- العميد الزيات: خطة الانسحاب الأمريكي أكدت فشل مهامه
- اللواء مسلم: الأمريكان خسروا والمقاومة أرهقتهم كثيرًا
- اللواء سليمان: التوافق السياسي يبشر بهدوء الأوضاع
- اللواء الصالحي: التخبط كان عنوان الإستراتيجية الأمريكية
- اللواء حجازي: المقاومة أربكت الاحتلال رغم ضعف الإمكانيات
تحقيق- خالد عفيفي:
6 سنوات كاملة مرت على احتلال العراق وسقوط بغداد على يد القوات الأمريكية والبريطانية، ومع مرور كل يوم تزداد الخسائر على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، ولعل الخسائر المتكررة لجيش الاحتلال دفعته لوضع إستراتيجية طارئة للهروب من جحيم المقاومة العراقية الباسلة التي تحارب على جبهتين: الأولى خارجية وإن كانت على أرض العراق وهي الاحتلال، والثانية داخلية وهي الحكومات الموالية للاحتلال.
وتشير المعلومات والتقارير طوال السنوات الماضية إلى تحمل القوات الأمريكية تكلفةً باهظةً دفعت محصلتها إدارة أوباما لوضع خطة للانسحاب، ملامحها الاحتفاظ بقوة قوامها 35: 50 ألف جندي بعد شهر أغسطس عام 2010م، على أن تستمر القوات الأمريكية في القيام بمهمات مستهدفة لمحاربة الإرهاب، حتى بعد أن تنتهي مهمتها القتالية، كما تقضي الخطة بتغيير مهمة القوات التي ستبقى في العراق بعد إعادة انتشارها خارج المدن العراقية وتغيير اسمها من "قوات محاربة" إلى "قوات دعم وإسناد".
المقاومة من جانبها كبَّدت قوات الاحتلال فاتورةً كبيرةً؛ حيث بلغ عدد القتلى المعلَن في بيانات جيش الاحتلال الأمريكي ووزارة الدفاع "البنتاجون"- حتى كتابة تلك السطور- 4259 جنديًّا، فضلاً عن 165 آخرين ماتوا في مستشفيات خارج العراق بعد نقلهم إلى هناك، ومن بين القتلى الأمريكيين 905 جنود يمثلون 21% من العدد الكلي؛ قال جيش الاحتلال إنهم قُتلوا في حوادث "غير قتالية"!.
وتشير الإحصائيات إلى أن 318 جنديًّا من قوات 21 دولة شاركت في احتلال العراق قُتلوا خلال السنوات الست الماضية، وتأتي بريطانيا على رأس القائمة؛ إذ فقدت في العراق حتى اليوم 179 من جنودها، بالإضافة إلى 447 شخصًا من جنسيات مختلفة كانوا يعملون مع قوات الاحتلال الأمريكية قُتلوا، بينهم 173 يحملون الجنسية الأمريكية.
هذه الأرقام التي أصبحت تمثل أزمةً لأية إدارة أمريكية- ديمقراطيةً كانت أو جمهوريةً- دفعتنا إلى طرح العديد من الأسئلة عن مدى المكاسب التي حققها الاحتلال، وهل استطاعت المقاومة العراقية تهديد الاحتلال بشكل جادّ؟ وما مدى تأثير الخطط الأمنية المختلفة بين جيش الاحتلال والحكومات العراقية في تحجيم المقاومة؟
هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على خبراء عسكريين للإجابة عنها في هذا التحقيق:
![]() |
|
العميد صفوت الزيات |
في البداية يحلل العميد صفوت الزيات الخبير العسكري والإستراتيجي الموقف بوجود تهدئة واضحة في عمليات المقاومة؛ يفسرها حدوث نجاح من بعض الأطراف العربية والإقليمية بمساعدة أمريكية في استيعاب العرب السنة في مناطق الأنبار غرب بغداد، وتحويل جزء كبير من جماعات التمرد والمقاومة عن طريق دفع أموال لرؤساء العشائر والقبائل العراقية هناك.
وأشار الزيات إلى أن العراق لديه اليوم 3 قوى مسلَّحة؛ أولها الجيش العراقي الذي يتمتع بدعم ومساندة من الطائفة الشيعية، ثم جيش أبناء العراق المكوَّن من 130 ألف جندي من الجماعات السنيّة المقاومة وبعض العناصر الشيعية في جنوب بغداد، بالإضافة إلى قوات البشمرجة الكردية في إقليم كردستان العراق والمكونة من 5 فرق.
