المتحدث باسم هيئة علماء المسلمين:

- الاحتلال شعر بالنشوة عندما دخل بلادنا واليوم يتمنى الفرار

- سنظل ندعم المقاومة حتى لو خرج الاحتلال لأن أذنابه موجودة

- فكرة تقسيم العراق انتهت بغير رجعة بعد فشل المخرِّبين في ذلك

- السنة ليسوا أقلية وهمومهم متفقة مع إخوانهم من الشيعة والأكراد

 

حوار- حسن محمود:

هيئة علماء المسلمين بالعراق واحدة من أبرز الأركان القوية في المشهد العراقي، وقد لعبت بعد سقوط بغداد المروّع دورًا بارزًا وشاملاً مع المجتمع العراقي ومصابه، وساندت بشكل بارز- على المستوى الإعلامي والسياسي- المقاومة العراقية، ودافعت عنها في كثير من بياناتها وإصداراتها والمحافل الدولية والعربية والإسلامية، وشكَّلت حائط صدٍّ عنها حتى الآن.

 

وُلِدت الهيئة بعد خمسة أيام فقط من سقوط بغداد على يد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، وتحديدًا في 14 أبريل 2003م على يد نخبة من علماء الدين السنة في العراق.

 

وتتكون الهيئة من مجموعة من المؤسسات الدينية السنيَّة التي كانت موجودةً أصلاً في العراق قبل الاحتلال، إلا أنه بعد تفكك هذه الأجهزة نتيجة انهيار النظام, تجمَّعت هذه المؤسسات فيما بينها لتشكِّل الهيئة.

 

(إخوان أون لاين) توجَّه مع الذكرى السادسة للاحتلال الأمريكي إلى المتحدث الرسمي باسم الهئية د. محمد بشار الفيضي؛ الذي يقيم في العاصمة الأردنية عمان، وأجرينا معه هذا الحوار عن طريق الإنترنت، والذي وضع فيه النقاط على الحروف في كثير من القضايا العراقية، ورسم صورة مستقبلية للعراق؛ فإلى نص الحوار:

 

* بداية، ما هو الدور الذي لعبته الهيئة خلال السنوات الست التي مرت على الاحتلال؟

** الدور الذي قامت به الهيئة عظيم بفضل الله، لن تستوعب الحديث عنه مجلدات، وسيأتي اليوم الذي يقوم فيه رجال التاريخ والسياسة بدراسة هذا الدور وتحليله؛ لاستنباط المسارات الصحيحة، لتكون منارًا للشعوب حين لا يصيبها ما أصاب العراق.

 

الهيئة كانت- ولا تزال بفضل الله- البوصلة التي تعتمدها القوى الوطنية في التعامل مع الملفات المعقَّدة للشأن العراقي في ظل احتلال خبيث، استعمل كلَّ ما يملك من وسائل مكر ودهاء لينجح في مهمته، وقد استزل أقدامًا كانت تبدو راسخةً، وأطاح بأحزاب كانت في نظر كثيرين عملاقة، وفعل الأفاعيل، وكاد أن يُنهي كل شيء، ويجعل من العراق أثرًا بعد عين، لولا لطف الله وقضاؤه في توافر الأسباب الدافعة للشر، ومنها هيئة علماء المسلمين؛ التي وقفت كالصخرة العنيدة في وجه التيار لتسدَّ عليه طريق المرور، ونجحت في كثير من أهدافها وما زالت بفضل الله على طريق النجاح، وقد قدمت في هذه السبيل ثمنًا كبيرًا من الأرواح والدماء، وهي جذلة بذلك، فالذين قضوا نحبهم في هذه السبيل شهداء، فضلاً عن أن المعركة فاصلة، وتستحق مثل هذه التضحيات.

