- الخبراء: قرار اعتقال البشير له آثار خطيرة على النمو الاقتصادي

- توقعات بتراجع الاستثمارات الأجنبية كوسيلة ضغط دولية على النظام

- الصين في مأزق تأييد القرار وإطاعة أمريكا أو رفضه وخسارة السودان

 

تحقيق- إسلام توفيق:

كشف قرار المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة اعتقال ضد الرئيس السوداني عمر البشير العديد من التساؤلات عن مستقبل السودان الاقتصادي والاستثمار الأجنبي والمحلي، خاصةً بعد إعلان بعض المستثمرين عن مخاوفهم من حركات التمرد في جنوب السودان أو من الغموض الذي قد يواجه السودان في الفترة المقبلة.

 

ففي وقتٍ سابقٍ قبل إصدار المحكمة الجنائية قرارها باعتقال البشير قال وزير الاستثمار السوداني جورج بورينق إن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السودان قد تتراجع في عام 2009م مقارنة بالعام الماضي بسبب المخاوف من تداعيات قرار الجنائية الدولية؛ حيث أكد أن المستثمرين ابتعدوا عن الاستثمار في السودان بسبب شبح قرار الاتهام؛ مما أدَّى إلى فتور الحماس، مشيرًا إلى أن قيمة الاستثمارات الأجنبية في عام 2008م تراوحت بين 2.3 مليار دولار وثلاثة مليارات دولار، وأن 80% من هذه الاستثمارات من دول أسيا، وخاصةً الصين.

 

تراجع

وقال: إن أغلب الاستثمارات تركزت في قطاع النفط والغاز والبنية التحتية، وإنه في ظلِّ التباطؤ الاقتصادي الحالي وقرار المحكمة لا يجب أن نعول على الاستثمارت مهما كانت.

 الصورة غير متاحة

 سودانيون يرفعون لافتة تأييد ضخمة للرئيس عمر البشير

 

التصريحات نفسها كررها وزير الطاقة والتعدين السوداني عندما ذكر أن المستثمرين يؤخرون مشاريع في السودان بسبب الغموض حول نتيجة قضية جرائم الحرب التي تلوح في الأفق ضد الرئيس البشير؛ حيث أكد الوزير الزبير الحسن أن القضية أضرت بثقة المستثمرين على الرغم من أن صناعة النفط الرئيسة في السودان تبدي مؤشرات على النمو المستمر.

 

وقال: إن بيئة الانتظار والترقب ليست إيجابيةً بالنسبة للسودان، فما الحال عندما تقضي المحكمة حكمها باعتقال البشير؟، وأشار إلى أنه من السابق لأوانه أن نعرف كيف سيضر القرار تحديدًا بصناعة النفط التي وفرت في العام الماضي أكثر من 60% من عائدات السودان.

 

وقال: إن السودان كان من المتوقع أن ينتج ما يتراوح بين 540 ألفًا إلى 550 ألف برميل في المتوسط يوميًّا خلال عام 2009 "لينتهي العام بما يقارب 600 ألف برميل".

 

تضامن دولي

في الوقت نفسه قال السفير الصيني لدى السودان لي تشنغ ون إن بلاده تبذل جهودًا كبيرةً لإيجاد السبل لحل هذه القضية، وكشف عن اتصالات مع جهات دولية وسودانية لمتابعة التطورات الحالية، لكنه نفى تقديم بلاده لأي مقترحات لإخراج أزمة السودان، خاصةً الصين لديها مشروعات كبيرة لاستخراج النفط في السودان.

 

وعلى الرغم من التصريحات السابقة أكدت إنجلينا جانج تنج وزيرة الدولة بوزارة الطاقة السودانية عدم تأثر قطاع البترول بقرار المحكمة الجنائية ضد الرئيس السوداني عمر البشير.

 

وقالت إن العقوبات على البترول ليست جديدة وإن العقوبات الأمريكية موجودة في قطاع البترول، مشيرةً إلى أن الوزارة ستوالي جهودها لفتح أسواق جديدة في العالم، مبينةً أن هناك مستثمرين لديهم الرغبة للعمل في السودان رغم القرار.

 

وأضافت أن القرار الآن ليس له أي تأثير على قطاع البترول، وأن كلَّ الدول التي تعمل في البترول أكدت مواصلتها للعمل مع الحكومة لاستخراج وتصدير البترول.

