وجَّه الكاتب الصحفي الأستاذ شريف العيد رسالة في (الأهرام) إلى د. أحمد عمر هاشم رئيس لجنة الشئون الدينية بمجلس الشعب يقول له فيها: "احترس يا أستاذ عمر، إن هناك نائباتٍ يتزعَّمن حملةً ضد تعدد الزوجات ويُرِدْن تجريم هذا الفعل، ويُعْلنَّ أن دافعه هو مجرد البحث عن المتعة، ويتهمن الأزهر بأنه أفسد حياتهن، ويقلن إن النبي صلى الله عليه وسلم منع عليَّ بن أبي طالب من الزواج على فاطمة، وباختصار سوف تكون هناك حملة شرسة على التعدد، والصمت ليس دائمًا من ذهب"!.

 

هذا وبمجرد أن صدر قرار بتعيين الدكتورة مشيرة خطاب وزيرًا للسكان؛ أعلنت بشكل واضح أن منع أو تجريم تعدد الزوجات هو على رأس أجندتها؛ حيث ستعرض على مجلس الشعب هذا المشروع، وتأمل أن تحظى بموافقة المجلس عليه، مثل ما تم تمرير قانون الطفل قبل ذلك.

 

ويذكر الدكتور رفيق حبيب في مقاله بجريدة (الدستور) السبت 4/4/2009م بعنوان (هجمة علمانية تمهيدًا للتوريث) أنه "منذ سنوات وهناك اتجاه لتعديل القوانين الخاصة بالجانب الاجتماعي، سواء تلك المتعلقة بالأحوال الشخصية والزواج والطلاق أو تلك المتعلقة بالأسرة بشكل عام، وهذا الاهتمام ليس جديدًا، بل بدأ منذ عهد الرئيس السادات وما زال حتى الآن، وتقوده النخبة العلمانية ذات الميول والاتجاهات الغربية، وهو اتجاه يكشف عن نفسه بصورة واضحة".

 

ويذهب الكاتب إلى أنه "يصبح من الضروري كشف الموقف الكامن وراء عملية تعديل قوانين الأسرة والقوانين الاجتماعية، خاصةً أن هناك حالةً من "تسريع" عملية تعديل القوانين؛ بحيث أصبحت القوانين الاجتماعية في مرمى الاهتمام الرسمي من النظام الحاكم، فماذا يريد النظام الحاكم بالضبط؟!".

 

ولهذا كله نتوقع من الآن فصاعدًا حملةً شرسةً من سدنة العلمانية وشراذم الأفكار اليسارية والشيوعية، وكثير من محترفي مؤسسات المجتمع المدني؛ التي تنزل عليها ملايين الدولارات من المنظمات الدولية، وهم ليسوا بالضرورة ممن لهم ولاء بالنظم الاجتماعية والنسق الاجتماعي الذي ينشئه الإسلام في هذا البلد وفي كل البلاد التي عرفت وذاقت حلاوة الأمن والأمان الذي تعيشه في ظلال شريعة الإسلام.

 

هذه النخبة العلمانية المستقوية بالسلطات الحاكمة تواجه الموروث الحضاري للمجتمع وتحاول عزل المجتمع عن قيمه ومبادئه، وبذلك تكون قد بدأت حرْبًا مفتوحةً مع المجتمع كله- كما يذهب الدكتور رفيق حبيب- وليس ذلك فقط، بل إن هذه النخب تسعى بجدٍّ ونشاط إلى "علمنة المجتمع"؛ حيث تظن أن في ذلك حمايةً لها وانتصارًا على الحركة الإسلامية التي تراها بازغةً ومتنامية الجذور في واقع المجمع وتربته الإسلامية الخصبة، ولها مشروعها الحضاري الكامل الشامل الذي يتفوق بمراحل على المشروع الحضاري الغربي (الأوربي والأمريكي)، ويقدم للبشرية قارب الإنقاذ من التخبط الذي تعانيه والتيه الذي تسير فيه، سواءٌ في أزمتها المالية التي تشرف فيها على الغرق في هذه الأيام، أو غير ذلك من الأزمات التي تنتظرها في مقتبل الأيام.

 

موقف الإسلام من تعدد الزوجات

في كتابه القيم (المرأة المسلمة.. وفقه الدعوة إلى الله) يذكر الدكتور علي عبد الحليم محمود أن نظام الزواج في الإسلام قام على أساس أن حفظ النوع الإنساني وما يتطلبه هذا الحفظ من نظم اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية.. هو أهم أهداف الحياة الإنسانية؛ لذلك جاء نظام الزواج على أكمل صورة من صور الزواج الذي عرفته البشرية كلها.

 

ويوجّه بعض الناقدين لموضوع تعدد الزوجات وإباحة الإسلام له نقدهم أو اتهامهم له في هذا المجال وهم يتغافلون عن حقيقة معلومة، وهي أن التعدد ليس من ابتكار الإسلام، ولا هو أول من أباحه، ولا كان المسلمون أول من عدّد الزوجات.

 

ولا يتبادر إلى الذهن أننا بإقرارنا هذه الحقيقة التاريخية، وهي أن الإسلام لم يكن بدعًا من الرسالات السابقة في إقرار تعدد الزوجات أننا أحرار في أن نأخذ بهذه الرخصة "رخصة التعدد" أو لا نأخذ، ولكن الحقيقة أننا أمام شرع الله عز وجل، لا نملك حق الرفض أو الترك ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: 51).

