- خسائر الشركات بملايين الجنيهات وعشرات العاطلين
- توقف أكثر من 20 مشروعًا وتضرُّر 67 شركة
- هروب الاستثمارات الأجنبية وفي مقدمتها التركية
تحقيق- محمد يوسف:
كانت إحالة عدد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، ورجال أعمال مصر الشرفاء عام 2006 إلى المحاكمة العسكرية، وفي مقدمتهم المهندس خيرت الشاطر النائب الثاني للمرشد العام، ورجل الأعمال الشهير حسن مالك؛ قد أثارت مخاوف الكثيرين على المستوى الاقتصادي والسياسي، وذهبت التحليلات السياسية إلى أن المقصود بهذه الخطوة هو تقليص الإمكانات الاقتصادية للجماعة في صورة ضرب مشروعات رجال الأعمال المنتمين إليها، وبذلك يكون هذا الإجراء بمثابة ضربة موجعة من قِبل النظام لجماعة الإخوان المسلمين، وتخويفهم من السعي إلى تكوين كيانات اقتصادية تمكنهم من تحقيق نوع من السجال السياسي مع النظام "بحسب رؤية النظام"، خاصة أن الجماعة استطاعت أن تحقق فوزًا كبيرًا في الانتخابات التشريعية عام 2005، وحصول الجماعة على 20% من مقاعد البرلمان، مُشَكِّلةً بذلك أكبر فصيل معارض داخل البرلمان، وقد أرجع البعض هذا الفوز للإمكانات المادية الكبيرة التي أتيحت للمرشحين من الإخوان، فضلاً عن جوانب أخرى، كالالتحام بقضايا الجماهير، والوجود بينهم، والسعي إلى مساعدتهم على متطلبات المعيشة، والتوسع في ممارسات العمل الخيري في مناطق متعددة الأمر الذي جعل النظام يتصرف بعدوانية شديدة تجاه الإخوان وكياناتهم الاقتصادية.
تهم جديدة
كما شهدت الاتهامات التي ألصِقت بقيادات الجماعة في القضية العسكرية الأخيرة ظهور اتهامات جديدة غير الانتماء لجماعة محظورة، والعمل على تكدير الرأي العام؛ وصلت لحد غسيل الأموال، وهي تهمة جديدة على الإخوان وعلى غير الإخوان؛ حيث برَّأت المحكمة العسكرية، ومن قبلها القضاء المصري جميع المتهمين من تهمة غسيل الأموال، في حين أمرت بمصادرة نصيب المهندس خيرت الشاطر، وحسن مالك في شركة "مالك" وفروعها و"رواج" وفروعها، بالإضافة لسجنهما لمدة 7 سنوات، ومصادرة نصيب حسن مالك في شركة "الأنوار"، ومصادرة نصيب المهندس خيرت وأحمد عبد العاطي في شركة "الحياة"، ومصادرة نصيب أحمد أشرف عبد الوارث في "دار التوزيع والنشر الإسلامية" وسجنه 3 سنوات هو الآخر.
فساد
![]() |
|
الفساد يتغلغل في كل مؤسسات الدولة |
وفي الفترة ما بين القبض على قيادات الإخوان في ديسمبر 2006 مرورًا بإحالتهم إلى القضاء العسكري، وانتهاءً بالأحكام الصادرة في أبريل 2008، أكَّدت تقارير دولية أن الاقتصاد المصري يعاني من حالة سيئة، مثلما ذكر تقرير مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي السنوي العام الماضي، الذي حلَّت فيه مصر المرتبة 141 من بين 155 دولة، وأُدرِجت في ترتيب متأخّر جدًّا ضمن الدول الجاذبة لرءوس الأموال والاستثمار، كما أظهر تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2008 مصر، وقد حلّت المركز الـ115 بعد أن كانت في المرتبة الـ105 في تقرير عام 2007، بل وصف التقرير مصر بأنها أقرب الدول إلى الفاسدة، مضيفًا أن الفساد في مصر يشكِّل عائقًا خطيرًا أمام التنمية، وأن الفساد أصبح يتم الكشف عنه ومناقشته بصورة علنية، خصوصًا بعد زيادة موجة الاحتجاجات في مصر.
