الفقيه القانوني الدكتور توفيق محمد إبراهيم الشاوي أحد الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين، وأحد الذين رافقوا الإمام حسن البنا، رحل عن عمر يناهز 91 عامًا.
نشأ في قرية الغنيمية بمركز فارسكور بدمياط وعُرف بالخُلق الكريم، وتفوْق في مراحله الدراسية، وقد بهر الجميع بأدبه وأخلاقه، ووصفوه بالحكيم الجلد الصبور؛ حين تم إبعاده عن الجامعة المصرية مع عددٍ كبيرٍ من الأساتذة في عام 1954م عوضه الله بصبره؛ فقامت الحكومة المغربية باستدعائه للتدريس في كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط وتوالت نجاحاته، كما كان له دورٌ كبيرٌ في طريق العمل للصحوة الإسلامية في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي.
شارك في إعداد اتفاقية تأسيس البنك الإسلامي للتنمية، إلى جانب تنفيذ فكرة بنك فيصل الإسلامي مع مجموعة من دعاة الاقتصاد الإسلامي بالخرطوم والقاهرة، كما شارك الفقيد مع مرشدَيْ جماعة الإخوان المسلمين عمر التلمساني ومحمد حامد أبو النصر عليهما رحمة الله في إقامة الدعوى 133 لسنة 32 قضاء إداري، للمطالبة بإلغاء قرار مجلس قيادة الثورة بحل الإخوان، واستمرت الدعوى في التداول حتى عام 1992م، حين قضت محكمة القضاء الإداري في 6/2/1992م بعدم قبول الدعوى لعدم وجود قرار إداري بحلِّ الإخوان.
مجاهد عظيم
![]() |
|
أ. محمد مهدي عاكف |
بدايةً وصفه فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين بالمجاهد العظيم والعالم الجليل والموسوعة الفقهية النادرة؛ حيث نبغ في الفقه الدستوري والاقتصاد والتربية، وأضاف فضيلته أن الفقيد لا تكفيه الكلمات، فمحاسنه وأعماله الصالحة كثيرة؛ حيث تميَّز- رحمه الله- بالفقه والعلم، ومعرفته بالواقع العربي والعالمي، وكان صاحب خلق ودين.
ويقول فضيلة المرشد العام لقد عرفته منذ الأربعينيات حتى وفاته حكيمًا خيِّرًا، برع في تطبيق فكرته بإنشاء مدارس المنارات التي كنتُ مديرها، وكان هو مشرفًا أمينًا عليها، نَمَت على يديه إلى جانب فكرة البنوك الإسلامية التي فكّر في جعلها واقعًا.
متواضع عزيز
![]() |
|
د. محمود عزت |
ويضيف الدكتور محمود عزت الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين أن حياة الفقيد كانت شاملةً، موضحًا أنه كان عذب الحديث وفقيهًا بارعًا؛ ألمَّ بكافة الأمور الحياتية، ومتواضعًا وعزيزًا، وكان لهذا الرجل في عمره أضعاف أضعاف ما كان في عالميته، وظل مجاهدًا عاملاً حتى آخر لحظةٍ في حياته.
كما كان وقورًا مخلصًا متجردًا، وهب نفسه للدعوة، وجاهد في كافة مراحل حياته، كان عندما يُقبل على عملٍ حياتي يُجدِّد نيته بالجهاد، ويتحدث عن الحياة بكافةِ جوانبها "جهادًا شاملاً"، يشبه الثوب الأبيض النظيف.
ودعا الدكتور عزت شباب الجماعة وغيرهم إلى تحسُّس خطواته، والسعي خلف أطايبه، والاقتداء به في كل محطات حياته.
عالم فقيه
واعتبر الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين أن حياة الفقيد- رحمه الله- زاخرة بالمبهر الجميل، ومن عظمته أنه تخصص في القانون الدستوري، وبرع في مساهمته في العمل الإسلامي، وإسقاط الشريعة الإسلامية على القانون ومقارنتها به، وترجيح الشريعة الإسلامية في كتبه، ومنها "الشورى في الإسلام"، وعمل دستورًا دعا إلى العمل به لتطبيق الشريعة الإسلامية.
