- مجدي صبحي: مشكلة الاقتصاد الرئيسية تكمن في إعادة تأهيله
- عبد الرحمن عليان: العراق هو الوحيد الذي يمول احتلاله
- ممدوح الولي: انفلات الأمن أدَّى لكوارث اقتصادية قاتلة
- جمال بيومي: سرقة العراق السبب الأهم للاحتلال
تحقيق- هند محسن:
850 مليار دولار خسائر 6 سنوات احتلالاً و150 مليارًا أخرى خسائر عائدات النفط غير المتحققة، فضلاً عن دمار شامل يقدر بـ75% من البنى التحتية للعراق.
ما سبق قطرة في بحر مما رصدته تقارير عدة رسمية وغير رسمية تتبعت التدني الكبير الذي أصاب المؤشر الاقتصادي في العراق بعد سنوات الخراب والفساد الذي حمله الاحتلال الأمريكي إلى عاصمة الرشيد، ومع ما تعمده المحتلون من تدمير مباشر لبنية البلاد التحتية ومواردها البشرية، غير استنزاف طاقتها النفطية التي كانت السبب الأهم في الحرب الهمجية على العراق.
إجراءات تعسفية متوالية تستهدف القطاعات الإنتاجية ومجالات دعم الحاجات الأساسية للمواطن العراقي، وتحديدًا البطاقة التموينية والوقود، لإلغاء متطلبات الدعم تحت ادعاءات الانفتاح الاقتصادي، أبرز علامات التدني ما سجَّله قطاع البترول الذي انخفض إنتاجه بشكلٍ ملحوظ من مليونين ونصف المليون برميل في اليوم قبل الاحتلال إلى 500 ألف برميل فقط في الوقت الراهن.
وترتب على انخفاض تكرير النفط وزيادة أسعاره تداعيات عديدة أبرزها تعثر سير الأعمال الاقتصادية للدولة التي تعاني من انقطاع دائم للكهرباء عدا 6 ساعات يوميًّا فقط في بغداد، وساعتين يوميًّا في باقي محافظات العراق، هذا غير استغلال عوائد النفط لدفع مصاريف قوى الاحتلال الأمريكي وتمويل آلة الحرب العسكرية.
ألف مرة
وتأتي العملة العراقية ليتضح فيها الانهيار الشديد الذي تعرضت له خلال 6 سنوات من الاحتلال، فقد كان الدولار الواحد في عام 1991م يوازي 3.3 دينارات عراقية، إلا أن اليوم تراجعت قيمة الدينار العراقي ألف مرةً؛ حيث أصبح الدولار الواحد يوازي 3 آلاف دينار عراقي!.
ومع كل ما سبق رصده يأتي انخفاض مستوى الدخل وزيادة أسعار المواد الغذائية والدوائية، وارتفاع نسبة البطالة إلى 60%، فدخل الفرد في عام 2009م بحسب دراسة لجامعة هندية يبلغ نحو 2375 دولارًا فقط سنويًّا، في حين كان من المفترض أن يصل هذا الدخل إلى 9681 دولارًا، أي أنّ المواطن العراقي حُرم نحو ثلاثة أرباع دخله الفردي بسبب الحرب والصراعات الداخلية.
وبذلك يُقدر عدد الفقراء حوالي 12 مليون عراقي، مع غياب واضح لقطاعات الخدمة المدعومة، إلى جانب الفساد والرشوة التي تقضي على ثروات العراق، الأمر الذي جعل الشعب لا ينتظر أي عائدات من الدولة، فإن كل ذلك ينذر بكارثة مُحققة في الأفق.
وهناك قطاعات أيضًا تأثرت سلبًا بالاحتلال فأثرت على معدلات إجمالي الناتج وهي قطاعات السياحة والطيران والفنادق والصناعات الصغيرة المرتبطة بالسياحة، وذلك لأنها فقدت العنصر الأهم وهو توافر الأمن والاستقرار بالدولة.. إلى جانب نقص المياه الصالحة للشرب في المدن الكبيرة وانعدامها في المدن الصغيرة والقرى والأرياف حيث وصلت نسبتها إلى 35% في بلاد الرافدين!!.
