- العملاء هم مَن أبلغوا الصهاينة عن اجتماع الأجهزة الأمنية يوم القصف
- مئات المقاومين يشاركون في عمليات ضد العدو وهم بأطراف صناعية
- شعبية حماس لم تتأثر سلبًا بالعدوان لأن الشعب رأى فيها نظافة اليد
- يوم القصف كان مخصصًا لتخريج 200 ضابط استعدادًا لأي عدوان
حوار- أحمد عبد الهادي:
أسئلة كثيرة ما زالت تدور في الأذهان عن الكيفية التي عرف بها العدو الصهيوني مكان وموعد اجتماع القيادات الأمنية الفلسطينية، وهل تأثر قصف المقارات الأمنية واستشهاد المئات من أفراد الأمن الفلسطيني بالوضع الداخلي؟، ولماذا يقف الشعب الفلسطيني مع حركة حماس رغم القصف والحصار؟.
كل هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على ياسر عبد القادر شاهين مدير أمن جهاز حماية القادة في محافظة رفح الفلسطينية, في حوارٍ أجريناه معه خلال وجوده بالقاهرة لتلقي العلاج؛ حيث كان أحد الذين أُصيبوا في اللحظات الأولى للقصف الصهيوني على القطاع يوم السبت 27 ديسمبر من العام الماضي.
وياسر شاهين مسئول عن تأمين كبار القادة والمسئولين الفلسطينيين سواء أكانوا وزراء أو مسئولين كبارًا في محافظة رفح الفلسطينية، ومن بين الذين رافقهم الدكتور عطا الله أبو السبح وزير الثقافة السابق.
* وبدأنا معه حوارنا بسؤالٍ عن سبب الإصابة، ومتى حدثت؟
** أصبت في أول يومٍ من القصف؛ حيث كنا في اجتماعٍ طارئ وتم قصف جميع المقرات التابعة للأجهزة الأمنية بحكومة الوحدة الوطنية، وكذلك المؤسسات الرسمية والمقار الأمنية لكتائب القسام فجميعها قصفت في آن واحد.
* هل كان هذا الاجتماع معروفًا لهذا الحد؟
** بالعكس، فالاجتماع كان سريًّا لدرجة أنه لم تستخدم الهواتف الجوالة أو الأرضية في التبليغ به، إلا أن العملاء الذين يراقبون الأجهزة الأمنية كان لهم رأي آخر؛ حيث كان هذا اليوم مخصصًا لتخريج دفعة جديدة من دورة إعداد الضباط وعددهم 450 شخصًا وتم بالفعل في هذا اليوم تخريج 200 شخص استعدادًا لما قد يفعله الصهاينة بعد إنهاء الهدنة، ولكن هذا كان قدرهم، والاجتماع كان بالطابق الثاني وبدأ في الساعة الحادية عشرة صباحًا تقريبًا، ولكني من شدة القصف فوجئت بأنني تحت "الردم" في الدور الأول حتى إنني بقيت تحت الردم لمدة ساعتين تقريبًا إلى أن جاء أحد الإخوة وحفر عليَّ وأخذوني إلى مستشفى الشفاء.
وقد كان في الاجتماع 15 واحدًا لم يتبقَّ منهم إلا أنا واثنان آخران اللذان استشهدا بعد ذلك، ثم نُقلت إلى مستشفى القدس التي قُصفت ودُمِّرت بعد خروجي منها، كما اختطف منها بعض الجرحى.
ولأن الأوضاع كانت خطيرة جدًّا فقد نقلونا إلى مستشفى غزة، وفي هذه الأثناء كان معبر رفح قد أُغلق ولم يسمح لي بالخروج للعلاج فبدأت حالتي تزداد سوءًا.