بالإضافة إلى أن البورصة المصرية قد تأثرت- إبّان صدور قرار النائب العام في 28 من يناير 2007- بمنع مجموعة رجال الأعمال من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين من التصرف في أموالهم هم وزوجاتهم وأبنائهم القُصَّر، كما شهدت نفس التأثر بعد صدور قرار الإحالة إلى القضاء العسكري في 5 من فبراير 2007، وأيضًا إبّان صدور الأحكام من قِبل المحكمة العسكرية في 15 من أبريل 2008 "حسب ما أعلنه تقرير مركز سواسية لحقوق الإنسان" حيث تضمنت مصادرة للأموال الخاصة، ومن شأن هذه الأحداث أن تبيّن مدى الآثار السلبية التي يمكن أن تؤدي إليها مثل هذه الأحكام، خاصة أن البورصة في مصر لا زالت ناشئةً، وهذه المخاوف لها ما يبررها، وقد أشارت بعض التقديرات إلى أن حجم الأموال التي خرجت من البورصة المصرية بسبب قضية رجال الأعمال من الإخوان المسلمين يقدر بنحو 20 مليار جنيه.
ضعف حكومي
وتشير الدراسة التي أعدها باحثون متخصصون في مركز سواسية لحقوق الإنسان بعنوان: "المعارضة المستباحة.. حول المحاكمة العسكرية لقيادات الإخوان المسلمين" إلى أن لجوء النظام الحاكم إلى المحاكمات العسكرية، ومصادرة الأموال الخاصة، من شأنه أن يعظِّم الشعور بالفساد، والذي تمتلك فيه مصر سجلاً مؤسفًا؛ حيث تشير تقديرات منظمة الشفافية الدولية إلى وجود مصر في ترتيب متدنٍّ بنحو 3.2، بينما المؤشر يشتمل على عشر درجات، والحصول على صفر يعني الفساد الكامل، والحصول على 10 يعني الشفافية الكاملة، وكما يبين المؤشر، فمصر دون الوصول إلى نحو منتصف المؤشر، وثمة علامة خطر في شأن الفساد تتعلق بقضية المحاكمة العسكرية الأخيرة؛ حيث اختفى الكثير من الأحراز من أموال ومجوهرات تخصُّ رجل الأعمال حسن مالك، واختفاء بعض النقود من أحراز رجل الأعمال عبد الرحمن سعودي، ومكمن الخطر هنا أن ضياع الأحراز له دلالات فساد من الصعب التغاضي عنها، فإذا كان الفساد امتدَّ إلى أحد إجراءات المحاكمة؛ فأين تتحقق الشفافية التي يطمئنُّ إليها رجل الأعمال ومتخذ قرار الاستثمار؟
ويضيف التقرير أن هناك نوعًا من عدم الحرص على المقدرات الاقتصادية للبلاد من قِبَل النظام، ويتضح ذلك من خلال المقارنة بين معاملة النظام لرجال الأعمال الذين شملتهم المحاكمة العسكرية السابعة للإخوان المسلمين في مصر، وبين رجال الأعمال الذين سَلبوا أموال الجهاز المصرفي، وفروا إلى الخارج مخلفين وراءهم مشكلات جسامًا، سواء لمشروعاتهم، أو لمورِّديهم، أو للبنوك التي استنزفوا مواردها؛ حيث يسعى النظام للحوار مع من هربوا للخارج بأموال البنوك، ومحاولة تسوية ملفاتهم، وفي نفس الوقت تصادر أموال رجال الأعمال من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين لم يُدانوا في قضايا مع البنوك، أو الضرائب، أو ممارسة أنشطة اقتصادية محظورة، بل برَّأتهم المحكمة العسكرية ذاتها من تهم غسيل الأموال والإرهاب..
