- انسحاب غامض ومرهون بالملف الإيراني

- خطة أوباما صورية تغذيها المصالح الصهيونية

- الأيام القادمة ستُظهر حقيقة النوايا الأمريكية

- خطة طويلة الأجل للسيطرة على المنطقة

- الأزمة المالية أجبرت الأمريكان على الانسحاب

 

تحقيق- نورا النجار:

"من أكثر صفحات التاريخ الأمريكي سوادًا".. هكذا وصف المراقبون احتلال العراق الذي يُنهي عامه السادس بعد أن تلوَّثت أيدي بوش ورفاقه بدماء العراقيين، ونجح إلى حدٍّ كبير في إشعال فتيل الفتنة الطائفية وتقسيم العراق.

 

وفي محاولة من أوباما لتصحيح مسار سلفه في بلاد الرافدين- كما تصور الكثيرون- خاصة بعد أن كان أول وعوده الانتخابية سحب قواته من العراق وإنهاء الوجود الأمريكي فيه، حتى جاءت بوادر هذا الانسحاب في خطابه مساء الجمعة 27 فبراير الماضي الذي تحدث فيه بصراحة عن خطة محددة المعالم لهذا الانسحاب في مدة أقصاها 20 شهرًا.

 

 الصورة غير متاحة

الاحتلال سيبقي على آلاف من قواته بزعم تدريب القوات العراقية

وبمقتضى خطة الانسحاب سيبقى من 35 إلى 50 ألف جندي أمريكي- أي نحو ثلث القوة الموجودة الآن- بزعم تدريب قوات الأمن العراقية، ومكافحة "الإرهاب" وحماية الدبلوماسيين الأمريكيين والأجانب، بالإضافة إلى السيطرة الأمريكية على الأجواء العراقية دون مساءلة أو رقابة.

 

بقاء ثلث القوات الأمريكية في العراق بزعم تدريب قوات الأمن العراقية أثار الشكوك حول مصداقية الانسحاب الأمريكي، وما إذا كانت خطة أوباما بصورتها المعلنة انسحابًا حقيقيًّا أو نوعًا جديدًا مطوَّرًا من وسائل الاحتلال، وهل صحيح ما يتردد من تعرُّض الرئيس الأمريكي المنتخب لضغوط داخلية دفعته إلى إعلان مثل هذه الخطة؟ وما دور الأزمة المالية العالمية وراء إعلان الانسحاب، خاصةً في ظل ارتفاع تكاليف بقاء القوات الأمريكية هناك؟!!

 

هذه الأسئلة وأكثر منها يجيب عنها (إخوان أون لاين) في التحقيق التالي:

بدايةً يقول الدكتور وحيد عبد المجيد نائب مدير مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية إن إعلان أوباما فور توليه الرئاسة عن خطة لسحب قواته من العراق له دلالة سياسية كبيرة على فشل الجيش الأمريكي عسكريًّا وسياسيًّا في العراق.

 

وأكد أن أمريكا تعتمد في تنفيذ الانسحاب من عدمه على ملفِّها السياسي مع إيران؛ الذي يمثل العامل الرئيسي في خطة الانسحاب وكيفيتها، ووفقًا لما سينتهي إليه هذا الملف ستبدأ معالم الخطة في الوضوح التدريجي، وعزا إلى ذلك غموض تفاصيل الانسحاب. 

 

وأضاف: "ما تحدثت عنه إدارة أوباما من سحب معظم قواتها والإبقاء على قوة قوامها خمسون ألف جندي هي تفصيلات مؤقتة وليس لها أي دلالة نهائية على حقيقة ما يدور في رأس الإدارة الأمريكية ورئيسها تجاه خطة الانسحاب".

 

وعن وجود قوانين حاكمة لانسحاب الأمريكان من العراق؛ يقول إنه لا توجد قوانين سياسية ولا غيرها تحكم كيفية رحيل محتلّ ما عن الأرض التي قام باحتلالها؛ فهي مسألة متروكة له يتصرف فيها وفق مصالحه وشروطه، "وعلى كل حال.. الاحتلال الأمريكي سيخرج لا محالة، لكن كيف ومتى، هذه تفصيلات تبقى في إطار التساؤلات إلى أن يحسم الملف الأمريكي الإيراني".

 

انسحاب صوري

 الصورة غير متاحة

باراك أوباما

ويرى الدكتور طارق فهمي الخبير بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط أن خطة الانسحاب الأمريكي صورية تهدف فيها إدارة أوباما إلى انسحاب تدريجي تخفف فيه من عدد القوات العاملة في العراق، في حين تعمل على زيادة عدد عناصرها الاستخبارية بالمنطقة.

 

وفي إشارة منه إلى تضارب الخطط الأمريكية في المنطقة؛ قال إن أمريكا التي تنوي الانسحاب من العراق هي التي وضعت مخططًا لإعادة هيكلة أمنها العسكري في المنطقة العربية في عام 2008م، إضافةً إلى الدعم "اللوجستي" لها بالمنطقة بوجود قواعدها العسكرية في دول الخليج العربي.

