شاهدت في التليفزيون أطفالاً من شتى البلدان العربية في صورة أغنية بديعة اللحن ومؤثرة الصوت دافئة الأحاسيس، وهي ترسم تبادل الأحضان والعبرات بين أيتام ومَن يكفلهم من الأسر الكريمة المحبة للخير، وكان في إحدى المؤسسات الخيرية في بلدنا، يذكرنا بيوم اليتيم أول أبريل،وهو ما توحد الاحتفال به كثير من البلدان.
حقًّا كان محكمًا في الأداء والكلمات تجعل عين الصغير تدمع قبل الكبير؛ مما أثار مشاعر ابنتي الصغيرة، والتي أصرَّت على زيارة يتيم قريب لنا ومن جيراننا والتنزه معه في هذا اليوم، وعنايته بكل الحب والحنان الذي حُرِم منهما مع تفقد احتياجاته كلها من مأكلٍ ومشربٍ وكساء.
والمشاعر التي يجدها اليتيم ويشعر بها ممن حوله الذين يحتفون به ربما تكون أفضل من بذل المال له أحيانًا، فهو يحتاج إلى بشاشةِ اللقاء، ولين المعاملة وجلب القول والنصيحة على أكمل وجه.
ولهذا أوصى الله تعالى نبيه الكريم اليتيم محمد- صلى الله عليه وسلم- بحقِّ اليتيم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9)﴾ (الضحى)، (أي لا تنهر ولا تهن، ولكن أحسن إليه وتلطف به)، وقال له سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6)﴾ (الضحى).
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتيمًا فكان يتمه تشريفًا في حقِّ كل يتيمٍ إلى يوم قيام الساعة، فالتليفزيون بحق أداة للإعلان بين كل إنسان أن يجعلها وسيلة هادفة مؤثرة أو يجعلها وسيلة مدمرة، وتمنيتُ أن تكثر الإعلانات وتتبدل إلى حثِّ الناس إلى طاعةِ ربهم والسعادة بفعل الخيرات في دنياهم والفوز بحسناته وجنته في أخراهم، فجزى الله كلَّ مَن ساهم في هذا الإعلان خيرًا كثيرًا.
والدعوة إلى كفالة الأيتام والإحسان إليهم نجدها في كل زمان ومكان، بل في جميع الملل والأديان، فلقد أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل بالإحسان إلى اليتامى في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (البقرة: من الآية 83).
ونحن أحق بأن نعمل بهذا الميثاق الأخلاقي الذي وضع دستوره ربُّ السماوات والأرض، بل قرن الله سبحانه وتعالى الإحسان إليهم بالعبودية له، فيا له من تشريفٍ ويا له من تكريم.. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا (36)﴾ (النساء).
كان اليتيم قد حُرِمَ من عطف أبيه وحنان أمه، ولكن عناية الله لم تتركه وحيدًا وقد هيَّأ له مَن يرعاه ويخفف من آلامه فحبب الله لعبادة هذا اليتيم وأجزل عطاء مَن يكفله.
قال صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرَّج بينهما" أخرجه البخاري، فيا له من فوز عظيم بصحبة النبي الكريم في الجنة.. قال صلى الله عليه وسلم: "من ضمَّ يتيمًا له أو لغيره حتى يغنيه الله عنه وجبت له الجنة" صحيح.
أما رعاية اليتيم وأهله فقد جعلها الله أفضل من كثيرٍ من العبادات، قال صلى الله عليه وسلم: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار" (متفق عليه عن أبي هريرة).
أما أم اليتيم فهنيئًا لها فهي التي ربَّت وتعهَّدت وتحمَّلت الكثيرَ لتقوم بدون الأب والأم معًا فهي تفرح بثمرةِ فؤادها في الدنيا بنجاحه وفي الآخرة بمرافقتها للنبي- صلى الله عليه وسلم- في سرعة دخولها على الجنة.
ولقد بشَّرها صلى الله عليه وسلم وقال:"أنا أول مَن يفتح باب الجنة فإذا امرأة تبادرني فأقول مَن أنتِ؟ فتقول أنا امرأة تأيمت على أيتام لي".
