- د. حمدي السيد: الخدمة الصحية متدنية و60% من المستشفيات لا تعمل
- د. فريد إسماعيل: لا بد من تشريعات حازمة تساعد على زيادة الرقابة
- د. سيف الله إمام: شركات الأدوية تفتقد لأبسط اشتراطات التراخيص
- د. أيمن راجح: ضحايا الإهمال الطبي يعملون بحكمة "من خاف سَلِم"
تحقيق- محمد يوسف:
فجَّر تقرير مشترك لعددٍ من اللجان الفنية بوزارة الصحة فضائح من العيار الثقيل؛ حيث كشف عن وجود ما يزيد عن 5700 وحدة للغسيل الكلوي بالمستشفيات، والمعاهد الطبية الحكومية غير مطابقة لاشتراطات الجودة والمواصفات القياسية؛ الأمر الذي يُعرِّض حياة 29 ألفًا من مرضى الفشل الكلوي للخطر- بحسب التقرير-.
وأكَّدت اللجان الفنية بوزارة الصحة وجود علاقة قوية بين عدم توافر شروط الجودة، وتزايد معدلات العدوى بالأمراض الفيروسية بين المرضى الذين يعالجون بعمليات الغسيل الكلوي, خاصةً أمراض الكبد, وفي مقدمتها الإصابة بفيروسي "c وb" الكبديين الخطيرين.
فضائح الفساد والإهمال لم تقتصر فقط على تقرير اللجان الفنية لوزارة الصحة؛ بل سبقها قبل ذلك فضائح أخرى كشف عنها الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة أمام لجنة الصحة بمجلس الشورى؛ حيث اعترف الوزير باستخدام مستشفيات الوزارة أدويةً منتهيةَ الصلاحية للجمهور عند زيارته لأحد المستشفيات؛ بل قام مدير تلك المستشفي بلوم القائمين على الصيدلية الخاصة بالمستشفى؛ لعدم تعديل تاريخ انتهاء الصلاحية بعد انتهاء مدته الحقيقية.
![]() |
|
د. فريد إسماعيل |
فضيحة أخرى أيضًا فجَّرها الدكتور فريد إسماعيل عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، وعضو لجنة الصحة في طلب إحاطة عاجل كشف فيه عن وجود جرائم غش وتدليس وتلاعب في أموال الدولة بشراء أدوية فاسدة ومنتهية الصلاحية؛ رغم ما تواجهه الدولة من زيادة الدَيْن العام الداخلي والخارجي إلى أكثر من 960 مليار جنيه، وزيادة معدلات التضخم إلى 20%.
وأكَّد د. إسماعيل أن وزارة الصحة قامت بإرسال شحنة من دواء قطرات العين بالغة الحساسية تسمى "فسيدين"، تستخدم كصبغة لتصوير شبكية العين "منتهية الصلاحية" ثمن العبوة ستة آلاف وخمسمائة جنيه، وأن الشحنة التي أرسلت إلى سيناء يقدَّر عددها بنحو 3 آلاف عبوة بقيمة تصل إلى 19 مليونًا و500 ألف جنيه في 25 يناير الماضي.
وأكَّد النائب أن الكمية أرسلت خصيصًا إلى سيناء من أجل إخفاءِ معالم الجريمة، مدللاً على ذلك بأنه لا توجد في تلك المنطقة مراكز متخصصة للعيون تجري هذه العمليات، أو تستخدم هذا النوع من الدواء، موضحًا أنهم يعلمون أنها لن تستخدم في سيناء، ولن يسأل عنها أحد، وأنه في النهاية يتم إعدامها، وعدم استخدامها.
ومع تفشي وتفاقم حالات الفساد والإهمال التي تغرق فيها وزارة الصحة، تجاوز الأمر إلى غير ما هو طبي مع تعدد حوادث سرقة الأطفال، والاعتداء على الأطباء والممرضات، ففي مستشفى "أم المصريين" بمنطقة العمرانية بمحافظة الجيزة انتحلت امرأة شخصية طبيبة، وقامت بسرقة طفل مولود حديثًا دون تدخل أي فرد من أفراد الأمن بالمستشفى، وفي محافظة الغربية بمستشفى كفر الزيات العام، اعتدى أهالي طفل مريض على ممرضة؛ لعدم وجود دواء خاص بابنهم المريض بصيدلية المستشفى.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يتفشى الفساد والإهمال على مرأى ومسمع من المسئولين دون إيجاد حلول لذلك؟ وما تأثير ذلك على القطاع الطبي والصحي في مصر؟!.
