د. حسن يوسف الشريف

يجب أن تهتم النظم العربية بواجب تربية شعوبها على قوة الولاء لأوطانها، وأن يرضع الصغير من أمه وبيئته ثم من المدرسة والإعلام؛ إن حب الوطن من الإيمان؛ ولكن يجب ألا نرضى بالتغني بحب الوطن وبحب السابقين الذين ضحوا من أجله، فهذا ولاء سلبي، بل لا بد من الاستعداد للتضحية من أجل الوطن ورقيه وحمايته من أي قهر على يد أية قوة أجنبية، وهذا هو "الولاء الإيجابي" الذي يساهم في تقدم الأمة وحماية أمنها، ولا يقوى "الولاء الإيجابي" إلا بغذاء "ثقافة المقاومة".

 

وتهدف ثقافة المقاومة إلى منع الاحتلال بكل صوره، سواءً كان احتلال العقول، أو احتلال الأراضي، أو احتلال الموارد، وإذا حدث احتلالٌ في أحد هذه المواطن الثلاث فلا بد من المقاومة واستمرار المقاومة، دون النظر إلى التضحيات مهما تعاظمت حتى يتم تحرير ما تم احتلاله من عقولٍ أو أراضٍ أو موارد.

 

وغنِّيٌّ عن القول أن نذكر أن أخطر أنواع الاحتلال هو احتلال العقول؛ لأن احتلال العقول هو اغتيال لإرادة الإنسان، وبالتالي فلا مقاومة، وهناك نوعٌ من احتلال العقول لا يتم فيه اغتيال الإرادة، ولكن توجيه الإرادة ضد مصلحة الوطن وهو وصف ينطبق على عملاء الاستعمار في بلادنا.

 

ويهدف نادي الاستعمار الجديد بقيادة أمريكا والصهاينة إلى تجفيف منابع ثقافة المقاومة في العالم العربي، وخاصةً في المؤسسات التعليمية والإعلامية، فمن شروط حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة في أي سلامٍ مع العرب شرط تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وعند تطبيق شروط ومواصفات التطبيع التي تطالب به الحكومات الصهيونية، فسيكون دور الحكومات العربية على أرض الواقع هو القضاء على كل ما يخلق في الفرد أي نوعٍ من المقاومة.

 

وانضمت أمريكا وبقوة لتحقيق نفس الهدف الصهيوني، وهو تجفيف كل المنابع التي تساهم في إيجاد عربي مقاوم للمشروع الصهيوني الأمريكي في العالم العربي، إنهم يريدون العربي غير المرتبط بثقافته وتاريخه وحضارته، ولقد لخَّص الدكتور رفيق صموئيل حبيب هدف المؤامرة بقوله: "إنها تهدف للقضاء على كل ما هو "عربي"، والقضاء على كل ما هو "إسلامي" حتى لا يوجد في المنطقة العربية من يقول "لا".

 

ولقد عبَّر رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو عن هذا الهدف، وهو هدف إستراتيجي مرتبط بالكيان منذ يوم إعلان قيامه وإلى زواله، وهو: "القضاء على بؤر الشر- والتي تقاوم الصهاينة- متمثلة في القومية العربية والأصولية الإسلامية". (مكان تحت الشمس- بنيامين نتنياهو).

 

إن أسلحة المقاومة لا تقف عند الجانب العسكري فقط، ولكن أسلحة المقاومة كثيرة، وفي بعض الأحيان قد تكون أشد فاعليةً من الجانب العسكري، وقد قاد الزعيم الهندي غاندي أقوى سلاح للمقاومة والذي أدَّى إلى تحرير الهند من السيطرة البريطانية، وهو سلاح المقاطعة لكل البضائع البريطانية.

 

إن الشاعرَ والأديبَ والمفكر والصانع والمعلم والرسام والفنان والطبيب والصيدلي والصحفي والكاتب والمحامي ورجل الأعمال والعامل.. كلٌّ له دور في تعميق ثقافة المقاومة أمام الهجمة الأمريكية الصهيونية على وطننا العربي.

 

إن المقياسَ الوحيدَ للولاء الصادق للوطن هو مقدار ما يملك المواطن من أسلحة المقاومة ضد أعداء الوطن وأعداء مصالح الوطن، والمواطن الصالح حقًّا ليس هو الذي لا يتسبب لوطنه في أي ضرر، إنما المواطن الصالح هو الذي يتحمل الضرر في سبيل الحفاظ على أمن وسلامة الوطن، هو ذلك المواطن الذي يملك الاستعداد النفسي ليدفع روحه وما يملك في الدنيا من مالٍ وجاهٍ ومنصب من أجل الحفاظ على أمن وسلامة الوطن، وهو الذى يعيش هموم أمته مثلما يعيش هموم نفسه، بل وينسى أحياناً هموم نفسه فتذوب في هموم أمته.

 

بعض المفكرين يقنع بما يقدمه من كتابة أو خطابة وينسى أن سلوكه في الحياة هو الأشد تأثيرًا في الناس، وقديمًا قيل: "رجل يعمل في مائة أفضل من مائة يعظون رجلاً".

 

إنّ ثقافة المقاومة لا تقف عند حدِّ الكلام فقط، بل لا بد أن تتحول إلى سلوكٍ عملي يتمثل في مقاطعة بضائع الأعداء، أو عدم المشاركة في تقوية أي وجود لهم يضر بمصالح الأمن القومي لعالمنا العربي.

 

إن الواجبَ المهم في مرحلتنا الحالية والذي يقع على عاتق مؤسساتنا التعليمية والإعلامية هو علاج الضعف الذي يُعانيه العربي المعاصر، والذي يتمثل في سلبيته واسترخائه هو ما أشارَ إليه الفيلسوف الدكتور زكي نجيب محمود في قوله: "انظر إلى العربي المعاصر ماذا أصابه من جوانب الضعف حتى صار إلى ما صار إليه من سلبيةٍ واسترخاء، وبرغم ما يدَّعيه لنفسه فيما يقول وما يكتب؛ لأنك تعرف حقيقة الإنسان من سلوكه وطرائق سعيه، لا مما يخطب به فوق المنابر أو ما تجري به الأقلام في أنهر الصحف من مقالات وقصائد".

 

وإذا كانت السلبية هي أبرز علامات ضعف العربي المعاصر؛ فإن أبرز علامات سلبيته هو تقصيره في ممارسة الحقوق والواجبات المتعلقة بشخصه أو بأمته أو بوطنه، وظاهرة السلبية التي يعاني منها العربي المعاصر قد ترجع إلى ضعفه في تحصيل ثقافة المقاومة ووقوعه فريسةً لوسائل ثقافة الضعف وهو ما يجب تطهير مؤسساتنا التعليمية والإعلامية منها، ومخاطر "ثقافة الضعف" على شعوبنا وتطهير مؤسساتانا منها هو واجب الوقت.