفضل التي نرغب في تحقيقها لأنفسنا.

 

المعنى قبل المادة

ومن أهم العناصر المميزة لتصورنا التاريخي عن النهضة، هي أننا ننظر للحياة بوصفها معاني قبل أن تكون مواد، وهذا لا يعني إطلاقًا أن النهضة يمكن أن تتحقق بدون العمل والإنتاج والتقدم الصناعي، ولكن يعني أن هدف النهضة ليس هو الوصول إلى أعلى مستوى من الاستهلاك؛ لأن الغاية النهائية لدينا ليست تحقق اللذة من خلال الاستهلاك والامتلاك.

 

بهذا فمعنى الرفاهية لدينا، لا يرتبط بكمية ما يستهلك، فالرفاهية بالنسبة لنا- حسب تصوري- هي تحقيق مجتمع الكفاية والعدل، والذي يقوم على توفر سبل العيش الكريم للجميع، وتوفر احتياجات الناس الأساسية، ثم توفر احتياجاتهم الكمالية.

 

والأهم من ذلك، أن الرفاهية بالنسبة لنا، تتحقق من خلال توفر ما يحتاجه الناس، ولكن هذا الاحتياج له حدود، وبالتالي فهناك احتياجات متى توفرت تحقق الإشباع بالنسبة للناس، مع اختلاف الاحتياجات بين فئات الاجتماعية المختلفة، نقصد من ذلك، أن الرفاهية هي تحقيق إشباع لاحتياجات محددة، وليست عملية استهلاك شره لا تنتهي.

 

من هذا المنطلق، يمكنا اكتشاف العديد من مؤشرات النهضة، فاستقرار الأسرة وانخفاض معدلات الطلاق، وانخفاض مستوى الجريمة، وشيوع الإحساس بالأمن، كلها من مؤشرات النهضة بالنسبة لنا، وكل تلك العناصر تعني أن النهضة هي تحقق قيم الأمة على أرض الواقع، ولأن قيم الأمة الأساسية تقوم على قيم العدل والكفاية والتضامن والتراحم؛ لذا فإن تحقق هذه القيم هو جزءٌ من تحقق النهضة.

 

تصورنا عن الأفضل

بهذا يمكن تلخيص تصورنا عن النهضة، في تصورنا عن الحياة الأفضل، فهي تلك الحياة التي تحقق قيمنا، فإذا تحقق العدل، فإننا بذلك نقترب من تحقيق النهضة، وإذا تحقق حد الكفاية لكل الناس، فإننا نقترب من تحقيق النهضة، أي من تحقيق الحياة التي نراها أفضل.

 

إذن تختلف صورة الحياة المحققة للنهضة بين شعوب العالم، ولكن يجمع بين مختلف التصورات، أنها تقوم جميعًا على تحقيق التقدم العلمي والتقني والإنتاجي، وأن أي نهضة تقوم على تطور في المعرفة والفكر والإنتاج الذهني. وكل نهضة أيضًا، تقدم أشياء جديدة للبشرية، فكل حضارة تنهض تقدم إنجازًا جديدًا لتاريخ البشرية. ولكن ليس مطلوبًا، منافسة الحضارات المتقدمة الأخرى في كم تقدمها، ولكن المطلوب هو تحقيق إنجاز بشري يفيد التاريخ الإنساني. وتلك قضية مهمة، فالنهضة لا تتحقق فقط بتحقق صورة الحياة الأفضل التي نريدها لأنفسنا، ولكن تتحقق أيضًا من خلال ما نقدمه كإسهام في تاريخ البشرية، سواء على مستوى المعنى والمعرفة والقيمة، أو على مستوى العلم والإنتاج.

 

واجبات النهضة

لذا نرى ضرورة العمل على تحقيق روح النهضة، كجزء من دور تيار الإصلاح الحضاري. فعملية النهوض ليست مرحلة سوف تأتي في نهاية الطريق، بل هي عملية تحتاج للتأسيس لها والعمل على تحقيقها منذ البداية. وهو ما يحتاج إلى عملية تشكيل الدافع للنهضة.

 

* فأولاً، يحتاج المجتمع إلى وضوح تصوره عن الحياة الأفضل، ثم يحتاج لتطبيق ذلك عمليًّا في حياته بالقدر الممكن، سواء على مستوى الأسرة، أو على مستوى المجتمع.

 

* مع بعث المرجعية الحضارية بين الناس، يحتاج المجتمع إلى تصور دقيق لقيمه، وتطبيق جيد لها في حياته، لأن تلك القيم تمثل غايات نهضته.

 

* تطوير قدرات الأفراد والمجموعات على العمل والابتكار في كل المستويات والمجالات، بأي قدر ممكن. ففعل النهضة يمثل العمل المتميز والمبتكر، أي عمل له قيمة حضارية مضافة.

 

* تطوير وعي الناس وتعميق معارفهم وقدراتهم العلمية. فالتوعية المفضية للنهضة، هي توعية متكاملة، تجمع بين الوعي بالهوية، وبين المعرفة والعلم.

 

* حفز الأمة على التقدم، ليس لمنافسة الآخرين، ولكن لتحقيق ذاتها الحضارية.

 

* تشجيع روح المبادرة، لدى الفرد والمجتمع.

 

* تنمية ثقة الأمة بذاتها الحضارية، حتى تؤمن بقدرتها على تحقيق إنجاز في تاريخ البشرية، كما فعلت في الماضي.

 

تلك هي بعض الجوانب المشكلة لروح النهوض، والتي قصدنا من خلالها تأكيد أن النهضة هي دافع ورغبة ورؤية، يجب نشرها وتنميتها عبر الوقت، وأن فعل النهضة يتحقق عبر الوقت على مستويات مختلفة، وأن العديدَ من الأفعال البسيطة والأولية، تكون نواة لتوجه ناهض مبدع، فالنهضة هي ثمرة نضال الأمة، وهي عملية تتحقق تدريجيًّا في مسار عملية التحرر والإصلاح الشامل.