وكذلك نقص الخدمات الصحية بكل اختصاصاتها، وهناك نقص المساكن؛ الأمر الذي جعل معالجة الدولة لهذه الأزمة أمرًا مستحيلاً، وانهيار شبكة الري والمنازل واتساع الرقعة المالحة على حساب الأراضي الخصبة، وتدني القطاع الزراعي والحيواني وانهيار بنيته الميكانيكية وانخفاض إنتاجيته وتردي نوعية الإنتاج، فضلاً عن نقص الخدمات التعليمية بدءًا من بغداد في الوقت التي كانت فيه المؤسسات التعليمية العراقية تُمثل نموذجًا قويًّا في شموليته ومناهجه ومجانيته وحداثته في الشرق الأوسط والبلدان العربية.
هذا غير ضعف شبكة طرق المواصلات البرية والبحرية والجوية وانهيار بنيتها الأساسية وآلياتها، وتدني القطاع الصناعي تقنيًّا وإنتاجيًّا وخدميًّا وعلميًّا حيث وصلت نسبة مشاريعه المتوقفة عن العمل إلى 90%، وتردي القطاع التجاري وهامشيته أمام تعاظم الشركات التجارية الإقليمية والدولية التي استحوذت على الأسواق المحلية.
النفط
الدكتور مجدي صبحي الخبير الاقتصادي بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام يرى أن موضوع تدهور اقتصاد العراق مرتبط بتدني إنتاج النفط إلى 500 ألف برميل يوميًّا فقط، وكذلك تأثير العمليات العسكرية الحالية إلا أنها في النهاية لن تعيق الإنتاج نهائيًّا.
ويضيف أن وقت حكم صدام حسين للعراق كانت الأسعار مدعومة بشكلٍ كبير، حتى إنه كان يبيع الوقود للشعب العراقي بأسعار أقل من أسعار السوق العالمي، أما إدارة الاحتلال التي تحكم العراق اليوم فتفرض تحريك الأسعار بشكلٍ رهيب حتى تتخلص من مأزق وضعها الراهن هناك وكي تمول جيشها وآلتها العسكرية.
ويوضح صبحي أن مشكلة العراق الرئيسية تكمن في إعادة تأهيل اقتصاده ككل في كافة قطاعاته، بزيادة طاقته تكريره للبترول، وإنشاء عدد من مصافي التكرير، فضلاً عن تحديد الأسعار حسب السوق العالمي، وليس حسب السياسة الداخلية للعراق خاصةً أنه بلد محتل، هذا غير الاهتمام بالقطاع الزراعي والصناعي، وإنتاج كميات أكبر من الوقود لتغطي احتياجات المواطن اليومية.
تمويل الاحتلال
من جانبه أكد الدكتور عبد الرحمن عليان عميد كلية التجارة وإدارة الأعمال بأكاديمية المستقبل أن وضع العراق الحالي طبيعي في ظل هيمنة الاحتلال على كل شبرٍ فيه، وفي ظل استغلال بناء الاقتصاد العراقي لتمويل آلة الحرب من خلال ميزانية الدولة، لكنه شكك في دقة الإحصاءات المرصودة خلال 6 سنوات من الاحتلال فهناك أمور لا تزال مجهولةً كمعرفة حجم السلع في السوق العراقي، ووضع الأسعار الحقيقية هناك، ومدى إمكانية إنتاجية البترول.
وأشار عليان إلى أن العراق إحدى الدول المتكاملة في استخدام كافة قطاعات الاقتصاد إلا أن احتلاله يُعد كارثة بكل المقاييس، فقد أدى ذلك إلى انخفاض ملحوظ في إنتاجية البترول، كما دمر قطاع الصناعة تمامًا ولا توجد مشروعات استثمارية تشد من عضد الاقتصاد، كما أن الأراضي الزراعية قد تم حرق غالبيتها بالآلة العسكرية الأمريكية، هذا بالإضافة إلي أن الاحتلال خلق طبقةً فاسدةً تولت إدارة القطاعات وأثرت سلبًا على النمو الاقتصادي للعراق.