 

والهيئة لعبت دور المؤازر المساند للفعل المقاوم، ولأبناء المقاومة منذ بزوغ فجرها وسط ظلام دامٍ كان أصحابه مصرِّين على مدِّ الظلمة إليها، وتضييق الخناق عليها، لعزلها عن المشهد العراقي، وتقزيمها في أقل تقدير، فوجدت هيئة علماء المسلمين نفسها أمام مسئولية كبيرة، لدعم الفعل المقاوم بكل ما تملك، وتفويت الفرصة على المحتل في تحقيق هدفه لتقزيمها، وإبعادها عن التأثير في المشهد العراقي، فكانت تعلن صراحةً أن الاحتلال الأمريكي للعراق عدوان، وأن مقاومته بحسب القوانين الدولية عمل مشروع، أما بمقتضى الشرع الحنيف فهو جهاد ملزم، وأن ثمة مقاومة عراقية فاعلة، تقوم بواجبها الشرعي، ويتعيَّن علينا دعمها وإسنادها، ولم تكتفِ بالقول بل وطَّنت نفسها لتخدم هذا الهدف بيدها ودمها ولسانها ومالها وبكل ما تملكه من غالٍ ونفيسٍ؛ لأنها كانت تعلم أن المقاومة مربط الفرس، وبيت القصيد، وحجر الزاوية في تصحيح الأوضاع.

 

وقد دفعت الهيئة بسبب هذه المواقف ثمنًا غاليًا، فاستُهدف المئات من أعضائها قتلاً وتشريدًا واعتقالاً على يد قوات الاحتلال، أو يد عملائه، وهي ترى أن من فضل الله عليها أن هيَّأ لها الفرص لتقوم بهذه المهمة الشريفة.

 

لحظة الانتصار

* شكَّلت الهيئة دعمًا مباشرًا على المستوى الإعلامي والسياسي للمقاومة، هل تلعبون دورًا سنيًّا مرسومًا لكم بجانب الأحزاب السياسية السنيَّة لمواجهة الاحتلال والمحافظة على هويَّة العراق؟

** ما نلعبه هو دور وطني يراعي مصلحة العراقيين جميعًا، ودائمًا نقول من يُرِدْ مصلحة السنة فليعلم أن مصلحتهم تُحفظ يوم نتمكَّن من حفظ مصالح العراقيين جميعًا.

 

* ما الوقت المناسب الذي تراه الهيئة للمشاركة في العملية السياسية أم أن العمل السياسي لديها غير مقبول؟

** لحظة خروج الاحتلال من أرض العراق، وإجراء عملية سياسية نزيهة، تفرز قوى سياسية يكون الشعب قد اختارها فعلاً، ولا تدخل نفقًا مظلمًا لأسابيع ليتم التحكم بنتائجها وفق هوى الأجنبي.

 

* هل سيستمر دعمكم للمقاومة حتى إذا انسحب الاحتلال؟

** هذا يعتمد على الأوضاع بعد خروج الاحتلال، فإذا خلَّف الاحتلال احتلالاً آخر من أي دولة، أو ظلَّ على أرض العراق من يريد تثبيت أركان مشروع الاحتلال، فسنبقى من دون شك ندعم المقاومة، لأن المطلوب ليس خروج الاحتلال فحسب، بل خروج مشاريعه كلها.

 

* هل نجحت المقاومة في مهمتها لإحباط مشروع الاحتلال؟

** نعم.. من دون شك.. فالاحتلال جاء ليبقى ويهمين على البلاد والعباد، ومن ثم ينطلق ليحقق مشروعه في الشرق الأوسط الكبير، الذي مهَّد له، وأنفق جهدًا كبيرًا في إعداد ما يلزم لنجاحه، وما زلت أذكر في بداية الغزو ما قاله القادة الأمريكان في العراق: جئنا لنبقى، من دون أن يحددوا زمنًا، وكأنهم يريدون أن يوحوا بأنهم باقون على هذه الأرض إلى الأبد، ثم تعاطف آخر بعد مدة فخفَّض من سقف المدة التي أعلنها سلفه، فقال: جئنا لنبقى ستين سنة، هذا كان طموحهم، وهذه كانت أحلامهم، لكن الآن تغيَّر كل شيء، فقد فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد فشلاً لم يتورَّع كثير من الساسة الأمريكيين عن إعلانه في أكثر من مناسبة، ولم يعودوا يفكرون في البقاء لستين سنة، بل قد أعلنوا جدولاً لمغادرتهم على أن يترك آخر جندي منهم وفق الجدول المعلن أرض العراق في 2011م.