![]() |
|
د. عبد المنعم أبو الفتوح |
وقال الدكتور: كان رحمه الله على المستوى الخدمي مدركًا أهمية احتياجات المجتمعات بتربية النشء الخلوق الذي يرفع من مكانة الإسلام، فقام بترجمة فكرته بإنشاء منظومة المنارات الإسلامية في السعودية ومصر، وقد رأيت جهده ونشاطه ومواقف خيريته أيضًا بحكم قربه من الجمعية الطبية الإسلامية؛ حيث كان يعالج المرضى من ماله الخاص، ويدعم الفقراء واليتامى، وساهم في إكمال كثيرٍ من المستشفيات بالأجهزة الطبية الحديثة التي تناسب طوارئ المستشفيات الحرجة.
ويضيف أنه كان عالمًا فقيهًا وعميقًا ورزينًا، شاركت معه في حلقه نقاشية بحضور الدكتور عمر التلمساني، وكانت حول إنشاء حزب لجماعة الإخوان المسلمين، وعندما تحدَّث استمع الجميع في انبهار وجاذبية بمنطقه القوي فقال- رحمه الله-: يجب أن تظل جماعة الإخوان جماعة دعوية إسلامية كما أنشأها الإمام البنا ترفع راية الحق دون أن تدخل في العمل الحزبي، ولا تشارك ولا تنشئ حزبًا، وتابع حديثه قائلاً وسط إصغاء تامٍّ: إن الإمام الشهيد حسن البنا كان في يده القدرة على إنشاء حزب، وكانت الأحزاب وقتها تنعم بكل شيء دون تضييق؛ لكنه رفض وفضَّل أن تقوم الجماعة على رفعة الدين الإسلامي في جميع مناحي الحياة، وهذا دور الجماعة دون الدخول في صراعات الأحزاب على الحكم والسلطة والموازنات الحكومية المفقرة للمضمون الدعوي.
عاش وسط دعوته
![]() |
|
د. عبد الحميد الغزالي |
ويؤكد الدكتور عبد الحميد الغزالي المستشار السياسي للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين أن مصر والأمة العربية والإسلامية فقدت علمًا من أعلامها وفقيهًا دستوريًّا؛ هو الأستاذ الدكتور توفيق الشاوي، صاحب كتاب "الفقه الدستوري" وأحد قيادات الحركة الإسلامية العامة وجماعة الإخوان المسلمين بصفة خاصة، ومن أهم إصداراته كتاب عن "البنك الإسلامي للتنمية" بصفته مشاركًا ومعاصرًا في تأسيس البنوك السعودية مثل "بنك حكومات إسلامية".
وأضاف لقد عشت معه عدة سنوات في السعودية عندما كنت مديرًا للمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب وكان مشرفًا ومديرًا لمدارس المنارة الإسلامية، زرع في قلوبنا حبه بلطفه ورقّته وحفاظه على مشاعر الجميع، وقد تحسَّس الرقي بمحطات حياته، واختار أن يحيا في وسط إخوانه وأحبابه وأهليه؛ حتى في أسفاره وانتقالاته حول بلدان العالم، كان يتحيَّن التعارف والقرب من جميع أجناس العالم مع اختلاف عقائدهم ولغاتهم وألوانهم، وكان فطنًا ذكيًّا في عرض دعوته وفي غربته، عمل دائمًا على إيجاد صحبةٍ وأحبابٍ، يرافقونه في أحزانه وأفراحه، عهدناه قويًّا مجاهدًا لا يستسلم لليأس والآلام.
ويضيف د. الغزالي: لقد زرته مع فضيلة المرشد الأستاذ محمد مهدي عاكف في آخر أيامه، وكان يشدّ من أزرنا، ويواسينا على انتشار الفساد والظلم ويدعو للجماعة بالتوفيق والسداد.
