تناولنا في المقال السابق توجهات جماعات حقوق المرأة بمصر إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية، وتشمل كل مراحل الزواج من الْخِطبة حتى ما بعد الطلاق؛ مثل: ولاية الزوج، والإنفاق، والصداق، ورؤية الأولاد بعد الطلاق.. وقلنا: إن السيدة وزير الأسرة والسكان بمجرد صدور قرار تعيينها أعلنت أن موضوع تجريم تعدد الزوجات على رأس أجندتها التي ستتقدم بها إلى مجلس الشعب، وأشرنا إلى أن هناك حملةً شرسةً يقودها مُروِّجُون كُثر؛ تدفعهم دفعًا مصالح وأهواء وتوجهات؛ أكثرها تصدر عن مؤسسات الأمم المتحدة، وتعمل على تنفيذ توصيات مؤتمرات السكان بالقاهرة، وبكين، وواشنطن، وتعمل بإلحاح على ترجمة هذه التوصيات إلى واقع حيٍّ في بلاد العالم الثالث، ويعني العالم العربي والإسلامي– بصفة أخص–، وتكون الترجمة في شكل قوانين ملزمة بقوة وسلطان الدولة، لا يملك الأفراد ولا الشعب منها فكاكًا؛ حتى لو تصادمت مع موروثات الأمة، وقيمها، ودينها.

 

لماذا أباح الإسلام تعدّد الزوجات؟

التعدد رخصة- وليس أمرًا- وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة تدل على أن الصحابة- رضي الله عنهم- كان منهم من يمسك أكثر من أربع نسوة في عصمته، وكان أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن يمسك أربعًا ويفارق من زاد على ذلك، والمسلم عليه أن يدافع عن شرع الله، وأن يذود عن حياضه، ولا يقبل أبدًا تبديلاً أو تعديلاً أو إلغاءً لهذا الشرع بأي حجة من الحجج؛ وخاصةً ما جاء منها من حضارات وديانات تتناقض تمامًا مع حضارة الإسلام وجذورها الربانية ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً(76)﴾ (الإسراء).

 

نحن إذًا- من منطلق التزامنا بالإسلام- مع التعدّد؛ بصرف النظر عن تنفيذنا لهذه الرخصة، وقد لا نطبّقها كأشخاص في واقع حياتنا، وقد يكون المجتمع ككل لا يطبق التعدّد إلا فيما ندر، ومع ذلك يبقى شرع الإسلام في هذه القضية هو العلاج الناجح لكثير من المشكلات الاجتماعية التي لا يعالجها إلا رخصة التعدّد.

 

ونشير هنا إلى طرف من هذه المشكلات:

1-  قد يزيد عدد النساء في المجتمع عن عدد الرجال لظروف حرب أو غيرها، وعندئذٍ يكون التعدد علاجًا لمشكلة نساء بلا زواج، وحسمًا للآثار السيئة التي تترتب على وجود امرأة بلا زواج، ثم هو علاج لتخاطف النساء للرجال إذا قلَّ عدد الرجال، وما يترتب على هذا التخاطف من قلق واضطراب للأسرة، والمجتمع في آنٍ واحدٍ، ثم هو علاج لامرأة لا تعرف الرجل، ولا يعرفها رجل؛ مع أنّ الله سبحانه قد هيّأها وفطرها على هذه المعرفة.

 

2-  وقد تكون رغبة الرجل في التعبير عن طاقته الجنسية ملحة، وقد تكون زوجته الواحدة غير قادرة على ذلك، ولا راغبة فيه، وعندها يكون التعدد بديلاً عن الانحراف والوقوع في جريمة الزنا، وقد تكون هذه الزوجة التي لا تستطيع مجاراة زوجها في التعبير عن الطاقة الجنسية، راغبة في أن تستمر عشرتها له؛ فيكون التعدد بديلاً عن الطلاق.

 

3-  ومن المعروف أن فترة الإخصاب عند الرجل تمتدّ إلى سبعين عامًا أو ما فوقها؛ بينما هي عند المرأة في غالب الأحيان تقف عند سن الخمسين أو قريبًا منها، وتلك فطرة الله التي فطر عليها كلاًّ من الذكر والأنثى.