ويضيف الزيات: "إن الموقف في العراق تمَّ تجميده، ولا يمكن أن نطلق عليه ما يسمَّى بتقدم جوهري نحو الحل السلمي، لكن قوات الاحتلال الأمريكي منذ أن وَطِئت أقدامها أرض العراق عملت على تقوية التقسيم العرقي أو الطائفي لتخفيف العبء عن القوة العسكرية التي لا يستطيع قوامها السيطرة على بلد مثل العراق، فيما لم تحقق شيئًا يُذكر على مستوى العمليات العسكرية".
وأكد الزيات أن القوات الأمريكية التي ستبقى بعد انسحاب ثلثيها لن تكون لشئون التدريب والإسناد كما ادَّعى الاحتلال، مرجِّحًا أن تكون مهامها الأولى مكافحة ما يسمونه بالإرهاب، مشيرًا إلى أن تكوين القوات التي ستبقى في العراق سينقسم بين قوات خاصة وقواعد ثابتة وطائرات مقاتلة بدون طيار.
وقال إن المهام الإضافية- بجانب مقاومة الإرهاب- حماية السفارة الأمريكية والمواطنين الأمريكيين والأجانب، مذكِّرًا بما قاله وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس بأنه "ربما تكون لنا ترتيبات أمنية أخرى جديدة بعد الانسحاب".
بينما يظل جوهر القوة- والكلام للزيات- في محاولة ضبط الأحداث التي قد تتصاعد وسط تعدُّد القوى والعناصر المسلَّحة، فضلاً عن النفوذ الإيراني الذي يصبُّ في مصلحة بعض الطوائف دون غيرها.
تحسن هشّ
اللواء طلعت مسلم

ويشير اللواء طلعت مسلم الخبير العسكري والإستراتيجي إلى أنه لو عدنا إلى 6 سنوات مضت على الاحتلال الأمريكي لوجدنا أن الأهداف الأمريكية لم تتحقق؛ فالشرق الأوسط كما هو، ووجودها في العراق لم يغيِّر شيئًا في المنطقة، مؤكدًا أن الخسائر المعلَنة في صفوف جيش الاحتلال غير حقيقية، وهو ما يعني أن العسكرية الأمريكية فشلت فشلاً ذريعًا، وسقطت في المستنقع العراقي، مضيفًا أن الخسائر لا تنحصر في عدد القتلى، وإنما تتجاوز ذلك إلى الجرحى والمعاقين وحالات الاضطراب النفسي، وارتفاع نسب الانتحار بشكل كبير، بالإضافة إلى الخسائر في المعدات، والتي لا يستطيع أحد حصرها بدقة في ظل الظروف المتردية.
وعلى جانب المقاومة قال مسلم إنها بدت منخفضةً إلى حدٍّ ما خلال الفترة الماضية؛ بمعنى أنها لم تعُد بنفس الكثافة والقوة؛ الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى القول بوجود تحسُّن "هشّ" في الأوضاع الأمنية، وبالرغم مما سبق إلا أن مسلم شدَّد على بقاء المقاومة العراقية واستمرارها، ودلَّل على ذلك بالعمليات النشطة وتدمير الآليات الأمريكية خلال هذه الأيام.
وأرجع خطة الانسحاب التي أعلنها أوباما إلى تعرضه لضغوط شديدة، بالإضافة إلى تأثير الأزمة المالية مع ارتفاع تكاليف العمليات الأمريكية، مضيفًا أن مهمات التدريب والتأهيل التي ادَّعت قوات الاحتلال أنها مهام القوات الباقية لا يوجد لها ضمانات، مشيرًا إلى احتمال مشاركة تلك القوات في عمليات قتالية.
دور السياسة
العراق شهد هدوءًا نسبيًّا خلال الفترة الأخيرة

ويرى اللواء د. عادل سليمان مدير مركز الدراسات المستقبلية والإستراتيجية أن من الواضح حدوث تطور في الموقف العراقي خلال الفترة الماضية؛ أبرزها التطورات السياسية، والتقارب بين الطوائف المختلفة، وهو ما ظهر في انتخابات المحافظات، بالإضافة إلى التحسن في الحالة الأمنية بشكل كبير.
وأضاف سليمان أن هذه العوامل والتطورات أدَّت إلى تضاؤل حجم المقاومة العراقية التي ما زالت متمسكةً بشعارها وأهدافها، مشيرًا إلى دخول العديد من الجماعات والفصائل المسلَّحة في العملية السياسية.