![]() |
|
علاء شقيق ياسر شاهين |
** سبحان الله الجزء الذي كان ظاهرًا مني من الردم كان الساقين من الركبة إلى آخر قدمي، وكأنَّ الله أرادَ أن يحفظني فدفنني؛ حيث أُصبت بكسورٍ شديدة وتفتيت في عظام الساقين وجلطة في الصدر، بالإضافةِ إلى عدة جروح وكدمات بالرأس، وبدأت حالتي تزداد سوءًا حتى فقدت الوعي، ويروي لي إخوتي أنه في يوم القصف وصل إلى مستشفى الشفاء حوالي 500 حالة حتى الساعة الخامسة، وكانت حالتي من أصعب الحالات الموجودة، وقام شقيقي علاء مع الأطباء الموجودين بعمل إسعافات أولية؛ وذلك بتثبيت قدمي بأخشاب، ولم نقم بعمل أي إشاعاتٍ؛ وذلك لأن حالتي البدنية كانت أفضل بعض الشيء بالمقارنة بإصابات أخرى كثيرة، كما قمتُ ببعض الاتصالات حتى تمكنوا من نقلي إلى المستشفى الأوروبي على مسئوليتهم الخاصة تحت أوضاع صعبة للغاية بسبب القصف المستمر وقصف سيارات الإسعاف والطواقم الطبية وقطع الطرق؛ لدرجة أنهم كانوا يتركون السيارة ويحملونني على أيديهم لمسافات طويلة، فازدادت حالتي سوءًا عند وصولي إلى المستشفى، فتم وضعي في العناية المركزة، وتم تدبير جهاز تنفس صناعي، وسرير غير مجهز إلا أن الله وفقنا في استخدامه، ولم نتمكَّن من عمل فحوصاتٍ أخرى للصدر بسبب كثرةِ المصابين، والذين هم أشد حاجةً مني لتلك الفحوصات، كما أن معظم الفحوصات لم تكن متوفرةً أصلاً، وهو ما أدَّى إلى استمرار الغيبوبة التي دخلتُ فيها بعد يومٍ من إصابتي، وعندما تم فتح المعبر أمر الأطباء بسرعة نقلي إلى مصر لإجراء العمليات الجراحية اللازمة, إلا أنه تم قصف المنطقة المجاورة للمعبر فلم يتمكنوا من نقلي إلا في ساعاتِ التهدئة التي سُمِحَ بها لنقل الجرحى، وبذلك كنتُ من أول الحالات التي دخلت مصر.
* كيف تلقت أسرتك الخبر؟
** في ظل الأوضاع الدائرة كانت الأسرة تتوقع إما إصابتي أو استشهادي في أي لحظة- والله أكرمنا بأم وأب قويان يتوقعان استشهادنا في أي وقت، وكما يروي لي أخي علاء فقد جاءهم الخبر في البداية بأنني استشهدتُ فذهبوا من رفح إلى غزة تحت القصف ليأخذوا جثتي، ولكنهم وجدوني في صحةٍ جيدةٍ عن باقي المصابين.
* أنت تعمل مديرًا لجهاز الأمن في رفح.. فهل كنتم تتوقعون هذا القصف؟
** يوم القصف نفسه كان يومًا مفاجئًا، لكن فكرة الاجتياح والقصف كنا على يقينٍ بها من يوم أن أعلنت حماس وقف التهدئة.
* معنى ذلك أنكم كنتم مستعدين للقصف منذ آخر يومٍ في التهدئة؟
** بالطبع؛ لأنهم كانوا يهددون بوجود عملية برية للقطاع، كما أننا اعتدنا من الصهاينة أن يعقب كل تهدئةٍ ضربة قوية، فكان لدينا الحيطة والحذر، ولكن المباغتة كانت في اختيار اليوم.
* بما تفسر أعداد الشهداء المرتفعة جدًّا في اليوم الأول للقصف؟
** إذا لاحظتم، فقد تم قصف جميع المقرات في آنٍ واحد، وكنا متوقعين القصف لكن ليس في هذا اليوم؛ لأنه كان يوم إجازة طبيعية، وعلى الرغم من تحليق الطائرات المستمر بكافة أنواعها من طيرانٍ حربي وطيران استطلاع وغيره على القطاع حتى أثناء النهار إلا أنه في هذا اليوم بالذات كان الجو هادئًا حتى الظهر تقريبًا ثم انقلب الوضع بشكلٍ مفاجئ.
* كيف يستطيع الشعب الفلسطيني أن يعيش في هذه الأوضاع وأنتم تنتظرون الموت في أي لحظة؟
** أودُّ التوضيح أن الشهادة حتى ينالها الفرد لا بد أن يعمل لها، فنحن نعيش حياةً طبيعيةً جدًّا يخرج الناس لعملهم في الصباح ويعودون في منتصف النهار، ونقوم بالزيارات العائلية ونحتفل بالمناسبات، فنحن بشر نأكل ونشرب ونعيش.
