كل المعارك التي تمر بها أمتنا، تستهدف منعها من استعادة هويتها الحضارية؛ لأن استعادة هويتها يؤدي إلى تحقيق وحدتها، وتحقيق وحدتها يؤدي إلى تحقيق نهضتها، والقوى المعادية لنهضة الأمة الحضارية، ولاستعادة مرجعيتها الحضارية تدرك تلك الحقيقة، خاصة القوى الغربية و المشروع الأمريكي الصهيوني.
وكل المعارك التي تمر بها الأمة الآن ومنذ عقود تصب في المعركة الأصلية التي تستهدف وعي الأمة بذاتها، فإذا ضرب وعي الأمة، وغاب عنها وعيها بذاتها الحضارية، تمكنت القوى العظمى وحلفاؤها المحليون، من فرض هيمنتهم على الأمة، ومنعها من خوض معركة الاستقلال والنهضة.. فإذا كانت إستراتيجية الاستعمار تهدف إلى احتلال عقل الأمة ووعيها، فعلى من يحمل عبء ومسئولية إستراتيجية التحرير والنهضة، أن يدرك أن تحرير وعي الأمة، واستعادتها إدراكها بهويتها الحضارية وذاتها التاريخية، هي المرحلة المركزية في معركة التحرير والنهضة.
ولننظر إلى المعارك التي تدور في منطقتنا، لنرى نوع الدمار المستهدف منها؛ فهي ليست عملية لتدمير الأرض والزرع والإنسان فقط، بل هي عملية لتدمير الوعي، حتى يتم تدمير كل شيء، ومن ثم تتمكن قوى الهيمنة الدولية من فرض سيطرتها على أمتنا، من خلال تفكيكها، ولعل نموذج العراق يمثل نموذجًا مثاليًّا لتلك المعركة، فالعدو الأمريكي لم يحتل العراق فقط، بل دمّر وحدة المجتمع العراقي، بدرجة تعمق الانقسام بين فئات الشعب العراقي، حتى يصعب عليه التوحد من جديد. وما يحدث في السودان، ليس إلا عملية تفكيك للمجتمع السوداني وبذر العداء بين فئاته ومكوناته، حتى لا يبقى مجتمعًا واحدًا، بل عدة مجتمعات وجماعات. فإذا أضفنا إلى ذلك ما يحدث من محاولات للوقيعة بين فئات المجتمع اللبناني، وما يحدث من تعميق للهوة بين فئات المجتمع المصري، وما يحدث من تعميق الفجوة بين المسلم والمسيحي، وبين السني والشيعي، وبين العربي والكردي.. سنجد أننا أمام عملية تفكيك شاملة لكل فئات الأمة الإسلامية، حتى تصبح مجرد مجموعات متصارعة، يسهل بعد ذلك اختراقها وفرض الهيمنة الخارجية عليها.
تجميع الأمة بالتغريب
واللافت للنظر في ما يحدث من حولنا، هو أن القوى الخارجية والمتمثلة في القوى الغربية أساسًا، تحاول فرض نموذجها الحضاري الغربي علينا، وهي تسوق هذا النموذج بوصفه الوسيلة الوحيدة لحل مشكلات تفكك الأمة الإسلامية، أو حل مشكلات الصراعات التي تدور بين مكونات الأمة؛ لهذا نرى محاولة لنشر العلمانية بوصفها الوسيلة الوحيدة لتحقيق المساواة وتحقيق حقوق الإنسان، وكأن مرجعيتنا الحضارية هي مصدر الظلم والفتنة بين فئات الأمة، لذا يصبح لزامًا علينا التخلص منها؛ حتى نحقق المساواة والمواطنة لكل فئات الأمة.. لهذا نجد أن معظم الهجوم الموجه للحركة الإسلامية الإصلاحية، يتركز على افتراض عدم قدرتها على تحقيق المساواة بين كل فئات المجتمع أو الأمة، بل يتم الهجوم على المشروع الإصلاحي الإسلامي، على أساس أنه سيؤدي إلى تعميق الفجوة بين فئات الأمة، لأنه غير قادر على تحقيق المساواة بين الناس، وبهذا يتم إنتاج صورة عن المشروع الوسطي الإسلامي، تركز على أنه سيكون مصدرًا لتعميق الفتن والخلافات، مما يستوجب مواجهة هذا المشروع لحماية الفئات المختلفة وتحقيق المساواة لها. ويتحقق ذلك حسب المشروع الغربي، من خلال استبدال الأمة لهويتها ومرجعيتها الحضارية، واستيراد النموذج العلماني الغربي، بوصفه النموذج الوحيد المحقق للمساواة.