مواجهته عبد الناصر
![]() |
|
د. أحمد العسَّال |
ويرى الدكتور أحمد العسَّال رئيس الجامعة الإسلامية بباكستان سابقًا أن الفقيه رحمه الله كان بارعًا في جميع أحواله، يحنو على تلاميذه، ويُفهمهم ما يصعب عليهم بالحب، منكرًا لذاته، صبورًا جلدًا في جميع محنه وشدائده، وقف للرئيس جمال عبد الناصر بجامعة القاهرة منكرًا ظلمه وطغيانه واستخفافه بعقل المواطن المصري، وعند اعتقاله بالسجن الحربي نالوا منه بالتعذيب الشديد، وعندما وجدوه صامدًا أرادوا إذلاله بتنظيف دورات المياه بقطعةٍ من القماش الخشن فأبى إلا أن يكون صابرًا وصادقًا، لم يُقَصِّر في أي عمل أُوكل إليه تكليفًا، كما كان لإخوانه ومسئوليه سهلاً مرنًا هينًا؛ يسمع ويطيع للصغير قبل الكبير، ولم يتناسَ الأعمال الصالحة أبدًا، كما كان دائم الابتسام.
وفي انتقاله بين الدول العربية تحسس توثيق رباط مصر وشمال إفريقيا، فسعى في خطواته داعيًا كأنه مراسل للإخوان المسلمين، لم يخلُ حديثه من الدعوة للعمل بسلوك الإسلام وأخلاقه، نادى في جميع مراحل حياته بأن الإسلام دين خلق ومعاملة لا شعارات وأقوال تُنادَى دون تطبيق.
متواضعًا لمَن حوله
د. عصام العريان

ويؤكد الدكتور عصام العريان القيادي في جماعة الإخوان أن الأمة فقدت عزيزًا اتسم بالعلم والحكمة، تميَّز وتعددت مواهبه، كما كان أحد أعمدة القانون الجنائي؛ فهو أستاذ قانوني من المعدودين في مصر والأمة العربية؛ بل العالم كله، ويكفيه إنتاجه العلمي البارز والعميق، تُوفي وهو عضو هيئة شورى جماعة الإخوان المسلمين، وصاحب رؤية ثاقبة؛ فهو عَلَمٌ من أعلام الدعوة المباركة.
وأكد العريان أن دوره امتدَّ إلى العالم العربي والغربي، ولم يقتصر على مصر؛ حيث شارك في تحرير الوطن العربي، بعد أن خرج من مصر فرارًا بدينه ودعوته سعى في غربته لنشر دينه ودعوته، كما كان سهل الحديث، بسيط القول، يفهمه من يسمعه أُمِّيًّا أم عالمًا، كما كان محبوبًا، أحب الله فأحبه الجميع، كما كان لنا كالأب الروحي، وفي وفاته خسارة كبيرة جدًّا، نسأل الله أن يتغمَّده برحمته وينزله منازل الشهداء والنبيين والصالحين؛ فقد كان متواضعًا لإخوانه ومع أهل بيته، بارًّا بأبنائه وزوجته وأهليه ومن حوله جميعًا، وكان رحمه الله بسيطًا وبارعًا.
طبيبًا للقلوب
د. جمال عبد السلام

ويقول الدكتور جمال عبد السلام المدير العام للإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب والمدير السابق لمستشفى الفاروق؛ الذي كان يُعالَج فيه الدكتور الشاوي: إن الفقيدَ كان شديد الجود كالبحر لا ينفد رغم عطائه الجميل، وشاهدنا في حياته لمسات طيبة كثيرة؛ أهمها تعايشه مع الشارع، وحبه للناس؛ حيث عرف مداخل الناس، واستوعب قدراتهم وإمكانياتهم، تحمل عن الكثير شدائدهم وآلامهم.
وكان رحمه الله يرفق باليتيم والفقير، كما تبرَّع بنصف مليون جنيه لإنشاء وحدة أشعة مقطعية بالمستشفى الخيري التابع لمسجد الفاروق بالمعادي، وكان هذا المبلغ يتجاوز نصف قيمة الوحدة كلها، كما أنشأ وحدةً باسم والد زوجته الأستاذ والعالم الكبير الدكتور عبد الرازق السنهوري.
ويُنْهي عبد السلام كلامه بأن الدكتور الشاوي رحمه الله كان طبيبًا للقلوب؛ في همسه وصمته، كما كان رقيق الحسِّ، عظيم المظهر، واثق الكلام والهيئة.