 

والسؤال الآن: من الذي أفشل مشروعهم؟ ومن الذي حطَّم أحلامهم وجعلهم ينعطفون بالتفكير إلى زاوية حادة بمائة وثمانين درجة؟.. إنها المقاومة العراقية الباسلة، التي بارك الله سبحانه وتعالى في جهدها وجهادها، فتسبَّبت في قتل عشرات الآلاف من جنود الاحتلال، وجرح عشرات الآلاف، وتعويق عشرات الآلاف، وكبَّدته خسائر مادية بلغت مئات المليارات، والاحتلال اليوم كمن أصابه الدوار، لا يعرف ماذا يصنع، ويتلمَّس طريق الفرار تلمُّس الأعمى.

 

لقد كان ثمن احتلال العراق الذي دفعته الولايات المتحدة الأمريكية هو بروز معالم تزحزحها عن موقع القطبية، والوقوف على شفا جرف هار، لا تدري متى ينهار بها، وإذا حدث ذلك إلى أين سينتهي بها المطاف، ولذا تجد الإدارة الجديدة لا شغل لها إلا إطفاء الحرائق التي أوقدها من قبلها، ومحاولة إيقاف الانحدار نحو الهاوية، والسعي للخروج من المأزق الذي وقعت فيه.

 

* هل ترى أن انسحاب القوات الأمريكية نهاية شهر يونيو المقبل يمثِّل انتصارًا للعملية السياسية في العراق؟

** هذا الكلام سمعناه من أطراف سياسية عديدة مشاركة في العملية السياسية في ظل الاحتلال، وهو أشبه بالمزحة، فهؤلاء يقولون إن الانسحاب الأمريكي جاء انتصارًا للعملية السياسية، وأنا لا أجد على هذه المقولة تعليقًا مناسبًا سوى التذكير بالمثل القائل: حدث العاقل بما لا يُعقَل؛ فإن صدَّق فلا عقل له.

 

فاللعبة السياسية كانت مهمتها تثبيت أركان الاحتلال، وقد أتقنت دورها، ولم تُخيِّب ظن المحتل فيها، ولولا فعل المقاومة، لتمكَّن المحتل بفضل العملية السياسية من البقاء على أرض العراق لعقود طويلة.

 

الاتئلاف الحاكم

* من وجهة نظرك ما هو مستقبل الائتلاف الحاكم في العراق بعد الترتيبات الأمنية والسياسية التي أفضت إليها الاتفاقيات الموقَّعة مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى؟

** لا مستقبل لهذا الائتلاف، لأنه مرتبط بالاحتلال الأجنبي للبلاد وجودًا وعدمًا، وحين يكتمل الانسحاب لقوات الاحتلال سيكتمل انسحاب الائتلاف الحاكم أيضًا؛ بمعنى أنه سيفر الجميع إلى مقار إقامتهم الثانية، سواءٌ في بعض دول الجوار أو بعض دول الغرب، ومنهم من أودعوا الأموال التي سرقوها من العراق وشعبه في دول خارجية، وهي من الكثرة بمكان؛ بحيث إنهم يعتقدون أنها تكفي أولادهم وأحفادهم، وربما أحفاد الأحفاد أيضًا، إذا تسنَّى لهم الاحتفاظ بها من ملاحقة القوى الوطنية التي يوم تمسك بزمام الأمور سيكون من أولوياتها استرداد الأموال المنهوبة وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

 

أما دور قوات الاحتلال في ضمان الاستقرار السياسي للنظام الحالي، فالحق أن النظام السياسي لم يستقر أبدًا، وما زالت الحكومة مثل سابقاتها حبيسة المنطقة الخضراء، لكنَّ هذه القوات- بما تملك من قوة- فرضت إبقاء هؤلاء الساسة على سدَّة الحكم، ولو كانت هذه القوات قادرةً على ضمان الاستقرار السياسي لما فكَّرت في مغادرة العراق أبدًا.

 

أما ما سميته بالترتيبات الأمنية التي أفضت إليها الاتفاقيات الموقَّعة مع الولايات المتحدة، فلا أظنها ستغني شيئًا، أو تمنح النظام السياسي الموجود أية حصانة حين يقرر الأمريكيون النفاذ بجلدهم، والانشغال بمشاكلهم الداخلية التي بدأت تتفاقم يومًا بعد يوم.

