السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ابن شقيقي عمره 17 سنة، وهواياته الإنترنت والماسنجر؛ فهو شخص يقضي كل وقته أمام الكمبيوتر، ويجلس في غرفته طوال اليوم، ولا نراه إلا وقت الغداء أو العشاء، أو عندما يريد مصروفه، وهو عصبيٌّ وعنيد، ولا يصلي، لكن فيه طيبة، وهذه التغيُّرات حصلت عندما كبر، وعندما أنصحه بالصلاة أنا ووالداه يتضايق قليلاً ولا يريد أن ينصحه أحد، وهو يعلم أنه على خطأ، وأحيانًا عندما نطلب منه أن يخرج أو يصطحبنا إلى مكان معين يوافق.

 

وبالنسبة لعلاقته معي فهي جيدة، ويكلمني باحترام، أما مع أخواته الفتيات فهو عصبيٌّ معهن، ولا يطيع كلامهن، فإذا تشاجرْنَ معه لا يصمتن ويرددن عليه، وأنا من رأيي أن يصمتن ولا يرددن عليه.

 

وبالنسبة لتعليمه فقد حصل على شهادة متوسطة ولم يكمل بعدها، ولا أرتاح لأصدقائه، فهم أناس لا هدف لهم، وأنا لا أريد لابن أخي أن يضِيع مثلهم؛ فبم تنصحني؟!

 

الرد: بقلم- أحمد صلاح:

الأخت الكريمة..

جزاكِ الله خيرًا على اهتمامك بابن أخيك، في تصرف يثبت حرصك على صلة الرحم، واهتمامك بمشكلاتهم ورغبتك في إصلاح النفوس وهداية الناس.

 

الأخت الكريمة..

اتضحت الصورة لي تمامًا بعدما حدَّدتِ لي سنَّ الابن العزيز؛ سن السابعة عشرة، وهو سنٌّ يضرب في عمق مرحلة المراهقة؛ التي تتميز بالرغبة في الاستقلال ورفض السلطة والبحث عن الذات وإثبات الشخصية، وهو ما يؤدي إلى ظهور سلوك العناد وحدوث المشاجرات مع الإخوة، والعزلة أحيانًا، والبحث عن صداقات ربما لا نرضى عنها، إلا أن المراهق يتمسَّك بها كلما زاد رفضنا لها.

 

وربما تتضح الصورة لي ولك أكثر وأكثر، عندما ذكرت في رسالتك أن هذا العناد وعدم تقبل الأوامر أو النصائح تخف حدَّته جدًّا معك أنت بالمقارنة بوالديه وإخوته.

 

ماذا حدث إذًا؟

الذي حدث أن الوالدَين الكريمَين فاتهما أن الابن منذ سن الثانية عشرة سيدخل مرحلةً جديدةً، ومن الممكن أن نطلق عليها "عالم جديد.. اسمه عالم المراهقة"؛ هذا العالم له فلسفة خاصة ومختلفة بشدة عن مرحلة الطفولة، ويحتاج إلى طريقة للتعامل إن لم يدركها الوالدان سيفاجئان بتغيُّرات غريبة يظلان مندهشَين لعدم معرفة سببها، والسبب أنهما ظلا يتعاملان مع ابنهما المراهق بنفس طريقتهما في التعامل مع ابنهما الطفل، طريقة الأوامر وعدم النقاش وعدم إعطائه فرصةً لإبداء رأيه وممارسة حريته، وربما السخرية منه من أمور يحبها، كما يحدث بين الإخوة غالبًا، والمراهق يحتاج لمن يقدِّره ويحترمه ويناقشه ويستمع لرأيه ولا يفرض عليه سلطته، ويحتاج لمن يشجِّعه ويعطيه الثقة والتقدير.

 

ولأن الوالدين ما زالا يتعاملان مع ابنهما بمنطق الطفولة، فطبيعي أن يظهر منه سلوك العناد لكل الأوامر، سواء بالرفض الصريح المباشر أو بالرفض غير المباشر عن طريق الكذب، ويتحول المنزل للمراهق إلى مجرد مكان للسكن، ويحاول هو بقدر المكان أن ينعزل عن كل من يصرُّ على معاملته كطفل، فيغلق عليه حجرته ويصنع لنفسه عالمًا آخر داخل البيت، وهو الكمبيوتر والإنترنت، وخارج البيت يعيش مع عالمه الآخر، وهو عالم الأصدقاء.

