يحس بعض الشباب، من الذين نحسبهم على خير وعندهم إقبال على دعوة الله وعلى إرضاء الله عز وجل؛ يحس بعض هؤلاء نوعًا من الخمود أو الفتور في بعض فترات حياتهم، ويسأل الكثير منهم عن هذا الكسل وعن أسبابه وكيفية مغالبته أو التخلص منه، وما الوسيلة لعودة الشاب إلى حالات نشاطه؟ مع دعوته وإخوانه ومع الله بصفة عامة؛ بحيث يصبح نشيطًا سليمًا ومعافًى في نفسه.. وروحه.. وقلبه.. وفي واقع حياته الخاصة والعامة؟!

 

ولا يمكننا أن ننفي هذا الشعور وهذا الإحساس عند البعض.. ولا نلوم أحدًا عندما يسأل عن هذا الفتور.. بل نعتبر ذلك مؤشرًا جيدًا لصدق السائل.. ورغبةً أكيدةً منه في عدم رضاه عن هذا الواقع.. وضرورة التخلص منه وعدم الاستسلام له.

 

ويكاد ينحصر هذا الفتور.. أو الدعة.. أو الكسل في أداء واجبات الله عز وجل؛ سواء في جانب العبادات أو في جوانب أخرى متصلة باستشعار المسئولية الكاملة عن حمل دعوة الله ونصرتها.. وأداء واجباتها وعلاقاته الاجتماعية المتصلة بعائلته وأقربائه وذوي رحمه.. أو علاقاته العامة من أخوَّة وصُحبة وجوار وزمالة عمل.. وباقي الدوائر المحيطة الأخرى.. وما يترتب على ذلك من انسحاب وتراجع في كل أدواره المختلفة؛ مما ينعكس على حياته الفردية والعامة.

 

وقبل أن نذهب بعيدًا في الحديث عن الفتور من زواياه المختلفة.. نشير إلى ما يعنيه هذا المصطلح من دلالات ومعانٍ:

فابن كثير في تفسيره للآية الكريمة ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ(20)﴾ (الأنبياء).. يذكر أن الملائكة دائبون في العمل ليلاً ونهارًا، مطيعون قصدًا وعملاً قادرون عليه؛ فهم ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: من الآية 6).

 

وصاحب الظلال رحمه الله يذكر أن المفهوم من التعبير أنهم هم الأقرب إلى الله (يعني الملائكة)؛ فكلمة (عند) بالقياس إلى الله لا تعني مكانًا، ولا تحدِّد وصفًا ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (الأنبياء: من الآية 19) كما يستكبر المشركون وغيرهم مما طمس الله على قلوبهم وفطرتهم، ومعنى ﴿لا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي لا يقصرون في العبادة، فحياتهم كلها عبادة وتسبيح بالليل والنهار دون انقطاع أو فتور.

 

إذن.. الفتور هو الانقطاع بعد الاستمرار أو السكون بعد الحركة، وهو كذلك الكسل أو التراخي أو التباطؤ بعد النشاط والجد، وهو بصفة عامة وواضحة داء يمكن أن يصيب بعض العاملين.. بل قد يصيبهم بالفعل أدناه.. الكسل أو التراخي أو التباطؤ.. وأعلاه الانقطاع أو السكون، أو النشاط الدائب والحركة المستمرة.

 

وهناك آثار وخيمة على الكسل أو الفتور:

1- فآثار الفتور على الأفراد تتجلى في قلة رصيدهم- على الأقل- من الطاعات.. وربما قُبض أحدهم وهو فاتر كسلان.. فيلقى الله مقصِّرًا مفرِّطًا؛ لذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم "اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمّ والحَزَن، وأعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ والبُخلِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرّجالِ".. كما كان من دعائه صلى الله عليه وسلم "اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ عُمُرِي آخِرَهُ، وَخَيْرَ عَمَلِي خَواتِمَهُ، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَيَّامي يَوْمَ ألْقاكَ".

 

والمؤمن دائمًا يدعو الله أن يحسن عاقبته "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة"، وأحسن العاقبة وأفضل الختام للحياة؛ أن يلقى المسلم ربه وهو في حالة نشاط لا فتور وفي حالة حركة دائمة بدعوته، ملازمًا إياها في المنشط والمكره، في العسر واليسر، وأن يتمثل هذين الموضعين من القرآن الكريم:

 

1- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(120)﴾ (آل عمران)، ولا يكون ذلك إلا بدوام استمساك المسلم بدينه.. وحرصه على مرضات الله.. ينصر دين الله.. ويحمل دعوته.. حتى يلقى ربه راضيًا مرضيًّا.. ومن الذين تبيض وجوههم عند لقاء ربهم.

 

2- وقول الله عز وجل على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضُ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف).