وهذا المخطط لا يعمل بالطبع على توحيد الأمة، ولكنه يقدم العلمانية بوصفها الحل الذي يمنع الخلافات بين فئات الأمة، دون أن يوحدها. فالهدف النهائي هو منع توحيد الأمة، وهو ما يتحقق من تعميق الخلافات بين الفئات المكونة لها، ثم تقديم العلمانية بوصفها الوسيلة لوقف الخلافات أو الفتن أو الحروب الأهلية، وبهذا يتم تفكيك الأمة إلى عدد من المكونات، وتقوم الهيمنة الغربية بدور الحكم بين تلك الفئات، لتحقق للجميع المساواة، وفي نفس الوقت تمنع وحدة الأمة، من خلال نشر القيم الغربية، والتي تحلل بنية الأمة، وتمنع استعادتها لوعيها الحضاري.
المشكلة فينا
بالطبع علينا مواجهة المشكلات الداخلية التي تعاني منها الأمة؛ ومنها أن حالة التفكك الداخلي للأمة نتجت من حالة الضعف والتراجع الحضاري، وقامت القوى الاستعمارية بتعميق هذا التحلل الداخلي واستخدامه.. فعلينا أن ندرك مسئوليتنا عن وحدة الأمة، ومسئوليتنا عن ما حدث من تراجع وتحلل وتفكك لبنية الأمة الاجتماعية والحضارية؛ فالعدو الخارجي يستغل ضعفنا ولكنه لا يصنعه، فهو لا يصنع نقاط الضعف التي تمر بها الأمة، بل يستغلها؛ لذا تصبح مسئولية حركات الإصلاح والنهضة هي مواجهة نقاط الضعف من أجل تحصين الأمة.
الحلفاء المحليون
إذا راقبنا تصرف الأنظمة السياسية المتحالفة مع الغرب، والنخب السياسية والثقافية العلمانية، والمؤسسات الحقوقية المدعومة غربيًّا، ووسائل الإعلام الموالية للمشروع الغربي، وكل النخبة الحاكمة والمسيطرة على السلطة والثروة، والمتحالفة مع القوى الغربية، سنجدها جميعًا تعمل على تفكيك وعي الأمة بذاتها الحضارية، وإعادة تركيب الأمة داخل نموذج مصطنع قائم على محاكاة النموذج الغربي.
وكل تلك النخب الحاكمة لا تعمل على توحيد الأمة أو توحيد مجتمعاتها من خلال مرجعيتها الحضارية، بل كلها تعمل على نشر تصور مغلوط يربط بين مرجعيتنا الحضارية وعدم المساواة بين الفئات المكوِّنة للأمة، بحيث يكون خلاص هذه الفئات من الظلم الواقع عليها أو الذي يمكن أن يقع عليها، لا يتحقق إلا بالخروج من الهوية الحضارية للأمة.
والأمر لم يتوقف على زرع الفرقة بين المختلفين في العرق أو الجنس أو الدين، بل تمادى إلى فئات المجتمع الأخرى، مثل الرجل والمرأة، والطفل والأب، وغيرهما.. وكل تلك القضايا التي تبشر بها نخبة وكلاء الغرب في بلادنا تمهد الأرض لحالة من التفكك المجتمعي الشامل، والذي يمكِّن من إخضاع الأمة لمشروع الهيمنة الحضارية الغربية.