في البداية يعترف الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء ورئيس لجنة الصحة بمجلس الشعب بوجود فساد في وزارة الصحة، مشيرًا إلى أن هناك تقارير رقابية تكشف هذا الفساد بعضها أحيل للنيابة، والبعض الآخر لم يؤخذ فيه أي إجراء حتى الآن.
ويضيف أن الفساد ظاهرة منتشرة في قطاعات كبيرة بالمجتمع، ولا تقتصر على الصحة فقط، وأن الفساد نوعان إداري ومالي، وما يحدث في القطاعات المختلفة من فساد مالي هو ناتج عن غياب الشفافية والمحاسبة، مشيرًا إلى أن سمات الديمقراطية الحقيقية هي الشفافية، وأن يتم كل شيء تحت سمع وبصر الجميع لا في الحجرات المغلقة، وأن تكون المحاسبة من الجهات الرقابية بالحكومة، والتي يراقب أداءها البرلمان.
ويستكمل قائلاً: "أنا كنقيب أطباء غير راضٍ عن الخدمة الصحية في مصر، وأرى أنها لا تتناسب مع الإمكانات المصرية التي لا تتوفر في 90% من دول العالم الثالث، فإنفاق الحكومة على الصحة قليل جدًّا، ولا يتعدى 3.3% من موازنة الدولة، وعندما طلبت وزارة الصحة 6 مليارات جنيه موازنة إضافية لم توافق لجنة الصحة بمجلس الشعب إلا على 100 مليون جنيه إضافية"، موضحًا أن مخصصات الصحة في الموازنة لا يحسن إنفاقه أو إدارته بشكل جيد، كما أن المستشفيات لا تتعدى نسبة الأشغال فيها 40% بسبب نقص الإنفاق.
فوضى
ويحمِّل الدكتور فريد إسماعيل الحكومة مسئولية تفشي حالة الفوضى والعشوائية في إصدار القرارات الوزارية المتضاربة، وغير المدروسة في كثيرٍ من الأوقات، وأكد أن الكشف عن وجود أكثر من 5700 وحدة للغسيل الكلوي بالمستشفيات والمعاهد الطبية الحكومية بعيدة عن اشتراطات الجودة والمواصفات القياسية، ويتعامل معها أكثر من 29 ألف مريض بالفشل الكلوي، يعيشون على عمليات الغسيل، أمرٌ خطير، ولا بد من محاسبة المسئولين عليه في الحال قائلاً: "هي الناس الغلابة دي ملهاش حق حتى في المرض، يعني جاي يتعالج من مرض خطير نعديه بمرض قاتل زي الإيدز وفيروس c اللي مفيش حد اتصاب بيه إلا وراح ضحيته".
ويشدِّد د. إسماعيل على ضرورة وجود تشريعات ومواد قانونية تساعد على زيادة الرقابة، وتعمل على التخلص من تراكمات الفساد التي نخرت هيكل المؤسسة الصحية المصرية، وضرورة عدم التسرع في إصدار قرارات وزارية، يكون هدفها الدعاية والإعلان، ومحاسبة المقصرين، ومعالجة الخلل الحكومي في التعامل مع أطراف العملية الصحية من أطباء وعاملين في المؤسسة العلاجية؛ سواء الخاصة والعامة، وكذلك المرضى والهيئات التي لها صلة وثيقة بالعمل الصحي.
وطالب النائب الحكومة بزيادة مخصصات وزارة الصحة في موازنة العام المالي الجديد، والتي لا تتجاوز في أفضل الأحوال حد الـ3.1%من إجمالي الموازنة العامة، مضيفًا أن في أوروبا والولايات المتحدة تصل مخصصات الصحة إلى 10% من إجمالي الموازنة؛ وهو الأمر الذي يعكس حالة عدم الإهمال الحكومي للصحة.
غياب الرقابة
د. سيف الله إمام
ويصف الدكتور سيف الله إمام الأمين العام المساعد لنقابة الصيادلة تصريح وزير الصحة عن وجود أدوية منتهية الصلاحية بالمستشفيات الحكومية تصرف للمرضى بـ"التصريح الخطير"، مضيفًا أن ذلك يعكس فسادًا مستشريًا وانعدامًا للضمير، وصل بحدِّ التلاعب بحياة البسطاء الذين يلجأون لصيدليات التأمين الصحي وللمستشفيات الحكومية لرخص ثمنها، ووجود بدائل للصنف الواحد من أي دواء.