 

السنة والشيعة

* ما زالت إشكالية السنة ووضعيتها في المشهد العراقي مجال نقاش وتساؤل، فما هو وضع السنة بالضبط؟

** نحن لا نفرِّق بين سنة وشيعة وعرب وأكراد، هؤلاء وغيرهم جميعًا عراقيون، وكلهم في المعاناة سواء، قد تختلف درجة المعاناة من مكون إلى آخر، لكن بالمحصلة الجميع يرزح تحت الاحتلال، ويذوق ويلاته، وويلات من نصبهم الاحتلال على سدة الحكم، فلا كرامة ولا سيادة، ولا خدمات، ولا صحة للجميع، ولا يتوافر الحد الأدنى من الاعتبارات الإنسانية لهم.

 

ومن يرد أن يقف على وضع السنة في العراق فلينظر إليهم بهذا المنظار، فهم جزء من كل يتعرض لمحنة واحدة.

 

الفرق كبير

* مع بداية السنة السادسة للاحتلال كيف تتذكر اليوم الأول لدخول القوات المحتلة أرض العراق، وما الذي شهدته العراق بين هذين اليومين؟

** بالنسبة للأمريكان يوم الاحتلال كان يوم الشعور بنشوة النصر، والإحساس بالغلبة، تمامًا مثل الوحش حين يلاحق فريسته ويتمكن منها، تمر عليه اللحظات الأولى وهو في زهو وكبرياء، أما مع اليوم الأول من السنة السادسة للاحتلال فهو بالنسبة لهم يوم الشعور بالهزيمة والخيبة، والندم على ما أقدموا عليه.

 

وأنا على يقين أنهم اليوم يتمنون لو أنهم لم يقدموا على احتلال العراق، وإن أبقوا على ما كان للولايات المتحدة الأمريكية من هيبة لدى دول العالم قبل غزو العراق.

 

أما بالنسبة للعراقيين: فاليوم الأول من الاحتلال كان يومًا محبطًا، ملؤه الخوف والشعور باليأس أما مع بداية السنة السادسة فقد عادت الثقة للشعب العراقي، وتنامى لديهم الأمل بعودة الأمور إلى نصابها.

 

البرلمان العراقي

* فيما يتعلق بالبرلمان العراقي، الجميع يشهد أنه يواجه صراعًا بين القوى السياسية، كيف ترى الهيئة هذا الصراع؟

** هو صراع أكلة القصعة، يهم كل واحد من القائمين عليها أن ينهش منها من غير مراعاة الآخر، فالأقوياء يريدون أن ينهشوا كل شيء، وكأن كل ما أودع في بطونهم لم يسد جوعتهم، ولم يرض نهمهم، والضعفاء يبذلون قصارى جهدهم لينالوا شيئًا منها، فتوضع العقبات في طريقهم، ويثار عليهم، وكأنهم المستولون على كل شيء، والشيء الخافي على الطرفين، أن القصعة مسمومة، وأن القصعة العامرة الطازجة ليست أمامهم أصلاً، بل هي أمام أسيادهم.

 

لا خوف الآن!

* المخاوف المتزايدة بتقسيم العراق، كيف تراها الهيئة، وهل ستزيد بعد انسحاب القوات الأمريكية؟

** أعتقد أن مرحلة الخوف من تقسيم العراق قد انتهت، حيث أكد العراقيون من خلال فعاليات شتى أنهم مع وحدة العراق أرضًا وشعبًا، وأن التقسيم بالنسبة لهم خط أحمر حتى إخواننا من الشعب الكردي لم يعد يميلون إلى خيار الانفصال الذي كان يطرحه ساستهم، وقد انكشف لهم أن الساسة كانوا يضمرون من وراء تلك الدعوات تحويل مناطقهم إلى إمارات يحكمونها عائليًّا، ولم يكن في وارد حساباتهم مصلحة الشعب الكردي من قريب أو بعيد، وهكذا الحال بالنسبة للمكونات الأخرى وساستها التي تزعم أنها تمثلها.