 

لقد سبق الإسلام في الأخذ بنظام التعدد أديان ونظم؛ فأغلب النظم التي سبقت الأديان المشهورة كانت تُبيح تعدد الزوجات، كما كانت تبيح اقتناء النساء بغير تحديد لعدد أي منهن، وبغير شروط توجبها على الرجل الذي يعدد الزوجات.

 

وظل هذا التعدد معمولاً به في اليهودية والمسيحية، سواءٌ قبل الإسلام أو بعده، وإن نظرةً إلى العهد القديم لتؤكد لنا هذا التعدد عند اليهود؛ حيث تزوج داود وسليمان عليهما السلام بأكثر من زوجة، بل بأكثر من مائة زوجة كما جاء في نصوص العهد القديم.

 

في الديانة المسيحية ظل تعدد الزوجات نظامًا معمولاً ومباحًا تمامًا إلى القرن السادس عشر الميلادي؛ أي منذ ما يقرب من أربعة قرون فقط من وقتنا.

 

هذا وقد كان "مارثن لوثر" يتكلم في مختلف المناسبات عن تعدد الزوجات بغير اعتراض؛ فإنه لم يحرَّم بأمر من الله، وكان يرى أن تعدد الزوجات أفضل على كل حال من الطلاق، ويعتبر بعض رجالهم أن تعدد الزوجات نظام إلهي مقدس، وفي عام 1950 بعد صلح "وستفاليا" أصدر مجلس الفرنكيين بنورمبرج قرارًا يُجيز للرجل أن يجمع بين زوجتين، بل ذهبت بعض طوائف المسيحية إلى إيجاب تعدد الزوجات.

 

العدل.. شرط إباحة التعدد

والشرط الذي اشترطه الإسلام لتعدد الزوجات هو ثقة المسلم في نفسه أن يعدل بين زوجتيه أو زوجاته في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت والنفقة؛ فمن لم يثِقْ في نفسه بالقدرة على هذه الحقوق بالعدل والتسوية حَرُم عليه أن يتزوج بأكثر من واحدة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ (النساء: من الآية 3).

 

وقال عليه الصلاة والسلام: "من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطًا أو مائلاً" والميل الذي حذر منه الحديث هو الجور على حقوقها، لا مجرد الميل القلبي؛ فإن هذا داخل في العدل الذي لا يستطاع والذي عفا عنه الله وسامح في شأنه.. قال سبحانه: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيمًا﴾ (النساء : 129).

 

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسِّم فيعدل ويقول: "اللهم إن هذا قسمي فيما أملك؛ فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني بما لم يملك أمر القلب والميل العاطفي إلى إحداهن خاصةً وكان إذا أراد السفر حكَّم بينهن القرعة؛ فأيهن خرج سهمها سافر بها وإنما فعل ذلك دفعًا لوغر الصدور وترضية للجميع.

 

ما يستند إليه دعاة المنع

ولقد صدرت قوانين في بعض البلاد العربية والإسلامية تحرم ما أحلَّ الله من التعدد؛ اتباعًا لحظ بلاد الغرب وفق ما جاء به في كتاب (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده) للدكتور يوسف القرضاوي صـ358، وما زال منهم من يحاول ذلك في بلاد أخرى، وللأسف الشديد هم يريدون تبرير ذلك باسم الشرع ويحتجون لها بأدلة تلبس لباس الفقه.

 

وقد احتجَّ هؤلاء بأن من حق ولي الأمر أن يمنع بعض المباحات جلبًا لمصلحة أو درءًا لمفسدة، وبعضهم حاول في جرأة عجيبة أن يحتج بالقرآن على دعواه؛ فقال: إن القرآن اشترط لمن يتزوج بأكثر من واحدة أن يثق من نفسه بالعدل بين الزوجتين أو الزوجات؛ فمن خاف ألا يعدل وجب أن يقتصر على واحدة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ (النساء: 3).

 

هذا هو شرط القرآن للتعدد.. العدل، ولكن القرآن في زعم دعاة المنع جاء في نفس السورة بآية بيَّنت أن العدل المشروط غير ممكن وغير مستطاع في قوله سبحانه: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 129)، وبهذا نفت الآية اللاحقة ما أثبتته الآية السابقة!! كما يدَّعون..

 

والحق- كما يذهب د. يوسف القرضاوي- أن هذه الاستدلالات كلها باطلة ولا تقف أمام النقد العلمي السليم، وربما نعود إلى مناقشة هذه الدعاوى وغيرها بشيء من التفصيل في مقال تالٍ بإذن الله، كما نناقش كذلك الحكمة من تعدد الزوجات، ولماذا يهتم الغرب بهدم هذا التعدد فتحًا لباب الرذائل والانحلال الخلقي الذي يرزح تحت لهيبه أهل الحضارة الغربية وكل من سار على نهجها الغريب؟!

 

وكلمة للمعتقلين في سجن المرج

ما زال بعض المعتقلين رهن الاعتقال، رغم مرور أكثر من 3 أشهر منذ أحداث غزة في أول يناير من هذا العام، وقد دخلوا في دوَّامة لا تنتهي من إجراءات الاعتقال العقيمة المملَّة، ما بين "حفظ" و"رفض"، ومعلوم أن من يملك قرار الاعتقال يملك قرار العفو؛ فهل يطمع هؤلاء العشرة في قرار عفو إداري يريحهم من هذا العناء؟! وإلى أن يتم ذلك نقول لهم: صبرًا؛ فإن فرج الله أقرب مما تتوقعون.