 

ويذهب الدكتور علي عبد الحليم محمود في كتابه (المرأة المسلمة وفقه الدعوة إلى الله) إلى أن عمران الأرض يقوم على التكاثر، وأن تضييع عشرين سنة من عمر الإخصاب لدى الرجل معوّق من معوقات الإعمار للأرض، فيكون التعدد هو الحل لتلك المشكلة أو القضية، وهو حل اقتصادي؛ أخذًا بمبدأ أن المواليد طاقات بشرية منتجة.

 

4-  وقد تكون الزوجة الأولى غير مهيّأة للحمل والولادة أصلاً؛ لعيب فيها لم يتبين إلا بعد الزواج، ومن الصحة النفسية للرجل؛ بل والمرأة أن يكون لديهما أولاد، لإشباع غريزة الأبوة والأمومة؛ وهي غرائز أساسية في الإنسان، وعندئذٍ يكون تعدد الزوجات حلاًّ للزوجة العقيم إذ تجد في أبناء زوجها أطفالاً إذا رعتهم أشبعوا فيها الإحساس بالأمومة، وخصوصًا إذا كان البيت تحكمه آداب الإسلام وأخلاقه من حسن التعامل مع كل مَن في البيت، وهذا كله إذا ما كانت الزوجة الأولى راغبةً في البقاء مع زوجها؛ لأنها واجدة في هذه العشرة إشباعاً لأمور كثيرة غير الحمل والولادة.

 

5-  وقد يكون في التعدد كفالة لامرأة صالحة لا كافل لها، وحماية لها من ضغوط الحاجة، وما قد تجرّ إليه من متاعب، وفي هذه الكفالة مواساة للمرأة الصالحة، وإعفاف لها، وخدمة جليلة تُؤدَّى إلى المجتمع كله.

 

6-  وقد يكون في التعدد صيانة لزوجة شهيد من شهداء الإسلام، ورعاية لأبنائه، وكفالة لهم، وهو عمل جليل وصريح وأفضل كثيرًا من أن يقدّم إلى هذه المرأة وأبنائها إحسان أو صدقة تحيطها الشبهات، وتنسج من حولها الحكايات.

 

7-  وقد يكون في التعدد رعاية ليتامى في حجر أم لا تملك أن ترعاهم، وكفالة اليتيم في الإسلام تعني صحبة النبي- صلى الله عليه وسلم- في الجنة كما جاء في أكثر من حديث نبوي شريف.

 

ونحب أن نؤكّد أن دفاعنا عن رخصة التعدد لا يعني بحال من الأحوال أننا ندعو إليه ونجيزه كيفما اتفق، ونذهب إلى ضرورة التعدد لكل الناس أو أنه فريضة واجبة؛ بل هو رخصة لازمة لمواجهة ظروف معينة وضرورات محدّدة؛ مثلما أشرنا إلى ذلك آنفًا، ولا نحب أن نخوض فيما خاض فيه من ينقصهم الفقه والفهم لأحكام الإسلام، وهو ما ذهبوا إليه- خطأً- أن الأصل هو التعدّد في الإسلام، والاستثناء هو الواحدة، وهذا خطأ شائع ولا ينسجم مع الفطرة والفهم السليم.

 

هل من حق ولي الأمر منع المباحات؟

وقد يدّعي البعض أن من حق ولي الأمر منع بعض المباحات؛ فيرد عليهم د. يوسف القرضاوي في كتابه (ملامح المجتمع المسلم) أن الذي أعطاه الشرعُ لولي الأمر هو من تقييد بعض المباحات لمصلحة راجحة في بعض الأوقات أو بعض الأحوال أو لبعض الناس لا أن يمنعها منعًا عامًّا مطلقًا مؤبدًا؛ لأن المنع المطلق المؤبّد أشبه بالتحريم الذي هو من حق الله تعالى، وهو الذي أنكره القرآن على أهل الكتاب ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(31)﴾ (التوبة).