واستبعد عليان أن يؤدي انهيار الوضع الاقتصادي بالعراق في ظل ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات البطالة والفقر إلى مجاعة تقضي على الشعب، مشيرًا إلى أنهم يملكون البطاقات التموينية ذات الدعم التي تتضمن المواد الغذائية والدوائية ورغم غياب قطاع الخدمات المدعومة إلا أن جيش الاحتلال لم يجرؤ على سحبها من المواطنين حتى لا ينال سخطهم وثورتهم عليه.
تضخم
ممدوح الولي

أما ممدوح الولي نائب رئيس تحرير جريدة (الأهرام) فيرى أنه رغم اعتماد الاقتصاد العراقي على البترول كسلعة رئيسية إلا أن هذه الاعتماد زاد بشكلٍ كبير في أعقاب الاحتلال مع إهمال الصادرات الصناعية والزراعية التي تساهم بنصيب كبير في زيادة الدخل القومي للعراق وزيادة الواردات وتنوعها لتشمل كافة السلع الإنتاجية، كما تسببت عمليات القصف في تدمير هذه الأراضي وتدمير محطات الكهرباء؛ مما أدَّى إلى إطلاق الطاقة الكهربائية لمدة ساعتين يوميًّا فقط حتى يومنا هذا.
ويشير إلى أن هناك مشكلةً تكمن في الاستعانة بالشركات الخاصة الصغيرة التي تؤثر على إمكانية قيام أي كيانات صناعية كبيرة، هذا بالإضافة إلى زيادة معدلات البطالة، وزيادة عدد الأسر التي فقدت عائلها مما أدى إلى وجود العديد من الظواهر الاجتماعية غير المرغوب فيها إلى جانب تردي أوضاع التعليم التي تؤثر سلبًا على الاقتصاد العراقي.
ويبين الولي أنه رغم الإنتاج الوفير من البترول بالعراق إلا أنه لا يتم تكريره على النحو الملائم بل يتم إنتاج جزء ضئيل منه لا يكفي احتياج السكان مما يؤدي إلى استيراد مشتقاته، الأمر الذي يستنزف موارد الصادرات، إلى جانب مشاكل في توزيع مشتقات البترول والذي كان عاملاً رئيسيًّا في ارتفاع أسعاره.
ويؤكد أن مشكلة نقص الأمن بالعراق أثر على توزيع المخصصات بالمحافظات، حيث إن نسبة تنفيذ المخصصات في الموازنة العامة للدولة 10% لإنشاء المشروعات التي تحتاجها الدولة والذي يجعل من ذلك عاملاً لارتفاع تكلفة النقل التي تنعكس بدورها على نقص السلع الإنتاجية الأمر الذي يؤدي إلى تضخم وتدني الوضع الاقتصادي، وانخفاض سعر العملة بشكل رهيب.
ويوضح أن انهيار الوضع الاقتصادي أدى إلي عجز الموازنة العراقية لأول مرة منذ الاحتلال، فمع تدني سعر البترول أدى إلى خفض ميزانية الدولة مما أدى إلى خفض الإنتاجية وإقامة المشروعات.
وأشار ممدوح الولي إلى عوامل أخرى أثرت في انهيار الاقتصاد العراقي منها غياب الاستثمار الأجنبي والعربي من السوق العراقي خلال 6 سنوات من الاحتلال، فضلاً عن تدمير التربة الزراعية باستخدام أسلحة بيولوجية، وتدمير غالبية المصانع المتنوعة، بالإضافة إلى الاعتمادية على سلعة واحدة مما يؤدي إلى مخاطر اقتصادية كانخفاض ميزانية الدولة، مؤكدًا أن الفساد الإداري بالدولة يبرز كأهم عوامل الانهيار حيث إنه يلتهم جزءًا كبيرًا من المبالغ المرصودة لدعم العراق وقطاعاته.
تدمير شامل
ويرى الدكتور إبراهيم المصري أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية العلوم الإدارية بأكاديمية السادات أن احتلال العراق ترتب عليه عوامل هامة أثرت بشكلٍ قطعي على اقتصاد العراق، حيث قام الاحتلال بهدم البنى التحتية بشكلٍ كامل من منازل ومدارس ومصانع ومستشفيات وطرق ومحطات كهربائية وشبكات الصرف الصحي وشبكات المياه، وهذه أول الخسائر الاقتصادية والتي تبلغ تكلفة إعادة إعمارها مئات المليارات من الدولارات.