العقل قبل الأرض
أزعم أن الاستعمار الحديث لا يريد احتلال الأرض أو الثروات الطبيعية لأمتنا قدرَ ما يريد احتلال عقل الأمة، وهو بهذا يختلف عن الاستعمار القديم الذي كان هدفه السيطرة والاحتلال العسكري، ولكن الموجة الحديثة من الاستعمار أصبحت تهدف إلى احتلال عقل الأمة؛ لأن ذلك يحقق للقوى الاستعمارية السيطرة على كل شيء: الأرض والثروات والأسواق والموارد الطبيعية والقدرات البشرية والمالية.
فاحتلال عقل الأمة هو عملية تنميط وهيمنة على عقل الأمة، حتى يصبح جزءًا من آلة الحضارة الغربية، ويندمج بالكامل داخل الآلة الغربية، ليقوم بالدور المنوط به، كتابع للحضارة الغربية؛ لذلك فاحتلال العقل، يهدف إلى تدمير وعي الأمة، واستلاب وعيها بحضارتها وذاتها التاريخية.. والجلاء عن الأرض سوف يتم في العراق وأفغانستان وغيرها، بعد أن تنجز مرحلة استعمار العقل في تلك البلاد، ويقع تحت ضغط الحروب والفتن الداخلية التي توهن قوته حتى يستسلم.
أما الكيان الصهيوني، فله دور آخر؛ فقد زُرِع في هذه المنطقة ليبقى كيانًا يهوديًّا صهيونيًّا استعماريًّا غريبًا خالصًا، ويمثل الركيزة الأساسية المانعة لوحدة الأمة، والشرطي الذي يحمي المصالح الغربية، ويمنع أي تحول في المنطقة قد يقود لوحدتها.. وهذا التصور كان واضحًا منذ البداية، فالصفقة التي قامت بين الحركة الصهيونية والدول الغربية، تقوم على توظيف الحركة الصهيونية لخدمة المصالح الغربية مقابل أن تعطى أرضًا لتقيم فيها دولة قومية لليهود.
من الوعي تبدأ المعركة
من هنا يمكنا النظر إلى إستراتيجية التحرير والنهضة للحركة الإصلاحية الإسلامية، والتي تمثل تيار الوسطية الإسلامية، ونخص تيار الوسطية وحركاته الإصلاحية؛ لأنه يمثل حركة نهضة في الأساس، وليس حركة رد فعل أو حركة دفاع عن النفس فقط، أو حركة مقاومة للاحتلال العسكري فقط؛ لذا نرى أن الحركة الإصلاحية الإسلامية، هي المنوط بها تحقيق التحرر والنهضة، ولذا يكون عليها رسم خطواتها بالصورة التي تمنع تحقق المخططات الاستعمارية.
وهنا نلمح النقطة المركزية في تلك المعركة، فهي معركة توحيد في مواجهة التفكيك، فالهجمة الخارجية المدعومة داخلية تريد تفكيك الأمة، أما الحركة الإصلاحية الإسلامية فعليها توحيد الأمة، كما أن عليها كسب معركة وعي الأمة بمرجعيتها الحضارية والدينية، وترسيخ هذا الوعي، ومنع كل أشكال اختراق العقل أو استلابه، بالصورة التي تعيد للأمة وعيها بقيمها، لدرجة تمكنها من مواجهة كل محاولات التغريب والغزو الخارجي.
ومن خلال استعادة الأمة لوعيها بهويتها، تبدأ مرحلة توحيد الأمة، من خلال توحيد وعيها بذاتها، وتلك العملية سوف تمثل حائط الصد الأخير، والذي يمنع قوى الاستعمار الجديد من تحقيق أهدافه، ليتم نقل المعركة من ساحة الوعي، إلى ساحات المواجهات العسكرية مع العدوان الخارجي، وساحات المواجهة مع الاستبداد الداخلي الحاكم والنخب المتحالفة معه، فكلما تحصن وعي الأمة أفشلنا المخططات الرامية لتفكيك وحدة الأمة ومنع نهضتها.