انتقل إلى رحمة الله في ولاية فلوريدا يوم السبت الموافق 15/4/2009م، الأستاذ الدكتور أحمد أحمد القاضي، من قيادات الإخوان في الولايات المتحدة الأمريكية، واستشاري جراحة القلب والصدر والأوعية الدموية، بمدينة بنما سيتي بولاية فلوريدا، وصاحب مشروع "أكبر" AKBAR بولاية فلوريدا.

 

والدكتور أحمد أحمد القاضي من مواليد 1 أغسطس سنة 1940 بمحافظة كفر الشيخ مركز دسوق، وقد سافر إلى النمسا للحصول على بكالوريوس الطب والجراحة وتخرَّج عام 1961، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وحصل على البورد الأمريكي في الجراحة العامة، ثم في الجراحة التخصصية في القلب والأوعية الدموية، وهو ابن الدكتور أحمد القاضي جراحة عامة، ووالده أيضًا من قدامى الإخوان المسلمين بكفر الشيخ، ويعدُّ الدكتور القاضي الابن من رواد العمل الإسلامي الإخواني في أمريكا؛ حيث استمر لعدة سنوات مسئولاً للاتحاد العام للإسلاميين بشمال وجنوب الولايات المتحدة الأمريكية والمعروفة باسم "إسنا" ISNA، وكان رحمه الله زوجًا للسيدة إيمان محمود أبو السعود ابنة الأستاذ الدكتور محمود أبو السعود- رحمه الله- وهو من كبار الإخوان المسلمين بأمريكا، وأحد أعلام الفكر الإسلامي الاقتصادي، وواحد من المؤسسين لكثير من البنوك الإسلامية في العالم الإسلامي.

 

ويعدُّ المرحوم الدكتور القاضي من الشخصيات الإسلامية الطموحة لإحداث تغيير شامل ومؤثر، وإن طال أمده وثقلت تكاليفه، وقد حمل- رحمه الله- على عاتقه وحدة مشروع "أكبر" AKBAR INSTITUTE FOR SCIENCE AND TECHNOLOGY، والذي كان يتوقع له أن يكون نواة لكلية طب وجامعة إسلامية بالولايات المتحدة الأمريكية, وقد جاب من أجل هذا المشروع الطموح العالم العربي والإسلامي، وقابل أمراء كثيرين ومسئولين، حاول إقناعهم بهذا المشروع، ولكنه لم يجد منهم إلا جهلاً ونظرةً قاصرةً، لم تستوعب نظرته الطموحة التي سبقت أوانها، فقرر أن يبدأه بالجهود الذاتية، وقد ضحّى في سبيل ذلك بكثير من وقته وماله ولكنه- رحمه الله تعالى- حورب محاربة شديدة من قِبَل الأطباء الأمريكان المنافسين، ولكن هذا لم يفتّ في عضده؛ بل استمر- رحمه الله- في أبحاثه حول الأثر الصحي للالتزام بتعاليم السماء والتغذية الصحيحة القائمة على تناول الأعشاب الطبيعية.

 

كما قام ببحوث حول أثر الصلاة والإيمان وقراءة القرآن على أمراض العصر، كالسكر والضغط واختلال ضربات القلب وتصلب الشرايين، وقد افتتح مركزًا بحثيًا في دولة الإمارات العربية، ونشرت كثير من بحوثه في الأوساط العلمية وفي مؤتمرات الإعجاز الطبي للقرآن الكريم والسنة المطهرة.

 

رحم الله الدكتور القاضي وأسكنه فسيح جناته وألحقه بإخوانه الذين سبقوه بالإيمان.. آمين.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

والحق أن لي مع المرحوم الدكتور القاضي الابن والأب ذكرياتٍ شخصية، لا تتسع لها هذه المقالة التي كتبتها على عجالة؛ لكنني أرى من الوفاء والفائدة لإخواني ألا أكتمها, ولقد صدق أستاذي وأخي في الله المستشار عبد الله العقيل، حينما قال لي: إنه لا يكتب في سلسلته إلا عن الأموات؛ لأن الأحياء لا تؤمن عليهم الفتنة وقد التقيت الدكتور القاضي- رحمه الله- عام 1981م في ولاية فلوريدا، وكنت قد سمعت عنه من قِبَل الدكتور سامي الرفاعي استشاري جراحة النسا والولادة بالولايات المتحدة الأمريكية.