والخلاصة التي نصل إليها هي: إنه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، والتي لا تتناسب مع مكانة مصر وإمكانياتها، يجب أن يكون أداء النظام وجميع القوى السياسية، وغير السياسية هو الاتجاه نحو تعضيد وتقوية الداخل، خاصّةً على الصعيد الاقتصادي، وبدلاً من أن يتخذ النظام من المجال الاقتصادي أهدافًا للنيل من خصومه السياسيين، فعليه أن يذهب ليعالج مظاهر الخلل، ومكامن الضعف في الأداء الاقتصادي، والاجتماعي، ومن هنا يكون مصدر قوته ومواجهة خصومه، أما تشويه صورتهم، أو النيل منهم في ظل أجواء اقتصادية متردية فسوف تكون عاقبته سيئةً على الجميع.
ضرر كبير
عبد الحافظ الصاوي

ويضيف عبد الحافظ الصاوي الخبير الاقتصادي أن الأبعاد الاقتصادية للأحكام الصادرة بشأن بعض رجال الأعمال من جماعة الإخوان المسلمين لا ينبغي أن تتم قراءتها في ضوء أحكام المصادرة للأموال فقط، وإنما يجب التعامل معها على عدة مستويات.
المستوى الأول: مجموعة ممن صدرت بحقهم أحكام بالبراءة سجنوا لمدة قاربت عامًا ونصف العام، تعطلت فيها أنشطتهم الاقتصادية، ولم يتمكنوا من التصرف في أموالهم بناءً على قرار النائب العام؛ وبالتالي فهناك خسائر تحققت نتيجة تعطُّل هذه المؤسسات والمنشآت، بغضِّ النظر عن حجم النشاط سواء كان كبيرًا أو متوسطًا أو صغيرًا، فضلاً عن أن الأفراد العاملين بهذه المؤسسات قد تعرَّضوا فجأة للبطالة، في تلك الظروف الصعبة التي يعيشها الاقتصاد المصري من حيث توفير فرص عمل، أو من حيث تلك الحالة التي قد يتخوف من خلالها البعض في الأسواق من عودة التعامل مع هذه المؤسسات مخافة البطش الحكومي، كما أن فرص رجال الأعمال هؤلاء- بلا شك- سوف تكون ضئيلة في حالة تفكيرهم في التعامل مع الجهاز المصرفي، خاصّةً بنوك القطاع العام؛ لما يكتنف المسئولين بهذه البنوك بحالة "الفوبيا الحكومية".
المستوى الثاني: مجموعة من حصلوا على أحكام بالسجن ما بين 3 و5 سنوات دون مصادرة؛ حيث إنه ستستمر حالة الإغلاق لتلك المنشآت، أو حتى في أحسن الفروض- في حالة تمكن ذويهم من فتح هذه المنشآت ومزاولة نشاطها- فإنها ستكون قد غيبت عن الأسواق ما يقرب من عامين، والنشاط الاقتصادي لا ينتظر أحدًا؛ لأن هذه المنشآت بالطبع لديها عملاء، وبلا شك فإنهم قد توجهوا إلى مؤسسات وأشخاص آخرين.
المستوى الثالث: وهم رجال الأعمال الذين تمت مصادرة أموالهم، وشركاتهم بالإضافة لسجنهم فترات ما بين 5-7 هؤلاء هم الأكثر تضرُّرًا على الصعيد الاقتصادي، فضلاً عن الجوانب الأخرى المتعلّقة بحقوق الإنسان، أو النواحي الاجتماعية، ففترة 5-7 سنوات كفيلة بقتل أي عمل اقتصادي، فما بالنا إذا كانت هذه الفترة بسبب بقاء صاحب المنشأة في السجن، وصودرت أمواله؟! فمن غير المعقول أن ينطلق رجال الأعمال هؤلاء لممارسة أعمال اقتصادية أخرى، خاصّةً أنهم يُعتبرون عصب منشآتهم الاقتصادية، وفقدانهم للتمويل سوف يكون قيدًا لا يستهان به، ولا يخفى على أحد أن وجود أحكام عقابية سوف تحرم رجال الأعمال هؤلاء، وذويهم من الحصول على العديد من المميزات التي يحصل عليها أقرانهم في السوق المصرية.
