تصريحات نتنياهو الأخيرة واشتراطه الاعتراف بما يسميه "يهودية دولة إسرائيل"، قبل الدخول في أية مفاوضات جديدة مع جماعة عبّاس؛ أثارت ضجةً مفتعلةً وصخبًا من قبل هذه الجماعة المقرة أساسًا بما يطلبه نتنياهو، ليس اليوم لكن منذ سنوات وسنوات.. استنكار خرج من غيرهم من القوى الفلسطينية ورفض صحيح ومطلق له كل ما يؤيده، لكن أن يصدر عن عبّاس وأيتام أوسلو، عندها يكون العجب؛ إذ كيف يتنطع من اعترفوا بيهودية ما يسمى "إسرائيل"، وأسقطوا حق العودة، وباعوا وفرَّطوا، كيف لهم اليوم أن يرفضوا ما أقروه وبصموا عليه؟!
يتهمون نتنياهو بأنه يريد عرقلة عملية السلام، وهو كذلك لا شك، لكن ماذا عن أحبابهم شركاء السلام السابقين، ومنهم نتنياهو نفسه؟ ألم يأمر أولمرت عبّاس؟.. نعم، وأقصد الكلمة بحرفيتها "يأمر"، وحسب تصريح علني له بذلك!! هل ليفني مثلاً مُحبة للسلام حتى وإن أسقطت حق العودة ورفضته بينما نتنياهو لا يريد السلام؟!
لقد أقر أزلام أوسلو، من كبيرهم لصغيرهم، بما يسمونه "حق إسرائيل في الوجود"، لا نتحدث هنا عن قبولها كأمر واقع كما يضحك البعض على أنفسهم عند تناولهم اعتراف عرفات "بحق إسرائيل في الوجود"، وكذلك أقرُّوا وبوضوح شديد بيهودية الكيان، وزادوا عليه إسقاط حق العودة المقدس، لكن لأنهم جبلوا على الكذب وعلى استغفال عقول الناس يصرون بوقاحة منقطعة النظير على أنهم لم يعترفوا ولم يهودوا، وقد فعلوا.
أما الأولى وهي اعترافهم بما يُسمى "إسرائيل" فقد رددنا عليه وفصَّلنا فيه، وألجمناهم، وأثبتنا أن فتح اعترفت من رأسها لأخمص قدميها (وسنذكِّر بذلك في نهاية النص)، وأما بالنسبة لقبولهم وبصمهم على يهودية الكيان، فلا بأس أن نذكر أصحاب الذاكرة قصيرة الأجل بالتالي:
1- ياسر عرفات:
أكد عرفات أنه يتفهم الطابع اليهودي لدولة "إسرائيل"، وقال: إنه على استعداد لتسويات فيما يتعلق بالأراضي، وحول مسألة اللاجئين الفلسطينيين، وذلك في مقابلة نشرتها صحيفة (هاآرتس).
وردًّا على سؤال عما إذا كان يتفهم أن تبقى "إسرائيل" دولة يهودية؛ قال رئيس السلطة الفلسطينية: بالتأكيد، وأضاف: وافقنا على ذلك رسميًّا وبشكل علني أثناء اجتماع مجلسنا الوطني في 1988، وأكد "أن أي قيادي فلسطيني لا يمكنه التنكر لحق إسرائيل في الوجود بتهربه من قرار المجلس الوطني للعام 1988 الذي وصفه بأنه هامّ جدًّا".
وأضاف عرفات: "إنه قرار المجلس الوطني الفلسطيني الذي يمثل الفلسطينيين في العالم أجمع، وتم التأكيد عليه بحضور الرئيس "بيل كلينتون" عام 1996".
وأشار عرفات أيضًا في المقابلة إلى مشكلة حوالي أربعة ملايين لاجئ فلسطيني، معتبرًا أنهم لا يريدون العودة جميعًا إلى أراضيهم اليوم إلى "إسرائيل" في إطار اتفاق محتمل، وقال: "إن اللاجئين الفلسطينيين يعيشون في عدد كبير من الدول في الأردن ومصر وأوروبا الشمالية وفي ألمانيا وهؤلاء لن يعودوا".
وأعلن عرفات من جهة أخرى أنه على استعداد للموافقة على تسوية تتضمن مبادلات في الأراضي، يستعيد بموجبها الفلسطينيون ما بين 97 إلى 98% من أراضي الضفة الغربية.
وقال عرفات أيضًا: إنه على استعداد للاعتراف بسيطرة "إسرائيل" على حائط المبكي والحي اليهودي في القدس الشرقية؛ في إطار اتفاق يمنح الفلسطينيين السيادة على هذا القطاع في المدينة المقدسة، بما فيه الحرم القدسي الشريف، إلا أن "عرفات" حرص على الإشارة إلى أن الأبحاث الأثرية لم تسمح حتى الآن بالعثور على بقايا الهيكل اليهودي الثاني.