 

من جانبه قال وزير المالية السوداني عوض أحمد الجاز إن بلاده لديها مناعة قوية ضد الحظر الاقتصادي، وذلك تعليقًا على مدى تأثر اقتصاد السودان بإصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق الرئيس عمر البشير، وما قد يترتب عليها من قرارات حظر اقتصادي مستقبلاً.

 

وكشف الجاز في تصريحات للصحفيين أن حكومته تحوطت لتلك الاحتمالات بخطة تراهن على المزيد من الاعتماد على الذات وعلى الاستثمارات مع الأصدقاء.

 

ونفى الجاز أن تكون هناك آثار سالبة محتملة على الاقتصاد السوداني جراء تداعيات قرار المحكمة الجنائية ضد البشير، وقال إن حكومته تعتمد أصلاً على الذات في اقتصادها بسبب الحظر الاقتصادي المفروض عليها بأشكال مختلفة منذ وقت بعيد.

 

(إخوان أون لاين) يفتح ملف الاستثمار والاقتصاد في السودان بعد مذكرة اعتقال البشير وما هو تأثير هذه المذكرة على الاقتصاد السوداني؟ وهل سيبتعد المستثمرون خوفًا؟ أم سيبقون طمعًا في خيرات السودان؟.

 

دارفور

 الصورة غير متاحة

د. عبد الحميد الغزالي

في البداية أكد الدكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أن كل الأطروحات ممكنة تجاه الاقتصاد السوداني، خاصةً أن الغموض يسيطر على الوضع السياسي نتيجة عدم الاستقرار، والذي سيؤدي حتمًا للتأثير سلبيًّا داخل السودان سواء على الاستثمار الأجنبي أو المحلي.

 

وقال إنه ما دامت مشكلة دارفور قائمة وما دام الغرب يسعى لتقسيم السودان سيكون هناك تأثير سلبي على الاقتصاد والاستثمار، مشيرًا إلى أن المستثمرين سيخافون على استثماراتهم الموجودة بكثرة في الجنوب من حركات التمرد والعنف الذي قد تشهده الساحة السودانية قريبًا.

 

وقال إنه لا يمكنه التنبؤ بفرض عقوبات اقتصادية على السودان، ولكنه أشار إلى أن هذه العقوبات سيكون لها أثر كبير في تدهور حال السودان اقتصاديًّا، مطالبًا بأخذ مصالحة الدوحة في الحسبان حتى لا يتدهور حال السودان أكثر مما هو فيه.

 

تخريب

 الصورة غير متاحة

د. جهاد صبحي

وأكد الدكتور جهاد صبحي أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر أن هذه المذكرة تؤكد ازدواجية المعايير والتحيز الشديد من المجتمع الدولي ضد بلدان العالم العربي والإسلامي، مشيرًا إلى أن مذكرة الاعتقال يقصد بها تحقيق أهداف أخرى بخلاف معالجة صراعات الداخل السوداني ومنها القضاء على الاستثمارات الأجنبية داخل السودان، وأن هذا غير معلن خاصةً أن السودان أصبحت بؤرة جديدة وتربة خصبة للاستثمارات في كافة المجالات.

 

وقال إنه من المعلوم أن الاستثمارات لا تأتي إلا لجهة مستقلة اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، وهو ما يحاول الغرب التزود به من السودان حتى تنشب الصراعات مرةً أخرى.

 

وشدد على أن المجتمع الدولي يقصد بهذه المذكرة عدم زيادة الاستثمار، خاصةً أن المجتمع العربي وجَّه قدرًا كبيرًا من استثماراته إلى السودان، خاصةً في مجال الزراعة والأغذية؛ لأنه يعاني من فجوة غذائية والذي يقدر بـ20 مليار دولار سنويًّا.

 

كما أشار إلى أن الاكتشافات الأخيرة للبترول في الجنوب شجَّعت عددًا من الشركات بعمل مشروعات تنافس المشروعات الأمريكية، خاصةً الصين التي فتحت أسواقًا جديدةً لها بغزارة في السودان؛ مما جعلها توفر قدرًا كبيرًا من احتياجاتها من النفط بعيدًا عن السيطرة والهيمنة الأمريكية، وأن الضربة الأخيرة بمذكرة اعتقال البشير ستبعد كافة الاستثمارات القديمة والجديدة من السودان.