وإجمالاً فإن من أُحيلوا إلى القضاء العسكري، قد تأثروا ماديًّا واقتصاديًّا، هم وذووهم وكذلك العاملون لديهم، من حيث تدبير احتياجاتهم المادية، وفقدهم لرواتبهم ودخولهم المادية التي كانوا يحصلون عليها مقابل عملهم بهذه المؤسسات.
حكومة غير رشيدة
د. جهاد صبحي
ويؤكد الدكتور جهاد صبحي الأستاذ بجامعة الأزهر أن الوضع الاقتصادي في مصر بشكل عام يحتاج إلى كافة الاستثمارات الداخلية والخارجية؛ لأن الشعب يعاني من انخفاض في مستوى المعيشة، مؤكِّدًا أن أي حكومة رشيدة تسعى لتحقيق مصلحة الوطن لا بد أن تحفز الاستثمارات؛ لما يترتب على ذلك من توفير فرص عمل، وزيادة القدرة الإنتاجية، وتحسُّن دخول الأفراد؛ الأمر الذي يؤدي إلى تحسين مستوى معيشة الأفراد، ولكن ما حدث من تحويل رجال أعمال إلى محاكم عسكرية والحكم بسجنهم لمددٍ طويلة بالإضافة إلى مصادرة أموالهم، وشركاتهم التي أغلبها شركات مساهمة مصرية؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على الاقتصاد المصري بشكل عام، وعلى استثمارات شركات رجال الأعمال بالعسكرية بشكل خاص.

وأشار صبحي إلى أن وجود شركات كبيرة بحجم شركات المهندس خيرت الشاطر، وحسن مالك، وعبد الرحمن سعودي، وغيرها من الشركات، ودخولها مجالات جديدة في التصنيع والتصدير، وبناء علاقات تجارية واقتصادية قوية مع دول المنطقة وأوروبا، هذا بالإضافة إلى أنها شركات مساهمة؛ الأمر الذي انعكس بالإيجاب على الاستثمار المصري في فترة ما قبل المحاكمات، أما الآن فالأمر قد اختلف؛ فالشركات تمت مصادرتها، وتم تسريح العمال والموظفين، وهربت الاستثمارات؛ الأمر الذي انعكس على الوضع الاقتصادي بشكل ملحوظ.
شهادة حق
![]() |
|
عبد المنعم عبد المقصود |
ويؤكد عبد المنعم أن اللجان التي انتدبتها المحكمة لفحص شركات الإخوان المحالين للعسكرية أثبتت "حسن سيرها وسلوكها"، وهو ما دفع سعد الدين رجب رئيس لجنة الخبراء التي انتدبتها المحكمة العسكرية لفحص شركات الإخوان تأكيده بأن هذه الشركات ناجحة، وليست فاشلةً، وأنها شركات غرضها الربح، وأنها تعمل في إطار القانون، وتسدد الضرائب، وبالتالي فهي تساعد في دفع عجلة الاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى أن جميع رءوس الأموال الخاصة بقيادات الإخوان سليمة، وأنه لا يوجد ثمَّة مخالفة، أو شبهة تتعلق بثرواتهم.
تعنت حكومي
ويضيف عبد المنعم أن 15 من قيادات الإخوان المسلمين ممن حصلوا على أحكام بالبراءة في القضية العسكرية الأخيرة يواجهون تعنُّتًا شديدًا من المدَّعي العام العسكري الذي منعهم من استلام شركاتهم والتعامل مع البنوك، وكذلك التصرّف في أموالهم عدا المعاش لمن تجاوز الستين، ومنعهم من التعامل مع الشهر العقاري بالبيع والشراء، ومنعهم من السفر؛ الأمر الذي يمثل انتهاكًا صريحًا لمواد الدستور والقانون، ويأتي ضمن مسلسل الضغط على الإخوان، وعلى ذويهم.