 

هو يستريح كلما ابتعد عن السلطة، وكلما ابتعد عن الأشخاص الذين يصرُّون على استخدام السلطة بأسلوب لا يحترم رأيه ولا تفكيره ولا رغباته، لذا فهو يستريح مع أصدقائه، ويستريح معكِ أنت أيضًا، فلأنك لست والدته، تخفّ الضغوط العصبية عليك، وتتزايد مساحة الحوار والحب وتقلّ الأوامر، فيقترب منك أكثر، ويتقبَّل كلامك أكثر.

 

إذًا.. المشكلة ليست مشكلة عدم الصلاة فقط.. المشكلة أن الابن سيعاند في كل ما سيطلبه منه الأبوان، وسيجد الأبوان صعوبةً بالغةً كلما حاولا تغيير سلوكه أو تقويمه إذا أخطأ، ومشكلة الصلاة دائمًا تلفت نظرنا بشدة نظرًا لبعدها الديني وحساسيتها بالنسبة لنا.

 

الأخت الكريمة..

إن الإنسان لا يغيِّر سلوكه لمجرد أن شخصًا ما قال له إن هذا السلوك خطأ، حتى وإن كان مقتنعًا بخطئه، وإنما يغيره لاعتبارات نفسية تتعلق بالشخص الذي يدعوه إلى تغيير الخطأ، مثل الحب والاحترام وفهم الشخصية.

 

وتغيير السلوك لن يحدث بين يوم وليلة، كما أن الخطأ لم يستمر يومًا وليلة، فلقد ظل الآباء يتعاملون بطريق الخطأ طيلة خمس سنوات كاملة تراكمت فيها مشاعر سلبية لدى الابن، تحتاج لتغييرها فترة ليست قصيرة، ترجع لاستعداد الأبوين لتفهُّم الأمر وقدرتهما على تغيير أسلوب التعامل مع ابنهما.

 

والرسول عندما تحدث عن أمر الصلاة قال: "عوِّدوا أولادكم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر"؛ في إشارةٍ إلى أن تغيير السلوك لا بد أن يسبقه تمهيد وتخطيط، كما أنه يحتاج إلى صبر ورويَّة يفقدهما الأبوان غالبًا؛ نتيجة خوفهما الزائد أو عصبيتهما وعدم تحمُّلهما رؤية الأبناء يخطئون، ويظنون أن العصبية والغضب- وربما العنف- وسائل كافية لتتغير السلوك، وهو ما لا يحدث في مرحلة كمرحلة المراهقة.

 

يحتاج الأبوان الكريمان إلى فهم خصائص مرحلة المراهقة؛ عن طريق قراءة كتب يسهل الحصول عليها، وتتناول الموضوع بسهولة وبساطة، وأرشِّح منها كتاب (مراهقة بلا أزمة) في جزءين للدكتور أكرم رضا.

 

يحتاج الأبوان إلى مد جسور الود والحب والصداقة والاحترام مع ابنهما.. احترام الرأي والمواهب والهوايات، والتخفيف من سلطة الأوامر المباشرة القهرية، ومراعاة الظروف والمشاعر، وفتح قنوات حوار دائمة لا تنتهي.

 

يحتاج الأبوان الكريمان إلى عدم التعجُّل والرويَّة والهدوء، والتخطيط لبناء علاقة جديدة قوية بينهما وبين ابنهما العزيز.

 

بعدها سيصبح سهلاً عليهما بإذن الله أن يُقنعا ابنهما، ليس بالصلاة فقط، ولكن بتغيير أي سلوك يظنان أنه خطأ ويحتاج إلى تعديل.

 

بقي ألا نغفل عنصرًا مهمًّا وأساسيًّا في علاقتنا مع أبنائنا، وهو (الدعاء)، والإلحاح فيه بإصلاح حالهم وهدايتهم، فربما تفشل جهودنا مع أبنائنا، ولكن إجابة دعوة في جوف الليل يتضرع صاحبها إلى الله لأبنائنا بالهداية، تُكتب لهم، سواءٌ عن طريقنا أو عن طريق غيرنا، وكم من أبناء أجهدوا آباءهم وعاندوهم حتى استيأسوا، ثم فوجئ الجميع بعدها بهدايتهم بصورة مذهلة لم يتوقعها أحد.

 

بقي أن نقول أيضًا: إن صلاح حال الآباء مع الله ييسِّر عليهم الطريق لأبنائهم، وإن الاستغفار وهجر الذنوب يُشيع جوَّ الأمان والطمأنينة على الجميع، ويجعل مهمة الشيطان عسيرة إلى نفوس من نحب.

 

ربما يكون الطريق طويلاً، لكن الوصول عن طريقه أكيد بإذن الله.

 

وفَّق الله ابن أخيك ورعاه وهداه، وحفظه وكلَّ أبناء المسلمين من كل سوء.