 

وآثار هذا التراخي أو الفتور على العمل الإسلامي كثيرة، منها:

- انتفاش الباطل.. وزيادة صولته وجولته واستعلائه وتطاوله على المؤمنين.. وهجومه على عامة المسلمين وخاصتهم.. وتجريدهم من عناصر قوتهم.. وضرب العقيدة.. وقيم الأخلاق والفضائل في مقتل وانتشار الرذائل والفواحش والانحلال والفساد.. دونما مقاومة أو ممانعة.. وخلو الساحة للشياطين، والأبالسة ليعبثوا بالعامة، وليفسدوا عليهم دينهم.. ويبدلوا نعمة الله كفرًا ويحلو قومهم دار البوار.

 

- ومن آثار التكاسل.. طول الطريق وكثرة التكاليف والتضحيات.. إذ مضت سنة الله تعالى ألا يعطي النصر والتمكين للكسالى والغافلين والمنقطعين والمتساقطين على الطريق.. وإنما للعاملين المجاهدين الذين أتقنوا العمل وأحسنوا الجهاد.. كما يشير إلى ذلك الدكتور السيد نوح رحمه الله في كتابه (آفات على الطريق) جـ1.

 

- ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ(96)﴾ (العنكبوت).. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل).

 

كيفية علاج الفتور

يذكر الدكتور السيد نوح في كتابه المشار إليه (الجزء الأول) أن علاج الفتور والكسل الذي قد يؤدي إلى القعود عن ركب العاملين لنصرة الإسلام مما يؤدي إلى الخطر الوبيل على الفرد، وعلى العمل الإسلامي عمومًا.. يتمثل هذا العلاج الناجع في الآتي:

 

1- البعد عن مغاضب الله من معاصي وسيئات كبيرها وصغيرها ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى(81)﴾ (طه).

 

2- المحافظة على الذكر والاستغفار، وأوراد الصباح والمساء، وورد الرابطة، وقراءة القرآن، وصلاة السنن، وقيام الليل، ومناجاة الله، لا سيما في وقت السحر.. والمحافظة على صلاة الفجر في المسجد؛ فمن شأن ذلك إعلاء الهمة.. وإيقاظ القلوب، وتنشيط النفوس وتقوية العزائم.

 

3- التوسط في الأمور كلها.. والبعد عن الغلو والتشدُّد.. وأظن أننا نعي تمامًا حديث الشباب عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذكرتها لهم كأنهم تقالّوها.. فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ذكر حديثه المشهور "أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم (أصلي) وأقعد.. وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".

 

4- إن التشدد والغلو في الدين والتزيد في غير موضع ينتهي بالفرد إلى الفتور والكسل، وترك العمل جزئيًّا أو كليًّا.. وفي هذا خسارة كما أوضحنا.. "يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ".

 

5- لزوم الجماعة.. خاصةً إذا كانت تعمل على نصرة الإسلام، واستئناف الحياة الإسلامية عقيدةً وعبادةً وأخلاقًا وتحاكمًا ومعاملاتٍ.. وعدم مفارقتها أو اعتزالها أو الشذوذ عنها؛ وحسبنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "الْجَماعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ" "يَدُ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ" ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً(28)﴾ (الكهف).

 

6- الانتباه مبكِّرًا إلى معوقات الطريق.. ومعرفة طبيعة الصراع بين الحق والباطل.. واستمرارية هذا الصراع ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا..﴾ (البقرة: من الآية 117) ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: من الآية 251)

 

- صحيح أن الإسلام في هذه الأيام يواجَه بكمٍّ من الحقد والكراهية.. والصد وإيذاء أهله وأصحابه والداعين إليه والمجاهدين في سبيله.. الذين يدافعون عن ديارهم، ويقاومون المحتل الغاصب.. في أي مكان يوجد فيه محتل غاصب لبلاد المسلمين.

 

ثم إن أغلب النظم العلمانية والاستبدادية والتسلطية في أغلب البلدان تتصدَّى للحركات الإسلامية الوسطية المستنيرة وتناصبها العداء، وتقعد لها كل مرصد، وتلاحقها بالتهم الجاهزة، والقضايا الملفقة، والممارسات الشاذة؛ من تعذيب وملاحقة وسجن واعتقال، وتشويه وإقصاء.. كل هذا وما إليه.. قد يكون عائقًا يؤدي إلى الخوف والرهبة والفتور لبعض نوعيات من الناس، ولكن مع أصحاب العقائد الراسخة والفهم الدقيق والإيمان العميق.. هيهات أن يزحزحهم ذلك عن دينهم ودعوتهم!! ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173).

 

هامش

ما زلت أناشد وزارة الداخلية وبالأخص جهاز أمن الدولة الإفراج عن المهندس أيمن عبد الوهاب محمد أحمد المعتقل في سجن المرج منذ أول يناير 2009 وحتى الآن؛ حيث تبيَّن أنه موجود في السجن أكثر من أربعة أشهر دون أن يصدر قرار اعتقال له، وفي ذلك ظلم بيِّن وواضح لا يرفعه إلا صدور قرار إفراج عنه الآن قبل غد؛ حتى لا يعاني قسوة السجن إلى ما لا نهاية؛ فهل يتحقق ذلك؟ نأمل ونرجو.