 

واستبعد فهمي إمكانية وجود ضغوط داخلية على أوباما، معلِّلاً ذلك بأن أوباما جاء في الأساس ببرنامج انتخابي اعتمد فيه على وعوده بإنهاء الاحتلال الأمريكي للعراق.

 

وشدَّد على وجود أيادٍ صهيونية خفية وراء العناصر الاستخبارية التي تنوي أمريكا تركها في العراق، خاصة مع ازدياد النفوذ الصهيوني في إقليم كردستان شمال العراق، وبالتالي فالانسحاب الأمريكي مستبعد في ظل مخالفة المشاريع الصهيونية.

 

وعن توقعاته لسيناريوهات الانسحاب يقول: "الخطط العسكرية في تصريحات أوباما غير موثقة وبالتالي لا يمكن الاعتداد بها كمعلومات نهائية للتوصل لطبيعة السيناريو المتوقع في العراق".

 

جحيم المقاومة

 الصورة غير متاحة

د. محمد البلتاجي

وفي نفس الإطار يشدد الدكتور محمد البلتاجي أمين عام مساعد الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشعب على أن الانسحاب الحقيقي هو جلاء المحتل حتى آخر جندي في البلاد، "وما دامت الإدارة الأمريكية الجديدة أعلنت عن نيتها الإبقاء على جزء من قواتها في العراق فالأمر لا يبشِّر بنية صادقة في الانسحاب على المدى الطويل".

 

وأكد أن العراق لن يتحرر إلا إذا توافرت لدى حكومته الإرادة والرغبة في التحرر كما كان ممثلوها يصرِّحون بذلك مرارًا وتكرارًا.

 

وأشاد البلتاجي بدور المقاومة العراقية، مؤكدًا أنها من العوامل الرئيسية التي دفعت بالإدارة الجديدة لاتخاذ قرار الانسحاب بعد أن أرَّقت مضاجع قوات الاحتلال ولم تترك لها الفرصة في تحقيق مآربها.

 

الصهاينة قادمون

 الصورة غير متاحة

الاحتلال الأمريكي لن يسحب جميع قواته من العراق

الفريق يوسف عفيفي قائد الفرقة 19 في حرب أكتوبر يقيِّم الخطة الأمريكية قائلاً: "لا حقيقة لما تدَّعيه الإدارة الأمريكية من نيتها الانسحاب من العراق؛ لأن القضية كلها تحرِّكها أيادٍ صهيونية قامت بوضع خطة في الخفاء ترعاها أمريكا من أجل الاستيلاء على المنطقة بأسرها".

 

ويضيف أن خطة الصهاينة طويلة الأجل، يسعون من خلالها إلى زيادة قواعدهم العسكرية في المنطقة بمساعدة الأمريكان لأقرب مسافة إلى الصين للتمكن من فرض حصارهم عليها، سواءٌ الاقتصادي أو العسكري.

 

وربط الفريق عفيفي بين ما يحدث في العراق وما يجري على الأراضي الفلسطينية المحتلة، من خلال اعتماد الكيان الصهيوني على خطة إستراتيجية تنفِّذها وتدعمها أمريكا، مشدِّدًا على ضرورة وضع إستراتيجية عربية متكاملة تواجه هذا المخطط.

 

وعن المقاييس العسكرية الصحيحة لعمليات الانسحاب يقول: الانسحاب الحقيقي بالمقاييس العسكرية هو انسحاب كامل لا استثناء فيه؛ بحيث لا يبقى أي جندي محتلّ في الأرض التي تم احتلالها، مستبعدًا حدوث ذلك في الوقت الراهن "في ظل ضعف وهوان الأنظمة العربية التي لا تستطيع فتح فمها بغير موافقة أمريكية".

 

"عصفورين بحجر"

 الصورة غير متاحة

د. حمدي عبد العظيم

وعن الدواعي الاقتصادية للخطة الأمريكية يقول الدكتور حمدي عبد العظيم الرئيس الأسبق لأكاديمية السادات للعلوم والتكنولوجيا إن الأزمة المالية العالمية من أهم أسباب إعلان الإدارة الأمريكية لمثل هذه الخطة؛ حيث أثرت على الإنفاق العسكري الأمريكي وخاصةً على قواتها خارج البلاد في العراق وغيرها، فكان طبيعيًّا أن يتخذ أوباما- الذي اعتمد في برنامجه على رفع مستوى المعيشة وإصلاح الديون- مثل هذا القرار للتخفيف من الأعباء الاقتصادية على بلاده.

 

ويشير إلى ذكاء الخطة الأمريكية التي قامت على محورين؛ أولهما استغلال الأوضاع الاقتصادية والرغبة في إرضاء الرأي العام الأمريكي بعودة أبنائه من العراق، من خلال سحب بعض القوات، وثاني المحاور ضمان استمرار تحكمها في اقتصاد العراق النفطي والسيطرة على مقاليد الاقتصاد عن طريق الجزء الآخر من القوات التي ستبقى هناك؛ فهو بذلك يكون قد "نجح في ضرب عصفورين بحجر واحد".

 

ودعا د. عبد العظيم الدول العربية إلى الدخول بقوة في مجال الاستثمار داخل العراق وعدم ترك الساحة خاليةً أمام رؤوس الأموال الأمريكية والغربية تعبث بمقدَّراته.