وقوله "تبادرني" أي لتدخل معي أو تدخل في أثري ويحتمل أن يكون المراد الأمرين بالسرعة في الدخول وعلو المنزلة.
كما دعا الله إلى تكريم اليتيم حذَّر تحذيرًا شديدًا من أكل مال اليتيم، بل جعل أكل مال اليتيم من الكبائر، قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)﴾ (النساء).
وقال تعالى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (الأنعام: من الآية 152).
فهو سبحانه وتعالى يُحذِّر من مجرد الاقتراب من ماله، فضلاً عن أخذه، وليعلم الجميع أن المال مال الله وإن أحدًا لا يملكه فنحن نتركه ونمضي عند الممات فليتقوا الله.. ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (9)﴾ (النساء).
أما الصدقة على اليتيم وإن كانت ظاهرة نقص في المال فهي في حقيقتها بركة ونماء لهذا المال، ويؤكد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في قوله: "ما نقص مال من صدقة".
وعن عمر بن الخطاب يذكر أن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم لتفريج الكربات والهموم وقضاء الحوائج ولين القلب.
وجعل رسولنا الكريم المسح على رأس اليتيم وكفالته سببًا لكل ما سبق، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جاء رجل وشكا إليه قسوة قلبه فقال: "أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟" وكان الصلاح في قوله: "ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلين قلبك وتدرك حاجتك".
وما أيتام غزة ببعيد فقد انفطرت القلوب وذرفت الدموع بكثرةٍ على حالهم، وتسابق الجميع لنصرةِ وكفالةِ الأيتام والأرامل من غزة وخارجها، بل من جميع أقطار العالم، وكان ميدانًا للتسابق معًا لنجدة اليتامى.. قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: من الآية 26)، وكان ميدانًا للتنافس وترقيق القلوب لنيل الجائزة من الذي لا ينفد جزاؤه أبدًا.
والإنفاق في سبيل الله وعدم الشح يجعل النفس تنطلق إلى السماء وتتخلص من جواذب الأرض حتى يصير الإنفاق سحابة من سحابها، ويخرج حبه من القلوب فلا يفرح صاحبه بزيادته ولا يحزن على نقصانه.. قال تعالى ﴿مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (الحديد: من الآية 23)، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: من الآية 9).
فهيا ننتهز هذا الموسم لنفوز مع مَن فاز، بل ادعُ غيرك لهذا اليوم، واعلم أن من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله.
ونداءً للأمة كلها ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 2)، لكي لنبني مجتمعًا متكاتفًا متعاونًا، وأنه لو أدَّى كل واحد منا هذه الفريضة لانصلح حال المجتمع وكنا خير أمة.. قال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).
لأننا إذا لم نتعهد هذا اليتيم فسوف يكون أداةً للتخريب فهو أحد أفراد هذا المجتمع، ولكي يكون لبنةً صالحةً قوية يجب أن يُراعى ويوجه.
وجزى الله الجمعيات الشرعية والمؤسسات التي ترعى اليتامى كلجان الإغاثة الإنسانية والإسلامية فهي تيسر كفالتهم في كل مكان لطالب الجنة رضوان الله.
فهم يقومون بتقديم الخدمات التعليمية والصحية والاقتصادية لهم بل يعلمون على خدمتهم وراحتهم بإدخال السرور عليهم.
ولي كلمة لليتيم يجب أن تعلم أن أسعد شيء للإنسان في الدنيا أن يكون راضيًا بقضاء الله وقدره والرضا مرتبة أعلى من الصبر.
قال على بن أبي طالب "مَن رضي بقضاء الله جرى عليه وكان له أجر، ومَن لم يرضَ بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله".
فكن عظيمًا أيها اليتيم بهذا التكريم، وهذه العناية الإلهية الشاملة من خالق الكون ومدبره الرحمن الرحيم وباتباعك تعاليم نبينا الكريم.
وأنت يا مَن تكفله نلت عظيمًا من خزانته المملوءة بالحسنات، ومَن صحبك ومرافقتك لحبيبه صلى الله عليه وسلم في الجنة.