الأقلية المسلمة في إيطاليا أقلية حديثة نسبيًّا إذا ما قورنت بمثيلاتها في ألمانيا وبريطانيا وبلجيكا، وهذه الحداثة الزمنية ألقت بظلالها على واقعها بشكل سلبي، مثلها مثل غيرها من الأقليات المسلمة، حتى في هذه الدول السالفة الذكر حينما مرت بذات المرحلة؛ حيث الارتباك في التعامل مع المجتمع الجديد، فمنهم المستعلي والمنعزل والمتقوقع على نفسه؛ فهو يعيش ببدنه في أوروبا لكن كل كيانه لا يزال أسير بلده الأصلي، وهناك على الجانب الآخر المنبطح تمامًا الذي قرر منذ اللحظة الأولى أن يعيش الواقع الأوروبي شكلا ًومضمونًا؛ فانسلخ من هويته الثقافية وغيّر ثوابت ما كان لها أن تتغيّر، وولّى وجهه شطر الغرب، فكل ما فيه حسن جميل مقبول، بل أخذ ينتقي من الفقه الإسلامي والآراء الفكرية ما يؤكد ويؤصل لهذا الاختيار، وبين هذا وذاك تفاوتَ أبناءُ الأقلية المسلمة في أوروبا أفرادًا ومؤسسات إسلامية في تصوراتهم وتعايشهم مع الواقع الجديد.
فبالنسبة لإيطاليا بدأ أبناء الأقلية المسلمة في التقاطر إليها منذ ستينيات القرن الماضي لكن بأعداد محدودة، ونوعيات محددة غلب عليها الطلبة القادمون من بلاد الشام للدراسة في الجامعات الإيطالية وظل الأمر كذلك حتى نهاية الثمانينيات، وهنا بدأت الأقلية المسلمة في التوافد الكثيف؛ حيث فاقت أعدادها المليون في أقل من عشرين سنة، أغلبهم من بلدان الشمال الأفريقي، وخاصة دول المغرب العربي.
وهنا أؤكِّد أن الأقلية المسلمة في إيطاليا- كغيرها من الأقليات المسلمة في أوروبا في مثل هذه المرحلة- بدأت خطواتها في العمل الإسلامي بإنشاء المساجد وإقامة المراكز الإسلامية ثم إلحاق مدارس نهاية الأسبوع لهذه المراكز لتعليم اللغة العربية للأطفال، وهي والحمد لله تسير بخطىً ثابتة ربما تكون بطيئةً لطبيعة إيطاليا لكنها ثابتة، يقابلها العديد من العوائق والتحديات، مثل تصاعد الأحزاب ذات التوجُّهات اليمينية، ولكنها بفضل الله عز وجل تتدافع معهم التدافع السلمي فتكون الدائرة لهذا الطرف تارة ولهذه الطرف تارة أخرى، لكن إجمالاً الأمور تسير بشكل متوقع ومفهوم، لكن الجديد الآن هو محاولة تدخل الأنظمة العربية من خلال السفارات والقنصليات في الشأن الداخلي للأقلية المسلمة، ويبدو أنها لا تريد الاكتفاء بالتنسيق العام، والذي تسعى الأقلية المسلمة أصلاً لإيجاده؛ حيث إننا كأقلية مسلمة في حاجة إلى أن نتواصل مع الجميع، مسلمين وغير مسلمين، كيف لا ونحن- كقيادة مسلمة- نؤكِّد على ضرورة التجاوب والتواصل مع الأحزاب اليسارية واليمينية من غير المسلمين.
إذًا فتواصُلنا مع المسلمين- ومنهم ممثلو الدول العربية والإسلامية من السفارات والقنصليات- من باب أولى، شريطة ألا يكون ذلك على حساب وحدتنا الإسلامية في بلادنا الأوروبية.
فنحن كأقلية مسلمة تعيش في أوروبا لنا واقعنا وآمالنا وتحدياتنا وأجيالنا الحالية والقادمة التي تحتاج منا التعاون والتضامن؛ للحفاظ عليها ثقافةً وهُويّةً ودينًا.
وتحقيق التوازن الدقيق والمعتدل بين انتمائنا لأمتنا الإسلامية ونصرة قضاياها العادلة من جهة، وبين ولائها الوطني لبلدانها الأوروبية التي أصبحت جزءًا من مجتمعاتها.
وليس لدى الأقلية المسلمة وقت أو جهد لأن تصبح كرةً يتقاذفها أصحاب الأهواء والأغراض العارية من كل حرص على مصلحتها, والبعيدة كل البعد عن آلامها وآمالها.
فإن أنظمتنا العربية (الرشيدة) معروفة مجرَّبة، العقود تلو العقود، ولو كان فيها خير أو نيّة صادقة للإصلاح لظهر ذلك على أرضهم في بلادنا العربية واقعًا ملموسًا، بل ولمَا لجأ أغلبنا إلى اختيار الغربة طلبًا للحياة الكريمة.
إننا لا نريد من الأنظمة العربية هنا في البلاد الأوروبية شيئًا إلا أن يتركونا نعمل لأقليتنا المسلمة بعيدًا عن خططهم الرامية إلى التحكم فينا، والداعية إلى التمزيق الداخلي بين أبناء الأقلية المسلمة تحت قطرية محدودة، وتنمية دعاوى الجاهلية المنتنة، والتي لا تقوم معها دنيا، ولا ينتصر بها دين، ولا يُحمى في وجودها حق، ولا تُجمع بها الكلمة، ولا تقوى بها الأقلية المسلمة، بل على العكس تُوجِد التنازع، وتصنع التباغض، وتأخُّر الحصول على الحقوق، فتذهب ريحنا وتفشل قلوبنا، ويستخف بنا غيرنا، وتضيع أجيالنا.
فهل فَهِم العقلاء من إخواننا ذلك أم غرتهم الأماني والوعود، وسحرهم بريق الألفاظ الخالي من المضمون والتحقيق، وتسلل إليهم داء الأمم السابقة ودبت الفتنة بينهم؟! فتوشك أن تقضي عليهم كما قضت على السابقين وتهلكهم كما أهلكتهم.
اللهم اجمع كلمتنا ووحِّد صفنا ولُمَّ شعثنا، وألّف بين قلوبنا.
اللهم مَن دعا إلى خير هذه الأقلية المسلمة فوفِّقْه إلى كل خير، ومن دعا بدعاوى الجاهلية وأراد فُرْقتها ففرِّق عليه شَمْلَه، ورُدَّ كيده في نحره وجنِّبْنا وإخواننا شرَّه.
------------
* العضو المؤسس للتجمع الأوروبي للأئمة والمرشدين- إيطاليا.