 

وقد أخبرني الدكتور سامي أن الدكتور القاضي يخطط لمشروع كلية طب إسلامية بالولايات المتحدة الأمريكية؛ كي تستقطب الدارسين العرب؛ حتى لا ينغمسوا في دائرة التخبط والمخالفات التي يمر بها معظم الدارسين في الخارج خاصة في بداياتهم, ومنذ سمعت هذا عن الدكتور القاضي تعلَّقت نفسي بلقائه وحرصت على مقابلته.. وبالفعل ذهبت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكل همي أن ألقاه، وقد قادتني إليه ظروف أحسبها من كراماته؛ فقد دعوت الله أن ألتقيه في أول أيامي بالولايات المتحدة.. وبالفعل ذهبت إلى ولاية فلوريدا، وذهبت إلى مدينة بنما سيتي حيث يقيم، وكنت لا أعرف عنوانه، وحجزت غرفة في فندق؛ كي أستعد في اليوم الثاني للبحث عنه، وخرجت أسير في الشارع الذي يمر بالفندق.. فوجدت أمامي مبنى يشبه أن يكون مجمع عيادات، فنظرت إلى اللافتات المكتوبة عليه فرأيت اسم الدكتور القاضي على المبنى!! فتشجعت ودخلت، وإذا بالسكرتيرة تأخذني إليه مباشرة- رحمه الله- فوجدت شخصية عجيبة.. يشعرك فور رؤيته والجلوس معه أنكما قد تعارفتما منذ وقت طويل، وهذا والله ما شعرت به عند أول لقاء لي به، وقد أصرَّ رحمه الله أن يأخذ حقائبي من الفندق ليصحبني إلى مكان قد أعدَّه لمن يغشونه من الأضياف الكثيرين الذين يحضرون إلى أمريكا للعلاج أو للمشاركة في أعمال دعوية, وفي بيت الدكتور القاضي وجدت منه ومن زوجه السيدة الفاضلة إيمان أبو السعود كل كرم وفضل.

 

وأستطيع أن أقول الآن وبعد وفاته رحمه الله: إنه كان مثالاً في دماثة الخلق، وحسن المعاملة، والصبر العجيب الذي يدعوك إلى الدهشة, وقد حدثت لي معه طرفة ذكرتها للدكتور المستشار عبد الله العقيل، عساه يكتب عنها في سلسلته الرائعة "من أعلام الحركة الإسلامية": كنت وقتها حديث عهد بدعوة الإخوان المسلمين، وكنت مغرمًا بالدعوة الفردية كطريقة تربوية رائعة ليست فيها قيود وتؤتي ثمارها كل حين بإذن ربها, ولذلك حين التقيت الدكتور القاضي ولمست فيه هذه الأخلاق الرائعة العظيمة خططت لأن أقوم معه بالدعوة الفردية حتى لا تفوت الدعوة مثل شخصيته.

 

وقد فهم رحمه الله ذلك وتجاوب معي ولم يخبرني بأنه من أكبر المسئولين عن العمل الإسلامي بالولايات المتحدة كلها!! وكم ضحكت من نفسي حين علمت بعد ذلك أنني كنت أعيش تحت سقف واحد مع واحد من أكبر المسئولين عن الحركة الإسلامية في أمريكا كلها, وقد تعلَّمت منه ومن والده الأب أحمد القاضي (الذي كان قد تعدّى الثمانين وقتها) عليهما رحمة الله, أقول تعلمت منه الكثير؛ فقد كنت أرى بعيني الجهد المتواصل الذي يبذله الدكتور القاضي الابن يوميًّا؛ حيث كان رحمه الله قليل النوم، إذ يبدأ يومه بصلاة الفجر مؤذِّنًا لمن في البيت.