 

واختتم كلامه قائلاً: "أتوقع فرض عقوبات اقتصادية أخرى على السودان، خاصةً بعد قرار طرد المنظمات الدولية منها"، مشيرًا إلى أنه بهذا القرار في حالة تنفيذه سيبقى اقتصاد السودان وكأن لم يكن.

 

عراق جديد

 الصورة غير متاحة

د. حمدي عبد العظيم

ويرى الدكتور حمدي عبد العظيم رئيس أكاديمية السادات (الأسبق) أن القرار سيكون لديه تداعياته الكبيرة على الاستثمار والاقتصاد القومي السوداني، بل إنه سيزيد من القلق والشك والريبة عند المستثمرين عامة والأجانب خاصةً لقربهم من دائرة صناع القرار.

 

وقال إن التوقعات بازدياد أعمال العنف والشغب وتحركات التمرد التي قد تستهدف هذه المشروعات الاستثمارية والنشاط الاقتصادي دون التفريق بين إذا كان هذا الاستثمار داخليًّا أم خارجيًّا، كما أنه استبعد أن يكون هناك نمو للاستثمارات الداخلية خوفًا من هذه الحركات.

 

كما أشار إلى أنه حانت للجنوب السوداني فرصة الاستقلالية ليس فقط من دولة السودان ولكن بالفوز أيضًا بأبيار البترول الغنية في هذه المنطقة، وأوضح أن كل هذا سيؤدي في النهاية إلى انخفاض مستوى المعيشة في السودان الذي سيمر بمعاناة كبيرة على الشعب سيستخدمها الغرب وأعداء السودان كوسيلة للضغط على الحكومة.

 

كما لم يستبعد عبد العظيم أن يرى صورةً مشابهةً في السودان لما يحدث الآن في العراق، خاصةً أن الاستثمار يبحث عن الأمان من المخاطر وهو الشيء الذي لن يكون موجودًا في السودان خلال الفترة القادمة.

 

تفاقم أزمة

 الصورة غير متاحة

د. جمال حشمت

ووضح الدكتور جمال حشمت مسئول ملف السودان باتحاد أطباء العرب أن قرار اعتقال البشير سيؤدي حتمًا لإفساد العلاقات في الداخل السوداني، وسيزيد من التوتر والقلق بين الأهالي أنفسهم، مشيرًا إلى أن هذا سيؤثر على كل أعمال السودان الاستثمارية والإغاثية والتنموية.

 

وقال إن حركات التمرد والعنف الذي قد يشهدها السودان سيؤدي إلى نقص استثماري سيزيد من معدلات الفقر وسيزيد من عدم القدرة على المعيشة بين الشعب، وهو الأمر الذي سيعيق أيضًا العمل الإغاثي والإنساني مما سيزيد من المشكلة.

 

إشاعات

فيما قال السفير إدريس سليمان نائب رئيس البعثة الدبلوماسية السودانية ونائب المندوب الدائم لجامعة الدول العربية إنه لا يمكن الآن الجزم بأن الاقتصاد والاستثمار قد يتأثر أم لا خاصةً أن الوضع في السودان الآن لم يتغير بعد صدور مذكرة اعتقال الرئيس البشير.

 

وأشار إلى أن مروجي الإشاعات وقادة المحكمة الدولية ومن وراءهم سعوا بكل قوة لضرب الاقتصاد والاستثمار السوداني الداخلي والخارجي بإصدار هذه المذكرة والتلويح باعتقال البشير واستخدام القوة ضد السودان، أو عن طريق التلويح بمتمردي الجنوب السوداني رغبة منهم في الاستيلاء على خيرات السودان واستثماراتها.

 

ولكنه لم يستبعد هذا التأثير خاصة في الجنوب السوداني الذي قد يشهد بعض الاضطرابات القبلية، خاصةً أن هناك بعض الأماكن غير مؤمنة بالكامل، مشيرًا إلى أن العرب ضيعوا أكثر من 2.5 تريليون دولار في بلاد ظنوا أنها ستكون آمنةً اقتصاديًّا مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الذي لم يخسروا أي استثمارٍ لهم خلال فترة الحرب الأخيرة في دارفور.