لا أحد يستطيع أن ينكر أن تعرض الداعية لمشكلات مادية، أو مروره بحالة من عدم القدرة على الوفاء بمتطلبات الأسرة، من مأكل ومشرب وملبس وصحة وتعليم، أو تعرضه لأزمة مالية مفاجئة- هذا في حالة الداعية المتزوج الذي لديه أبناء- أو عدم القدرة على إيجاد عمل مناسب ماديًّا بعد التخرج، ففي الحالتين، أعتقد أنه من المسلَّم به أن المشكلة المادية ستلقي بظلالها حتمًا على الداعية، وستشغل حيِّزًا- ليس قليلاً- من تفكيره، وستصيبه بالأرق من حين لآخر، وربما تتسبَّب له في التعرُّض لمشكلات داخل محيط الأسرة مع الزوجة والأبناء.

 

كل هذا بالتأكيد سيؤثر على صفاء ذهنه، الذي سيكون من الصعب عليه بعدها التفكير في أمور الدعوة بتركيز واهتمام، وسيسحب من رصيد حماسه الدعوي وطموحاته في تطوير ذاته وأفكاره ومشروعاته الدعوية، وسيقلل من درجة حرارة تفاعله مع الناس، وقدرته على العطاء والتأثير.

 

تزداد المشكلة تعقيدًا فيما لو اضطر الداعية إلى القيام بعمل إضافي لتحسين الدخل، أو الخضوع لشروط قاسية في عمله، تجبره على العودة إلى منزله متأخرًا بعد أن يبلغ منه الإجهاد مبلغه.

 

وتحت وطأة هذه الظروف قد يستسلم الداعية للوضع ويبدأ في تقليص حجم أعماله الدعوية، ربما يزيد مع الوقت ليصبح عمله الدعوي هامشيًّا أمام أعباء حياته التي لا تنتهي، وقد يتبع ذلك الفتور الدعوي، خصوصًا إذا كان من النوع النشيط دعويًّا، ويصبح الداعية يمارس دعوته إما بصورة روتينية كنوع من أداء الواجب الثقيل، أو أن يصبح عددًا في أعداد الدعاة، بلا فاعلية تُذكر.

 

الضغط الاقتصادي على المسلمين الأوائل

كانت- وما زالت- ظروف الضغط الاقتصادي إحدى الوسائل القوية والرابحة في بعض الأحيان في مواجهة الدعوة، ولعبت الحكومات الديكتاتورية على وتر لقمة العيش، ليظلَّ الناس يدورون في فلك البحث عن أدنى حدٍّ من الحياة الكريمة، وتتراجع أمام هذا السباق المادِّي المحموم قضايا الأمة وهموم الوطن ومراقبة أخلاق المجتمع، والوقوف إلى جانب الحق ومحاولة حل مشكلات الناس.

 

وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم- وبالتحديد في السنة السادسة من البعثة النبوية- لجأت قريش إلى سلاح المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية للمسلمين في شعْب أبي طالب لمدة ثلاث سنوات متواصلة، أُجهد أثناءها المسلمون إجهادًا شديدًا، وتعرَّضوا لضغوط لا يتحمَّلها بشر، كان من الممكن أن تنفكَّ في لحظة، مقابل التنازل عن الإيمان بعقيدة وفكرة آمنوا بها وعملوا من أجلها، إلا أن قوة الإيمان كانت أقوى، إلى أن انفكَّ الحصار، لينجح المسلمون في أحد الاختبارات العظيمة في تاريخ الإسلام.

 

يقول ابن هشام في كتابه عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: اجتمع سادة قريش في خيف بني كنانة من وادي المحصب، فتحالفوا على بني هاشم وبني عبد المطلب، ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، وألا يقبلوا من بني هاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلِّموه للقتل، ويقال إن منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم هو الذي كتبها، ويقال النضر بن الحارث، والصحيح أنه بغيض بن عامر بن هاشم، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاتبها، فَشُلَّت يده (سيرة ابن هشام).

 

وعلى الرغم من أن معظم الصحابة كانوا من الفقراء، وبالتأكيد كانوا يعانون من مشكلات اقتصادية، إلا أن تلك المشكلة لم تنَل من الدعوة الإسلامية وحبِّها والرغبة فيها والتضحية من أجلها.

 

ربما كانت متطلبات الحياة أقلّ كثيرًا من متطلبات الحياة في عصرنا الذي يموج بإعصارات المادة، وتتداخل فيه المشكلات إلى درجة مرهقة ذهنيًّا وعصبيًّا، قبل الإرهاق المادي، إلا أن قوة الإيمان، وقيم التوكل والصبر، ودرجة التفاهم بين أفراد الأسرة، وبساطة المجتمع، كانت أقوى من أن تغيِّر المشكلةُ اتجاهَ الصحابة إلى حيث لا يريدون.

 

كيف يواجه الداعية المشكلة؟

 الصورة غير متاحة

 الإمام الشهيد حسن البنا

تبهرني دعوة الإمام الشهيد حسن البنا للدعاة في الأربعينيات من القرن الماضي، إلى أن يمتهنوا حرفة للتكسب منها بجانب الوظيفة الحكومية التي دعاهم إلى محاولة عدم الاعتماد الكلي عليها، في وقت لم يكن يجرؤ أحد أن ينال من هيبة وظيفة الحكومة، التي كانت منتهى أماني الجميع، إلا أن هذا التنبُّؤ المبهر رأيناه رأي العين بعد التحولات التي حدثت في نهاية القرن الماضي نحو الخصخصة، والعودة إلى سيطرة نظام رأس المال على الاقتصاد مرة أخرى، ليصبح الموظف رهينةً لصاحب العمل، بعد أن انحازت الدولة انحيازًا سافرًا إلى أصحاب رءوس الأموال ضد الموظفين والعمال، ليقعوا تحت ضغوط مستمرة، من ضعف المرتبات وزيادة ساعات العمل والتسريح في بعض الأحيان.