 

وقد جاء الحديث مفسرًا للآية (إنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم..)، وأمثلة المباحات التي يتدخل ولي الأمر بتقييدها كثيرة؛ أما أن تجيء إلى شيء أحله الله تعالى، وأذن فيه بصريح كتابه وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم- واستقرّ عليه عمل الأمة مثل الطلاق، أو تعدد الزوجات- وهو الموضوع الذي نحن بصدد مناقشته- فتمنعه منعًا عامًّا مطلقًا مؤبدًا؛ فهذا شيء غير مجرد تقييد المباح؛ مثل منع اللحم في بعض الأيام تقليلاً للاستهلاك، ومثل منع زواج الكتابيّات إذا خيف أن يحيف ذلك على البنات المسلمات، وذلك في مجتمعات الأقليات الإسلامية الصغيرة، ومثل منع كبار ضباط الجيش أو رجال السلك الدبلوماسي من الزواج من أجنبيات خشية تسرب أسرار الدولة.

 

ويختلف العلماء حول فكرة تقنين تعدد الزوجات؛ فذهب البعض إلى أن ذلك يتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية، وهذه الشريعة سمحت بالتعّدد؛ فلا يجوز تقييده بقانون وضعي، ومبدأ التعدّد قد رسخ أكثر من أربعة عشر قرنًا وأخذ وضعًا مستقرًا، ولا يجوز الاجتهاد فيما فيه نص.

 

والتعدد فيه توسعة على الأمة، وهو من الأمور المجمع على جوازها، ومن المقرر شرعًا أنه لا إنكار في المختلف فيه؛ ولكن ينكر إنكار المجتمع عليه.

 

إساءة استخدام رخصة التعدّد:

هناك من الناس من يعدّد وهو غير واثق من نفسه بالعدل الذي شرطه الله للزواج بأخرى، ومنهم من يعول وهو غير قادر على النفقة اللازمة للزوجتين، ومنهم من هو قادر على الإنفاق؛ ولكنه غير قادر على الإحصان، ومنهم من يدلّل الزوجة الجديدة ويظلم القديمة؛ بل ويتركها كالمعلّقة، ويؤدي ذلك إلى تحاسد الأولاد وهم أبناء أب واحد؛ لأنه لم يعدل بينهم في الحقوق، ومع ذلك فإن السوء الذي هبط به أهل الغرب بتجريم التعدد الأخلاقي (الإسلامي)، وإباحة التعدد غير الأخلاقي الذي عليه المجتمع الغربي، هذا اللون من الانحراف هو الذي يريدوننا أن نهبط إليه فنكون مثلهم في (الهمّ سواء).

 

دعاة المنع.. ماذا يريدوننا أن نكون؟!

يذكر د. يوسف القرضاوي أنه سمع من الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود- رحمه الله- أن رجلاً مسلمًا في بلد عربي أفريقي مغربي يمنع التعدّد، تزوّج سرًّا بامرأة ثانية على زوجته الأولى، وعقد عليها عقدًا عرفيًّا شرعيًّا مستوفيًّا الشروط؛ ولكنه غير موثق؛ لأن قانون البلد الوضعي يرفض توثيقه، ولا يعترف به؛ بل يعتبره جريمة، وكان الرجل يتردّد على المرأة من حين لآخر، فراقبته شرطة المباحث، وعرفت أنها زوجته، وأنه بذلك ارتكب مخالفة القانون، وفي ليلة ما ترصدت له وقبضت عليه عند المرأة، وساقته إلى التحقيق بتهمة الزواج بامرأة ثانية. وكان الرجل ذكيًّا فقال للذين يحققون معه: مَن قال لكم إنها زوجتي؟ إنها ليست زوجة؛ ولكنّها عشيقة اتخذتها خدنًا لي، وأتردد عليها بين فترة وأخرى.

 

وهنا دُهش المحققون، وقالوا للرجل بكل أدب: نأسف غاية الأسف؛ لسوء التفاهم الذي حدث، كنا نحسبها زوجة، ولم نكن نعلم أنها رفيقة، وأخلوا سبيل الرجل!!.