مثلاً أذكر لكم موقفًا طريفًا، ففي أثناء القصف كان اليهود قد أعطوا مدة ثلاث ساعات يوميًّا لن يقوموا فيها بالقصف، وكان ذلك أثناء انتقالي لأحد المستشفيات فسمعتُ أصوات أفراح، وعندما سألتُ أخبروني أن أحد الأشخاص استغلَّ وقف الضرب ليتزوج, فهذه هي الحياة التي نعيشها ويخرج الناس إلى الأسواق، ولكن بحذرٍ لعدم وجود تجمعات لأن الصهاينة يستغلون وجود تجمعات ويقومون بقصفها.
حتى إسعاف الهلال الأحمر.. دمرته آلة الغدر الصهيونية

* هل يعني ذلك أنكم من كثرةِ ما تشاهدون من دماء تعودتم على الحياة في وسط الموت؟
** عدد الذين استشهدوا عام 2004م مثل هذا العدد تقريبًا ولم يتجه لنا الإعلام، فلم يعلم العالم ما حدث ورفح وحدها في هذا العام فقدت حوالي 160 شخصًا في يومٍ واحد.
* البعض يرى أن شعبيةَ حماس تأثَّرت بشكلٍ كبيرٍ نتيجة الحرب؟
** أولاً الحرب على حماس بعد الانتخابات التشريعية ثم بعد توليها الحكومة، فكانت أول أدوات الحرب هي الحصار، وفي هذه الأثناء قامت حماس بعقد مهرجان، وكان أكبر تجمع وُجِدَ في هذا المهرجان؛ أي أن شعبية حماس تزداد، ولذلك قام الكيان الصهيوني بإعلان عملية موسعة ضد القطاع، وأحكي لك موقفًا لإحدى نساء فلسطين تهدَّم بيتها، فوقفت أمامه مرددةً والله لو تهدَّم بيتي ثلاث مرات فلن أتخلى عن المقاومة.
فالشعب- يا أخي- شاهدَ نظافةَ اليد لحكومة حماس وتطبيقها للقوانين وعدالتها في توزيع التبرعات التي تصل إليها، وأتذكر أنه أثناء الحصار صدرت أوامر عليا بأنه ممنوع أن نأخذ الغاز إلا بعد أن يكتفي الشعب منه، وبعد تولي إسماعيل هنية لمنصب رئيس الوزراء رفض أن يخرج من مخيم الشاطئ، وأصرَّ على استمرارِ حياته في منزله الذي عاش به يوم أن كان مواطنًا عاديًّا.
* هناك مَن يقول إن المقاومة اختبأت في الأنفاق وتركت الشعب يلاقي مصيره؟
** هذا افتراءٌ وكذب.
* ولكن بما تفسر قلة أعداد المقاومين بين الشهداء والمصابين؟
** هل مطلوب مني أن أُستشهد أو أصاب حتى أثبت أني أقاوم؟!!، ولكني أجيب عليك ببساطة.. أولاً لأن المقاومين لهم خططهم التي يتحركون وفقًا لها حسب ساحة المعركة، وثانيًا أن آلات الحرب الصهيونية استهدفت المدنيين من الشعب وتدمير البنية التحتية حتى يضغط الشعب على المقاومة بسبب فشل الكيان الصهيوني في كشف أماكن المقاومين وأماكن إطلاق الصواريخ.
* بعد إصابتك.. كيف ستمارس حياتك؟
** من ميزات الشعب الفلسطيني أنه يجيد التعامل والتكيف مع الأزمات حتى اعتدنا عليها، ولقد تعودنا على هذا النظام، فسوف أعود إلى وطني وأمارس عملي كما كنت تمامًا رغم الإصابة، وأردُّ على مَن يظنون أن المصابين يصبحون عالةً على المقاومة، خاصةً أنه من بيننا من بُترت ساقه أو يده ورغم ذلك يقاوم ويرابط مع المجاهدين في أماكن الرباط بأطرافٍ صناعية.
وأنا أؤكد لك أنه عندنا من الشباب المقاومين يعمل لهم الكيان الصهيوني ألف حساب، وهو لا يعرف أنهم بأطرافٍ صناعية مثل الشهيد "محمد حرب"، الذي بُترت ساقه في إحدى المعارك وهو قائد كتيبة، واستمر بعدها يمارس عمله وهو لا يملك طرفًا صناعيًّا، وإنما يتحرك على عكازٍ خشبي حتى استُشهد في إحدى العمليات، ويكفينا الشيخ أحمد ياسين مثلاً أعلى، وهو القعيد الذي غيَّر مسار أمة.