 

وكان رحمه الله يرفع صوته بالأذان مارًّا بالجناح الذي أقيم به، ثم غرفة بناته وغرفة والده وزوجه؛ حتى يستيقظ الجميع للصلاة، وبعد الصلاة والأذكار كنا نجلس جلسة تفسير وقرآن معه ومع أهله، فقد كان- رحمه الله تعالى- له أربع بنات: سلمى وماجدة ومنى وسميرة، وكنت أقوم بتحفيظهن القرآن والنحو، وقد أدبهن رحمه الله فأحسن تأديبهن، ورباهن فأحسنَ التربية، وكانت هذه الجلسة بعد الفجر بمثابة الزاد الروحي الذي يصحبنا يومنا كله، وقد تعلمت من الدكتور القاضي- رحمه الله- دقة المواعيد والنظام؛ حيث كان يحتفظ بورقة في جيبه تحتوي على كل مواعيده وأنشطته التي أعدّها ليومه، يلتزم بها ويستدعيها بين الفينة والفينة؛ حتى لا يفوته شيء منها، وكان ينجز في اليوم الواحد ما ينجزه واحد من شباب هذا العصر في أيام، ولا أبالغ إن قلت في شهور!.

 

ومن العجيب أنه كان يفعل ذلك في صمت وبلا ضجيج وبلا كلل أو ملل، وأحسبه- ولا أزكيه على الله تعالى- ينطبق عليه وصف الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس، حين وصف داعية الإخوان بهذا الوصف الذي لا يشعر به إلا من عاشه وجرَّبه, يقول الإمام البنا: "قليل من الناس من يعرف أن الداعية من دعاة الإخوان قد يخرج من عمله المصلحي في عصر الخميس فإذا هو في العشاء بالمنيا يحاضر الناس, وإذا هو في صلاة الجمعة يخطب بمنفلوط, وإذا هو في العصر يحاضر بأسيوط, وبعد العشاء يحاضر بسوهاج, ثم يعود أدراجه هادئ النفس مطمئن القلب يحمد الله على ما وفقه إليه ولا يشعر به إلا الذين استمعوه, هذا مجهود لو قام به غير الإخوان لملأ الدنيا صياحًا و دعاية, قد يقضي الأخ شهرًا أو شهرين بعيدًا عن أهله وبيته وزوجه وولده.. يدعو إلى الله, هو في الليل محاضر وفي النهار مسافر, يومًا بحزوى ويومًا بالعقيق, فيلقي أكثر من ستين محاضرة من شرق القطر إلى غربه, وقد تضم الحفلات التي يحاضر فيها الآلاف من مختلف الطبقات, ثم هو بعد ذلك يوصي ألا يكون محل دعاية أو إعلان".

 

نعم رأيت هذا وشاهدته مع الدكتور القاضي، وكم كنت أصحبه في عطلة نهاية الأسبوع في بعض رحلاته وأنشطته، وهو لم ينل من النوم إلا القسط القليل! فإذا هو كما وصفته زوجه جزاها الله كل خير على كفاحها الطويل معه وعلى طريقه، حيث قالت لي حينما اتصلت لأعزيها في وفاته، فطلبت منها كلمة تقولها في حق رفيق دربها وكفاحها فقالت كلمة واحدة: "لقد وهب حياته للدعوة" وما أصدقها كلمةً وبيانًا.. نعم، لقد كان الدكتور القاضي داعية بحق، وهب نفسه وماله وبيته للدعوة لا يدَّخر وسعًا ولا جهدًا في سبيل دعوته إلا بذله طيبةً به نفسه راضيًا به قلبه منشرحًا به صدره.. رحم الله الدكتور القاضي وأخلفه في زوجه وبناته بخير وللحديث بقية..

----------

 * جمهورية مصر العربية: Email dr_aladass@hotmail.com