 

كمحاولة.. لجأ بعض الدعاة إلى إقامة مشاريع خاصة، صحيح أنها أجهدتهم في البداية، لكنها بعد فترة حقَّقت لهم الأمان المادي المقبول، وأتاحت لهم ميزة التحكم في الوقت والقدرة على التحرك بحرية، ومكَّنت العديد منهم من الوصول إلى مرحلة الإبداع الدعوي بعد أن وصلوا إلى مرحلة التخصُّص.

 

يضاف إلى هذه المحاولة بعض الاقتراحات التي قد تمكن الداعية من مواجهة أثر الضغط الاقتصادي على دعوته:

1- محاولة تعلم مهنة أو حرفة توفّر فرصة عمل فورية للشاب حديث التخرج، إلى أن يجد فرصة عمل مناسبة، وتتيح لمن يملك وظيفة إمكانية زيادة الدخل.

 

2- التفوق المهني في الوظيفة، وكلما قل الوقت الذي أثبت فيه الداعية كفاءته في وظيفته
كان الاحتياج له أكبر من صاحب العمل؛ مما يحقق له الأمان الوظيفي، ويوفر له مميزات أكبر في الراتب وساعات العمل، وفي نفس الوقت يصبح مطلوبًا من جهات أخرى في حالة تعرضه لأي مشكلة، وإذا توافرت الإمكانيات المادية يكون لديه القدرة على الاستقلال بنفسه في مشروع خاص.. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (رواه الطبراني).

 

3- وضع الدعوة كأولوية، ولكن في نفس الوقت إيجاد توازن بين المتطلبات الدعوية والحوائج المادية، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ (فصلت).

 

4- الثقة في الله والتوكل عليه والاطمئنان إلى رعايته واليقين في رزقه، ولكن بعد الاجتهاد في الأخذ بالأسباب، قال رسول الله: "لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خِماصًا وتروح بطانًا".

 

5- الدعاء.. فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو حين يصبح وحين يمسي: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر"، فالفقر يضعف النفس، ويوشك أن يوقعها في الزلل.

 

6- التفاهم الأسري وجود جو الحب والألفة مع الزوجة والأبناء؛ يجعل الجميع شركاء في الهمِّ، متحلِّين بالصبر وعازمين على تجاوز الأزمات.

 

7- تنمية المواهب الفردية (إنشاد- تأليف- خط- رسم- تدريب... إلخ) فربما تصبح الموهبة مدخلاً كبيرًا من أبواب الرزق.

 

دور الدعوة

تستطيع الدعوة أو القائمون عليها أيضًا أن يساهموا في حل المشكلات المادية للدعاة، سواء بالوقاية أو بالعلاج:

أولاً: الوقاية:

 الصورة غير متاحة
 
1- الحث على تعلم الحِرَف في المناهج الدعوية، ومحاولة توفير أماكن للتدريب على هذه الحِرَف من المرحلة الإعدادية، وجاء في القرآن آيات كثيرة تدل على أن الأنبياء كانوا يعملون في عدد من الحِرَف والصناعات اليدوية, ومن ذلك قوله تعالى عن داود عليه السلام ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (سبأ: من الآية 10)؛ لأنه كان يعمل في صنع الدروع، وقال تعالى: ﴿أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (سبأ: من الآية 11).

 

2- العناية بالمواهب وتنميتها من المراحل الابتدائية بصورة جدية ومنهجية، تبدأ بعملية الاكتشاف، ثم يعقبها عملية التنمية والتدريب على أيدي متخصصين أو ذوي خبرات، ثم محاولة إلحاقهم بسوق العمل ولو من دون أجر، كنوع من تفعيل عنصر الممارسة الحقيقية، مثلما اكتشف الرسول صلى الله عليه وسلم موهبة الصحابي الكريم "زيد بن ثابت" في القدرة على التحصيل العلمي، فوجَّهه لتعلم اللغة العبرية.

 

ثانيًا: العلاج:

1- السؤال عن أحوال الإخوة، والتعرف عليهم عن قرب بصورة تتيح التحقق من وجود مشاكل مادية من عدمه، وبعدها يبدأ التفكير في كيفية المساعدة، "من فرَّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" (رواه الشيخان).

 

2- إنشاء صندوق للتكافل الاجتماعي، يُستخدم إيرادُه عند وقوع الأزمات والمصائب.

 

3- تنظيم محاضرات كل فترة، تتناول كيفية إدارة المنازل بصورة سليمة تقتصد في المصاريف، وتحثُّ على التعاون بين أفراد الأسرة في توفير النفقات وعدم الضغط المتواصل على ربِّ الأسرة.

 

4- التحذير من التفريط في الدعوة تحت أثر الضغط الاقتصادي، وتأكيد أن ممارسة الدعوة نفسها تعتبر أحد الحلول، لما تتيحه للداعية من القرب من الله تعالى، والترفع عن متطلبات الترفيه في الحياة، والانشغال بالقضايا المهمة التي تولد الحماسة والرغبة في التضحية من أجل إرضاء الله.

 

إن الداعية- كواحد من البشر- يتعرض لما يتعرضون، ويعاني مما يعانون، لكنه لا يزال يتميز عن باقي البشر برسالته التي تربطه بربه، وتهوِّن عليه هموم الدنيا، وتجعله يشعر برعاية الله عند تعرضه لضائقة مرَّت به في رحلة الحياة، ولا يزال حلمه برضا الله وجنته يمنحه الصبر، حتى ينال الجائزة بإذن الله.