ويتابع أنه تأتي الخسارة الثانية بسيطرة الاحتلال على النفط بشكلٍ تام، فنهب هذا المورد بجشع لا حدود له وأصبح هو المتحكم فيه والممول له، الأمر الذي ترتب عليه أيضًا أن تصل الحال أن يصبح أساتذة الجامعات بالعراق بدون دخلٍ فما بال العمال والجيش الذين أصبحوا بلا مورد رزق إطلاقًا؟، مؤكدًا أن هناك انخفاضًا رهيبًا في مستوى دخل العراقي، الذي أصبح يعيش على الإعانات بعد أن كان منتجًا، وتم تهميش قدراته العلمية وفرارها إلى الخارج بعد أن كان علماؤه نوابغ تؤثر في المجتمع العربي، وتساءل أين الجيش العراقي؟ وأين قوات الشرطة الخاصة بالدولة؟ وأين الكوادر العراقية؟، كل هذا اختفى تمامًا ولصالح مَن؟!!
ويضيف المصري أنه إلى جانب ما سبق ذكره، تفتت الشعب العراقي إلى طوائف متنازعة، هذا إلى تقسيم خيرات الدولة وتوزيعها على هذه الطوائف دون الشعب، فضلاً عن سيطرة كردستان العراق على نسبة هائلة من النفط عن أي فئة أخرى، إضافةً إلى افتقاد عنصر الأمان الذي دفع بآلاف المهاجرين للخارج الأمر الذي انخفض على إثره معدل الإنتاجية العراقية التي كان يساهم فيها المهاجرون.
وردًّا على الرأي القائل إن العراق كان يحتاج لهذا الغزو كي يعيد ترتيب بيته من الداخل ويعيد بناء قطاعاته من جديد ينفي المصري ذلك بشدة ويصفه بالأكذوبة المضللة التي يروجها عملاء الاحتلال في الداخل والخارج، موضحًا أن الشعب فيما سبق رغم الظروف القائمة وقتها إلا أنه كان يملك إرادة حرة في تغيير وإصلاح ما يشاء ولكن خلال الاحتلال فقد هذه الصفة، وبالتالي حدث انهيار في هذه القطاعات وليس بناءً لها!!
ونفى المصري كفاية متوسط دخل المواطن العراقي خلال فترة الاحتلال لاحتياجاته الأساسية، مبينًا وجود مناطق شديدة الفقر لا تملك قوت يومها بعد أن كان العراق يملك المقومات الكاملة للدولة من مصدر أساسي من النفط، وصناعة عالية الجودة، وأراضٍ زراعية خصبة، ناهيك عن نسبة التعليم العالية بين طبقات الشعب، وكي يعود العراق مرة أخرى يجب خروج المحتل أولاً وبصفة نهائية، وبناء عنصر الأمان مرة أخرى ليدير الشعب دولته بحق.
السرقة السبب
السفير جمال بيومي

من جهته يؤكد السفير جمال بيومي مساعد وزير الخارجية الأسبق ورئيس اتحاد المستثمرين العرب أن العراق يُعد قبل احتلاله من أكثر الدول على المستوى العربي توازنًا من حيث سكانه وموارده وأمواله، لكنه يفتقد الاستقرار الأمني في ظل وجود الاحتلال المباشر وغير المباشر، مشيرًا إلى أن فترة حكم الرئيس السابق صدام حسين للعراق كانت دعوة مفتوحة ومؤكدة للغزو ومن ثَم الاحتلال، ولا يوجد أدنى سبب يُذكر للغزو غير السرقة العلنية لموارد دولة غنية بكل شيء.
وأشار بيومي إلى وجود إشكاليين يدعوان للقلق الشديد، استمرار وجود الاحتلال من ناحية ومن ناحية أخرى الفرقة السائدة بين الشعب العراقي التي تحقق هزيمة كبرى أشد خطورة من الهزيمة أمام المحتل، وكي نتلافى ذلك يجب طرد الاحتلال بشكل جذري وإعادة بناء نسيج الوحدة بين الشعب العراقي وإن أخذ وقتًا طويلاً في البناء.