وقال: إن أجهزته الأمنية على استعداد للسيطرة على قطاع غزة؛ لتضمن الحفاظ على الأمن فيه وعند الحاجة عن طريق صد حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وحتى أعضاء فتح الذين يخالفون القانون بعد انسحاب "إسرائيل" من المنطقة.
وأعرب عرفات عن حيرته لأن الحكومة "الإسرائيلية" لا تعتبره شريكًا للسلام، مشيرًا إلى أنه حتى رئيس الوزراء "الإسرائيلي" "أرييل شارون" بعث إليه بعدة رسائل من خلال نجله "عومري".
2- محمود عبّاس:
* في لقاء مع مجلة (المصور) المصرية بتاريخ 03/12/2004 قال عبّاس: "إنني لا أريد أن أغير ديموغرافية الدولة "الإسرائيلية" ولكننا نطلب التوصل إلى "حل" لمشكلة اللاجئين"، وتحقيق حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وفق القرار 194 وعلى أساس قرارات قمة بيروت عام 2002".
* في شهر يناير/ كانون الثاني 2005 أعلن عبّاس أنه على استعداد لتقديم "تنازلات مؤلمة" بالنسبة لموضوع اللاجئين! ليضيف في حديث مع الـ(بي بي سي) البريطانية بتاريخ 02/01/2005 أن الحل العادل لمشكلة اللاجئين هو بالتفاوض حول القرار 194.
* في حديث نشرته صحيفة (دير شبيجل) الألمانية يوم الإثنين 21/02/2005 قال عبّاس فيما قال: "إنه مستعد للتفاوض بشأن المكان الذي سيعود إليه اللاجئون، مضيفًا: هناك 5 ملايين لاجئ نعرف أنهم لن يعودوا جميعًا، مشيرًا إلى أن كثيرين منهم لا يريدون العودة لأنهم يعيشون حياة كريمة في الولايات المتحدة أو سعداء في الأردن، ولكن يجب تعويضهم"، على حدِّ وصفه.
وأضاف: "إننا واقعيون وقد تعلمنا من تجربة قمة كامب ديفيد الفاشلة أنه لا يمكن حل مشكلة كهذه، عمرها قرن خلال 16 يومًا، فقد يحتاج الأمر من سبعة إلى ثمانية شهور وربما سنة كاملة للوصول إلى حل شامل".
3- يوم الأحد 11/11/2007 خرج رئيس الوزراء "الإسرائيلي" إيهود أولمرت ليعلن لأول مرة "أننا لن ندخل في أية مفاوضات حول وجودنا كدولة يهودية.. هذا منطلق لكل المفاوضات القادمة"، ثم أضاف- حسب صحيفة (هاآرتس) الإسرائيلية-: "كل من لا يعترف بذلك لا يمكنه التفاوض معنا"! هذا ليس اشتراطًا، وإنما عملية إملاء علنية على الطرف الفلسطيني، وقد التزم عبّاس بهذا الأمر والإملاء وذهب إلى أنابوليس واستمر في التفاوض العبثي مع أولمرت وليفني.
4- طالبت ليفني وزيرة خارجية الاحتلال السابقة بشطب حق العودة كشرط لأي تفاهم مع عبّاس وأزلام أوسلو؛ حيث ذكرت في بيان قدمته لدى لقائها مع كبار الباحثين والمختصين بالشرق الأوسط في واشنطن يوم الإثنين 10/03/2008، "مرة أخرى على إسرائيل أن ترفض حق العودة، وأنه على الدولة الفلسطينية المستقبلة أن تضمن أمن إسرائيل وتلبي مطالبها الأمنية".
وأضافت: "إن إسرائيل ليست على استعداد للمساومة في مبدأين أساسيين؛ "الأول هو أن إقامة دولتين قوميتين يعني أن كل دولة تشكل الحل القومي الكامل لشعبها، وفي حال الدولة الفلسطينية فإنها ستكون الحل القومي للفلسطينيين أينما كانوا؛ بما في ذلك اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات اللاجئين المختلفة، أما المبدأ الثاني فهو ضمان أمن إسرائيل ومطالبها الأمنية"، وقَبِلَ عبّاس ومن معه ذلك، واستمروا في التفاوض معهم، والتباكي على خسارتهم الانتخابية.
5- التزم عبّاس ومن معه برؤية الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش التي أعلنها في شهر أبريل/ نيسان 2004، والتي أكد فيها يهودية "إسرائيل".
لماذا كل هذه الضجة إذن وأنتم من قبلتم واعترفتم وهوَّدتم وأضعتم الأرض والعرض؟ أم هي مسرحية جديدة لاستغفال البشر والظهور بمظهر الشريف العفيف، بدلاً من المنبطح المُسلّم بكل إملاءات الاحتلال؟
ما الفرق بين نتنياهو وأولمرت؟ ألم يكن نتنياهو شريك عرفات ومن وقَّع معه اتفاقية الخليل؟
وبعد كل ذلك سنجد من هم من فئة غبي بجهالة أو متغابٍ بعمالة، ليخرجوا ويقولوا لنا فتح لم تعترف بـ"إسرائيل"، ونرفض يهودية "إسرائيل"!.
------------