ويؤكد إمام أن حادثة الوزير تلك، وقبلها قضية إرسال شحنة أدوية خاصة بمرضى العيون للمديريات الصحية بسيناء يكشف غياب نظام الضبط والرقابة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من صيدليات وزارة الصحة وشركات الأدوية التابعة لها تفتقد لأبسط الاشتراطات الواجبة لمنح التراخيص، بالإضافة لعدم الجاهزية لتخزين الأدوية، وغيرها من الشروط التي ألزمت وزارة الصحة شركات وموزعي الأدوية بها، من حيث مساحة المخزن، ووجود ثلاجة الرطوبة في وقت قريب، الأمر الذي يثير شكوكًا عن المستفيدين من وراء تلك القرارات الوزارية.
وانتقد إمام الأداء الرقابي لإدارة شئون الصيدلة بالوزارة، مفجرًا مفاجأة من العيار الثقيل؛ حيث أكد أن أغلب العيادات والصيدليات الموجودة بالمؤسسات وشركات القطاع العام والخاص غير مرخصة، ولا يوجد أي شكلٍ من أشكال الرقابة على الأطباء أو الأدوية الموجودة بها؛ الأمر الذي يعرِّض حياة العاملين بتلك المؤسسات للخطر.
تواطؤ
وشنَّ الدكتور أيمن راجح مدير الجمعية المصرية للدفاع عن ضحايا الإهمال الطبي هجوما حادًّا على مسئولي الصحة والحكومة بسبب السياسات الخاطئة التي تنتهجها الوزارة في التعامل مع الملف الصحي؛ سواء على المستوى الفوقي المختص بالسياسات العامة أو التحتي المتعلق بصحة المرضى وسلامتهم.
ويضيف راجح أن اعترافات مسئولي الصحة الأخيرة عن أدوية منتهية الصلاحية وأجهزة غير صالحة تسبب العديد من الأمراض المعدية، يؤكد أن الرقابة منعدمة، وهو الأمر الذي يفسح للمستشفيات الخاصة والاستثمارية "الاستفراد" بالمريض، واستنزاف مدخراته، وإن كانت الرقابة عليها هي الأخرى تعاني قصورًا حادًّا تصل "للتواطؤ".
ويؤكد أن جمعيته وغيرها من العاملات في الحقل الرقابي على المؤسسات الصحية تعاني تغييبًا كبيرًا على المستوى المجتمعي، ومن جهةٍ أخرى تعني تنازل العديد من ضحايا الإهمال الطبي عن حقوقهم؛ نظرًا لتهديداتهم، أو لحاجتهم للمال، أو من باب "من خاف سَلِم" أو "خليك جنب الحيط"، أو مجاملة الأطباء المحققين في الوزارة زملاءهم في الوسط الطبي إذا تقدَّم أحد للشكوى ضدهم.
قصور
إهمال المستشفيات خطر يهدد حياة الأبرياء!
ويؤكد الدكتور عمرو قنديل وكيل وزارة الصحة أن 25% من مرضى المستشفيات يصابون بفيروس "c" بعد إجراء العمليات الجراحية، معترفًا بأن الفيروس يتحول من سالب إلى موجب بين المرضى؛ نتيجة ارتفاع نسبة العدوى داخل المستشفيات إلى 9%.

ويوضح قنديل أن المنظومة الصحية تعاني بالفعل أزمةً حقيقيةً الأصل فيها سياسات خاطئة في وقت سابق لا تزال تداعياتها مستمرة ومؤثرة في مسيرة العمل الطبي، وهو ما نشاهده في القصور الواضح في أداء المستشفيات والوحدات الطبية، مشيرًا إلى أن الوزارة تطالب الحكومة ومجلس الشعب بضرورة زيادة مخصصاتها لمواجهة العجز من جهة والتطور الطبي المتلاحق.
ويضيف قنديل أن الوزارة ستضرب بيدٍ من حديد ضد كل مخالف، وأن حالات الفساد والإهمال داخل الوزارة ومؤسساتها ستواجه بإجراءات حازمة قائلاً: "حياة الناس دي مسئوليتنا أمام الله، ولازم نخاف عليها؛ لأن دي مسئوليتنا وواجبنا"!!.