وحول الانسحاب المزمع لقوات الاحتلال الأمريكي الذي أعلن خطته الرئيس الأمريكي باراك أوباما؛ أكد سليمان أن هناك عمليةَ انسحابٍ فعليٍّ لثلثي القوات الأمريكية، مع تنفيذ عملية إعادة تمركز لنحو 35 إلى 50 ألف جندي، وتسليمهم مهام غير قتالية، وإنما تدريب وتأهيل القوات العراقية، كما قال أوباما.
وشدَّد سليمان على أن الاحتلال الأمريكي بعد مرور 6 سنوات أثار حالةً من الفوضى والاضطراب، فجَّرت صراعاتٍ راح ضحيتها أكثر من مليون عراقي، كما تقول الإحصائيات، فضلاً عن دخول بعض الجماعات المتطرفة لتحقيق أهداف خاصة بها.
وأجمل الوضع العسكري والإستراتيجي في العراق بأن الأجندة التي تبنَّتها أمريكا عند غزوها العراق بتكوين نظام آخر "أكثر ديمقراطيةً" لم تتحقق بفضل المقاومة العراقية الباسلة التي كبَّدت الاحتلال خسائر فادحةً لم يكن يومًا يتوقعها.
وأوضح سليمان أن الشعب العراقي بدأ يتنبَّه لما يُحاك ضده من مخططات، كما بدأ التحرك بشكل إيجابي وزاد حجم التقارب بين القوى الوطنية والسياسية المختلفة على نحو يبشِّر بتحسن الأوضاع في الفترة المقبلة.
إستراتيجية متخبطة
المقاومة العراقية كبدت الاحتلال الأمريكي خسائر فادحة

ويتفق اللواء سعيد الصالحي الخبير العسكري مع الرؤية السابقة؛ حيث يقول إن قوات الاحتلال الأمريكي لم تحقِّق أيًّا من أهدافها السياسية أو العسكرية بوجودها في العراق، مرجعًا ذلك إلى أن البيانات التي على أساسها دخلت القوات الأمريكية الحرب كانت خاطئةً، وبالتالي كان التخطيط الإستراتيجي متخبِّطًا، فجاءت النتائج عكسية، مؤكدًا أن الانسحاب الأمريكي المقبل لن يكون انسحابًا بالمعنى الدارج، وإنما سيكون إعادة تمركز وإنشاء قواعد ومعسكرات ترابط فيها القوات دون انتشار، مع تحديد بعض المهام لها.
وحذَّر الصالحي من انتهاء المعاهدات الأمنية الأمريكية مع دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2011م؛ الأمر الذي استدعى من أمريكا إعادة التمركز لقواتها في المنطقة والسيطرة المجدَّدة على المناطق الغنية بالنفط، ومنها العراق.
وشدَّد على أن إعادة التمركز الأمريكي لن يؤثِّر بالإيجاب على الأوضاع الأمنية في العراق؛ بل سيكون له من التأثيرات السلبية ما لا يستطيع أحد السيطرة عليه، وبما يهدِّد من أمن واستقرار العراق، بالإضافة إلى إمكانية استخدام تلك القوات في عمليات قتالية.
المقاومة باقية
![]() |
|
الشعب العراقي يرفض الاتفاقية الأمنية مع الأمريكان |
وأضاف أن أمريكا عمدت إلى إنشاء قواعد عسكرية تتحكَّم في الحركة داخل البلاد؛ بحيث تشكِّل نوعًا من الحصار للمدن الرئيسية، مشبِّهًا هذا الوضع بما كان عليه الحال في مصر عام 1954م عندما وقَّعت اتفاقية الجلاء، ولكن بقي الاحتلال الإنجليزي في السويس حتى تأميم القناة عام 1956م.
وشدَّد حجازي على أن المقاومة الوطنية المخلصة في العراق سوف تتخلَّص لا محالة من الاحتلال، ولن تشقى في إيجاد الوسائل اللازمة لمواجهته، موضحًا أن المقاومة موجودة في أي مكان، ومهما كانت خطط العدو لتدميرها فلن ينجح ولن يستطيع أن يحجمها، خاصةً أن المقاومة العراقية الباسلة لقَّنت العدوَّ دروسًا قاسيةً، وهي تعرف تمامًا كيف وأين ومتى تضربه!.
وأوضح أن الهدف الأساسي من وجود القوات الأمريكية في العراق هو تأمين الكيان الصهيوني، وخدمة مصالحه؛ تمهيدًا لتكوين دولته المزعومة من النيل إلى الفرات، قائلاً: "ها هم استولَوا على الفرات ولم يبقَ أمامهم سوى النيل"!.

